والبدع كثيرة، وقد سبق ذكر كثير منها[1]، وسأذكر بشيء من التفصيل ثلاثاً من أخطر البدع العملية، وأكثرها وقوعاً والتي لا تصل إلى حد الشرك الأكبر، ولكن أدى ابتداعها والتساهل بها إلى الوقوع فيه فيما يلي:
* البدعة الأولى: التوسل البدعي:
[معنى التوسل البدعي]
التوسل في اللغة: هو التقرب إلى الشيء بالشيء. ومنه أن يتقرب شخص إلى شخص بعمل معين، أو بهدية معينة، أو بقرابة أو غيرها ليحصل له ما يريد منه[2].
والتوسل في الاصطلاح له تعريفان:
الأول: تعريف عام: وهو التقرب إلى الله تعالى بفعل المأمورات وترك المحرمات[3].
الثاني: تعريف خاص بباب الدعاء: وهو أن يذكر الداعي في دعائه ما يرجو أن يكون سبباً في قبول دعائه، أو أن يطلب من عبد صالح أن يدعو له.
والتوسل في أصله ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التوسل المشروع:
وهذا القسم يشمل أنواعاً كثيرة، يمكن إجمالها فيما يلي:
1- التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ ﴾ [الأعراف: 180].
وذلك بأن يدعو الله تعالى بأسمائه كلها، كأن يقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى أن تغفر لي[4]، أو أن يدعو الله تعالى باسم معين من أسمائه تعالى يناسب ما يدعو به، كأن يقول: "اللهم يا رحمن ارحمني"، أو أن يقول: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم أن ترحمني"[5].
أو أن يدعو الله تعالى بجميع صفاته، كأن يقول: «اللهم إني أسألك بصفاتك العليا أن ترزقني رزقاً حلالاً»، أو أن يدعوه بصفة واحدة من صفاته تعالى تناسب ما يدعو به، كأن يقول مثلاً: «اللهم انصرنا على القوم الكافرين إنك قوي عزيز»[6]، وكأن يقول: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»، كما ورد في السنة في دعاء ليلة القدر[7].
2- الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في بداية الدعاء[8]؛ لما ثبت عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلاً يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: «عجل هذا»، ثم دعاه فقال له: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء»، قال: وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي فمجَّد الله وحمده، وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «ادع تجب، وسل تعط»[9].
ومن ذلك أن يثني على الله تعالى بكلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، التي هي أعظم الثناء على الله تعالى، كما توسل بها يونس عليه السلام في بطن الحوت[10] ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول في توسله مثلاً: «لا إله إلا الله، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي».
ومن ذلك: سورة الفاتحة، فشطرها الأول ثناء على الله تعالى، وآخرها دعاء[11].
3- التوسل إلى الله تعالى بذكر وعده جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ [آل عمران: 194]، ومنه أن يقول الداعي: اللهم إنك وعدت من دعاك بالإجابة، فاستجب دعائي.
4- التوسل إلى الله تعالى بأفعاله جل وعلا، كأن يقول: اللهم يا من نصرت محمداً صلى الله عليه وسلم يوم بدر انصرنا على القوم الكافرين[12].
5- أن يتوسل العبد إلى الله تعالى بعباداته القلبية، أو الفعلية، أو القولية، أو غيرها، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ﴾ [المؤمنون: 109]، وكما في قصة الثلاثة أصحاب الغار، فأحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله تعالى بإعطاء الأجير أجره كاملاً بعد تنميته له، والثالث توسل إلى الله تعالى بتركه الفاحشة، وقال كل واحد منهم في آخر دعائه: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه»[13].
ومن ذلك أن يقول الداعي: اللهم إني أسألك بمحبتي لك ولنبيك محمد صلى الله عليه وسلم ولجميع رسلك وأوليائك أن تنجيني من النار، أو يقول: اللهم إني صمت رمضان ابتغاء وجهك فارزقني السعادة في الدنيا والآخرة.
6- أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله، وأنه محتاج إلى رحمة الله وعونه، كما في دعاء موسى عليه السلام: ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴿ ٢٤ ﴾ ﴾ [القصص: 24]، فهو عليه السلام توسل إلى ربه جل وعلا باحتياجه للخير أن ينزل عليه خيرا.
ومن ذلك قول الداعي: اللهم إني ضعيف لا أتحمل عذاب القبر ولا عذاب جهنم فأنجني منهما، أو يقول: اللهم إني قد آلمني المرض فاشفني منه.
ويدخل في هذا: الاعتراف بالذنب وإظهار الحاجة لرحمة الله ومغفرته، كما في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿ ٢٣ ﴾ ﴾ [الأعراف: 23].
7- التوسل بدعاء الصالحين رجاء أن يستجيب الله دعاءهم. وذلك بأن يطلب من مسلم حي حاضر أن يدعو له.
كما في قول أبناء يعقوب عليهم السلام له: ﴿ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴿ ٩٧ ﴾ ﴾ [يوسف: 97]، وكما في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو بنزول المطر، فدعا صلى الله عليه وسلم[14]، وكما في قصة المرأة التي طلبت منه عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله لها بأن لا تتكشف[15]، وكما طلب عمر – ومعه الصحابة – في عهد عمر من العباس أن يستسقي لهم، أي أن يدعو الله أن يغيثهم بنزول المطر[16].
فهذه التوسلات كلها صحيحة؛ لأنه قد ثبت في النصوص ما يدل على مشروعيتها، وأجمع أهل العلم على ذلك[17].
