حجم الخط:

محتوى الدرس (57)

القسم الثاني: الموالاة المحرمة غير الكفرية:

هناك مظاهر وأمثلة من الولاء المحرم:

الذي هو ضد البراء لا تخرج صاحبها من الإسلام، ولكنها محرمة كما سبق وهي كثيرة، أهمها:

1- محبة الكفار[1]:

واتخاذهم أصدقاء، قال تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ ٢٢ [المجادلة: 22] والمودة: المحبة[2]، وقال الله تعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿ ٤ [الممتحنة: 4]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحب رجلٌ قوماً إلا جاء معهم يوم القيامة»[3].

والواجب على المسلم بغض جميع الكفار والمشركين، والبعد عنهم، وهذا مجمع عليه بين المسلمين[4]، وذلك لأن الكفار يحادّون الله تعالى ويبارزونه بأعظم المعاصي بجعل شريك معه في عبادته أو بادّعاء أن له صاحبة أو ولداً أو بغير ذلك مما فيه تنقص لله تعالى، فهم أعداء الله تعالى، فيجب التقرب إلى الله تعالى ببغضهم ومعاداتهم، وعدم الركون إليهم[5]، قال شيخنا محمد بن عثيمين: «الكافر عدو لله ولرسوله وللمؤمنين، ويجب علينا أن نكرهه بكل قلوبنا»[6].

2- الاستيطــان الدائم في بلاد الكفار:

فلا يجوز للمسلم الانتقـــال إلى بلاد الكفار[7]، للاستيطـــان فيها[8]، ولا يجوز له التجنـــس بجنسيتها[9]، ولو كان يستطيع إظهار شعائر دينه فيها إلا في حال الضرورة[10]، لقول جرير بن عبدالله رضي الله عنه: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، وعلى مفارقة المشرك[11]، ولما ثبت عن معاوية بن حيدة القشيري -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلّم حين أتيته فقلت: والله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد أولاء أن لا آتيك ولا آتي دينك، وجمع بهز بين كفيه، وقد جئت امرأ لا أعقل شيئا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله بم بعثك الله إلينا؟ قال: "بالإسلام". قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: أن تقول: "أسلمت وجهي لله وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران لا يقبل الله من مشرك أشرك بعدما أسلم عملا، وتفارق المشركين إلى المسلمين"[12].

وإذا أسلم الكافر وبلده بلد كفر فإن كان لا يستطيع إظهار شعائر دينه ويستطيع الهجرة وجبت عليه الهجرة إلى بلد من بلاد المسلمين بإجماع أهل العلم[13]، ولا يجوز له البقاء في هذا البلد إلا في حال الضرورة، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿ ٩٧ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴿ ٩٨ [النساء: 97، 98][14].

أما إن كان المسلم يستطيع إظهار شعائر دينه من توحيد وصلاة وتعلُّم لأحكام الإسلام وتمسك بالحجاب للمرأة وغيرها فالهجرة إلى بلاد المسلمين مستحبة في حقه حينئذ، ويجوز له أن يبقى في بلده الأول، فقد روى أبوسعيد الخدري أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة، فقال: «إن شأن الهجرة لشديد، فهل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «فهل تؤتي صدقتها؟» قال: نعم. قال: «فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئاً». متفق عليه[15].

وقد يُستحب له البقاء في بلده الأول إذا كان في ذلك مصلحة شرعية، كالدعوة إلى الإسلام، ونحو ذلك[16].

3- السفر إلى بلاد الكفر في غير حال الحاجة:

فيحرم على المسلم أن يسافر إليها إلا في حال الحاجة، فإن كانت هناك حاجة إلى السفر إلى تلك البلاد سواء كانت خاصة بالمسافر أو عامة للمسلمين جاز له السفر بثلاثة شروط:

الأول: أن يكون من يذهب إلى تلك البلاد ذا علم بأمور دينه، وعنده علم ودراية بالأمور النافعة والضارة.

الثاني: أن يكون في مأمن وبعد عن أسباب الفتنة في الدين والخلق.

الثالث: أن يكون قادراً على إظهار شعائر دينه.

ومن الحاجات التي يجوز السفر من أجلها: السفر للدعوة إلى الله تعالى، والسفر للتجارة، والسفر للعلاج، والسفر لحاجة المسلمين في تلك البلاد كسفراء الحكومات المسلمة ونحوهم، والسفر لتعلم علم يحتاجه المسلمون ولا يُوجد إلا في بلاد الكفر[17].

أما السفر إلى بلاد الكفر من أجل السياحة ونحوها فهو سفر محرم؛ لعموم الأحاديث المذكورة في الفقرة السابقة، فإن فيها المنع من الإقامة في بلد الكفر، وهذا يشمل الإقامة اليسيرة، كاليوم واليومين، ولما في ذلك من تعريض دين المسلم وخلقه للخطر من غير ضرورة أو حاجة[18].

4- مشاركة الكفار في أعيادهم الدينية:

كعيد رأس السنة الميلادية (الكرسمس)، فلا يجــوز للمسلم مخالطة أو مشاركة الكفار في أعيادهم الدينية بإجماع أهل العلم[19]، لأن في ذلك إقراراً لعملهم ورضى به وإعانة عليه، وقد قال تعالى: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ [المائدة: 2]، ولا شك أن مشاركتهم في أعيادهم الباطلة المحرمة من الإعانة على الإثم[20].

كما يحرم تهنئتهم بهذه الأعياد بإجماع أهل العلم [21]، ويحرم حضور أعيادهم الدنيوية وتهنئتهم بها، لأنها أعياد مبتدعة محرمة في ديننا، كما يحرم جعل هذه الأيام التي لهم فيها عيد ديني أو دنيوي عيداً، لأن هذا من التشبه المنهي عنه[22].