حجم الخط:

محتوى الدرس (50)

الفصل الرابع: النفاق الأصغـــر

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: تعريفه وحكمه:

النفاق الأصغر هو: أن يظهر الإنسان أمراً مشروعاً ويبطن أمراً محرماً يخالف ما أظهره[1].

فكل من فعل أو قال قولاً مشروعاً واجباً أو مستحباً أو مباحاً، وقد أبطن ضد ما أظهره فقد فعل خصلة من خصال النفاق الأصغر، ويسميه بعض أهل العلم «النفاق العملي» لأنه يتعلق بالأعمال، وليس فـي الاعتقاد[2]، وأطلق عليه بعض أهل العلم أيضاً «نفاقاً دون نفاق»[3].

وحكم هذا النفاق أنه محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب[4]، ومن فعل خصلة من خصاله فقد تشبّه بالمنافقين[5]، ولكنه لا يخرج من ملة الإسلام بإجماع أهل العلم[6].

المبحث الثاني: خصاله وأمثلته:

للنفاق الأصغر خصال كثيرة، أهمها:

1- أن يكذب فـي كلامه متعمداً، ومن يسمع كلامه مصدق له[7].

2- أن يعدَ وفي نيته وقت الوعد أن لا يفي بما وعد به[8]، ثم لا يفي فعلاً بهذا الوعد[9].

3- أن يخاصم غيره، ويفجر فـي خصومتـه، بأن يعدل عن الحق إلى الباطـل متعمداً[10]، فيدّعي ويحتج بالباطل والكذب، ليأخــذ ما لا يجوز له أخذه[11].

4- أن يعاهد غيره بعهد، وفي نيته وقت العهد أن لا يفي به، ثم لا يفي فعلاً بهذا العهد[12].

والدليل على كون هذه الخصال الأربع من النفاق الأصغر: ما رواه البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً[13]، وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» [14].

5- الخيانة فـي الأمانة، وذلك بأن يأخذ الأمانات من الآخرين وفي نيته وقت أخذها أن يجحدها، ثم لا يؤدّيها إليهم[15]، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»[16].

6- الرياء فـي الأعمال الصالحة[17]، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أكثر منافقي أمّتي قراؤها»[18].

والمراد بنفاق القراء: الرياء[19].

7- إعراض المسلم عن الجهاد، وعدم تحديث نفسه به[20]، فقد روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات ولم يغز ولم يحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق»[21].

8- إظهار مودة الغير، والتقرب إليه بما يحب، مع إضمار بغضه، أو التكلّم فيه فـي غيبته بما لا يرضيه[22]، فقد روى البخاري عن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر، قال: قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نَعُدُّ هذا نفاقاً [23].

9- بغض الأنصار رضي الله عنهم فقد روى البخاري ومسلم عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق بغضُ الأنصار، وآية المؤمن حبُّ الأنصار»[24].

10- بغض الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد روى مسلم فـي صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: والذي فلَقَ الحبّةَ وبَرَأ النسمة إنه لعهد النبيِّ الأميِّ صلى الله عليه وسلم إليَّ: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق [25].

وهناك أمثلة أخرى كثــيرة لهذا النفــاق[26]، وبالجملة فإن من اجتمعـت فيه أكثر خصال هذا النفاق، واستمر عليها فهو على خطـر عظيم، ويُخشى أن يقـع فـي النفاق الأكبر[27]، ولذلك خـاف جماعات من أصحـاب النبي صلى الله عليه وسلّم هذا النفاق على أنفسهم، فقد خافه الخليفة الراشد عمـر بن الخطاب رضي الله عنه على نفسه [28]، وخافه الصحابي الجليل حنظلة الأسيدي رضي الله عنه والذي هو أحد كتاب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلّم على نفسه[29]، وخافه غيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم على أنفسهم[30]، وخافه بعدهم كثير من السلـــف الصالح[31] رحمهم الله عز وجل وتعالى وتقدس على أنفسهم[32].