القسم الثاني: التوسل الممنوع:
لما كان التوسل جزءاً من الدعاء، والدعاء عبادة من العبادات، كما ثبت في الحديث: «الدعاء هو العبادة»[18] وقد وردت النصوص الصحيحة الصريحة[19] بتحريم إحداث عبادة لم ترد في النصوص الشرعية، فإن كل توسل لم يرد في النصوص ما يدل على مشروعيته فهو توسل بدعي محرم، ومن أمثلة هذه التوسلات المحرمة:
1- أن يتوسل إلى الله تعالى بذات نبي أو عبد صالح، أو الكعبة، أو غيرها من الأشياء الفاضلة، كأن يقول: «اللهم إني أسألك بذات أبينا آدم عليه السلام أن ترحمني».
2- أن يتوسل بحق نبي أو عبد صالح أو الكعبة أو غيرها.
3- أن يتوسل بجاه نبي أو عبد صالح أو بركته أو حرمته أو بحق قبره ونحو ذلك.
فلا يجوز للمسلم أن يدعو الله تعالى بشيء من هذه التوسلات، ولذلك لم يثبت في رواية صحيحة صريحة أن أحداً من الصحابة أو التابعين توسل إلى الله تعالى بشيء منها، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وقد نقلت عنهم أدعية كثيرة جداً، وليس فيها شيء من هذه التوسلات، وهذا إجماع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين على عدم مشروعية جميع هذه التوسلات[20].
[تعقيب]
وهذا لا يدل على نقص مكانة أو جاه أحد من الأنبياء أو الصالحين بوجه من الوجوه، ومن ظن ذلك فقد وهم، فمكانة الأنبياء والصالحين كبيرة، وجاههم عظيم، ولكن جاههم منزلة لهم، خاصة بهم، وهم يشفعون في حياتهم في الدنيا وفي الآخرة لمن شاءوا[21] وليس هناك ما يدل على أن لغيرهم أن يتوسل إلى الله بذواتهم أو بجاههم[22]، وكذلك لا يجوز لأحد أن يقسم على الله في دعائه بأحد من خلقه؛ لأن القسم بغير الله لا يجوز أصلاً[23]، فكيف بمن يقسم به على الله تعالى[24] وأيضاً لا يجوز لأحد أن يسأل الله بحق فلان؛ لأن الحق لله على العباد، وليس للعباد حق على الله تعالى إلا ما أوجبه تعالى على نفسه من نصرة المؤمنين ومن عدم تعذيبه للمخلصين، وإثابته لهم واستجابته لدعائهم[25]، وإنما يجوز أن يتوسل المسلم إلى الله تعالى بمحبته هو للأنبياء والأولياء والصالحين، ونحو ذلك من التوسلات الجائزة التي سبق ذكرها.
وليس للذين أجازوا التوسلات البدعية دليل صحيح يعتمد عليه، وقد احتجوا ببعض الأحاديث والآثار التي فيها الحث على التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بجاه غيره من الأنبياء، ولكنها كلها موضوعة أو واهية[26]، لا يعتمد عليها، كما احتجوا بحديث أبي سعيد، والذي فيه التوسل إلى الله تعالى بحق السائلين، وبحق المشي إلى المسجد[27]، وهو حديث ضعيف، وعلى فرض صحته فإن حق السائلين هو الإجابة من الله تعالى[28]، وحق المشي إلى المسجد هو الإثابة من الله تعالى[29]، والإجابة والإثابة صفتان من صفات الله تعالى[30]، والتوسل إلى الله بصفاته من التوسل المشروع كما سبق بيانه.
كما احتجوا ببعض الأحاديث الصحيحة، ولكنها غير صريحة فيما ذهبوا إليه من جواز التوسل الممنوع[31].
بل إن أصح الأحاديث التي احتجوا بها يدل على تحريم هذا النوع من التوسل، وهو توسل عمر والصحابة بالعباس رضي الله عنهم[32].
ولما أعرض كثير من المسلمين عن التوسلات الشرعية التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم وقدموا عليها التوسلات البدعية، فدعوا الله تعالى بما لم يشرعه من التوسل المحرم، وكان بعضهم يذهب إلى القبر ويتوسل إلى الله بجاه أو بذات صاحب القبر، أدى ذلك بكثير منهم وبكثير ممن قلدهم واغتر بفعلهم إلى الوقوع في التوسل الشركي[33]، المخرج من الملة، فأصبحوا يدعون الأموات مباشرة، ويطلبون منهم جلب الخير ودفع الضر[34].
ولذلك كله ينبغي للمسلم البعد عن هذه التوسلات البدعية التي لم ترد أدلة صحيحة صريحة تدل عليها، والتي أعرض عنها جميع الصحابة والتابعين، وجزم بتحريمها جميع السلف وجميع أهل السنة والجماعة، والمسلم - الذي يحب الله تعالى ويحب نبيه صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحب نفسه - يقدم على هذه التوسلات المبتدعة الأدعيةَ الكثيرة الثابتة في كتاب الله تعالى وفي سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وعن صحابته - رضي الله عنهم –، فلا يزاحم الأدعية النبوية بهذه التوسلات، ولا يقدمها عليها، بل السلامة – فضلاً عن رجاء الإجابة – في الإعراض عن هذه التوسلات.
ثم إنه قد ثبت في السنة أن هناك أسباباً أخرى كثيرة لإجابة الدعاء[35]، وثبت في القرآن والسنة أن هناك أسباباً كثيرة لمغفرة الذنوب، وأن يحصل للإنسان ما أهمه، فيحقق الله له ما يرجوه من مرغوب ويدفع عنه ما يخشاه من مرهوب، ومن أعظم هذه الأسباب تقوى الله تعالى[36]، والإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم[37]، فينبغي للمسلم أن يقدمها على تلك التوسلات البدعية.