أحكام الغسل

قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ [المائدة:6]، وقال عز وجل: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ﴾ [البقرة:222]. والأحاديث في ذلك كثيرة مذكورة في الباب.
يجب الغسل في الحالات الآتية:
وذلك لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن أم سليم رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق؛ فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: «نعم، إذا رأت الماء»، فقالت أم سلمة: وتحتلم المرأة؟ فقال: «تربت يداك، فبم يشبهها ولدها»[1]، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الماء من الماء»[2]؛ أي الغسل من خروج المني.
فيجب الغسل إذا خرج المني بشهوة من ذكر أو أنثى، في يقظة أو نوم. إلا أنه يشترط في حق اليقظان الشعور بالشهوة وقت خروجه، والعبرة في ذلك بخروج المني لا مجرد الاحتلام، فلو احتلم ولم يخرج المني فلا غسل عليه[3]، وإذا وجد منيًّا ولم يذكر احتلامًا وجب عليه الغسل؛ لأن النبي ﷺ علق الحكم برؤية المني. ومما استُدل به على اشتراط الشهوة عند خروجه: ما رواه أحمد بإسناد حسن عن علي قال: كنت رجلا مذاء، فسألت النبي ﷺ فقال: «إذا حذفت فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفًا فلا تغتسل»[4]، و«الحذف»: هو الرمي، والمقصود وجود الشهوة، أي: خروجه بدون علة ولا مرض ولا شـيء. قال الشوكاني: (ولا يكون بهذه الصفة إلا لشهوة)[5].
1 - إذا احس بانتقال المني في الذكر، لكنه لم يخرج، فالصحيح أنه لا غسل عليه.
2 - إذا خرج المني بلا شهوة؛ لعلة، أو ضـربة، أو نحو هذا، فقد أفاد ابن تيمية أنه فاسد لا يوجب غسلًا عند أكثر العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة وأحمد، كما أن دم الاستحاضة لا يوجب الغسل.
3 - إذا كان جنبًا فاغتسل ثم خرج مني بعد الغسل، فلا يجب عليه إعادة الغسل؛ لأنه يخرج بلا شهوة[6].
4 - إذا شعرت المرأة بخروج مني الرجل من فرجها بعد الغسل، أو في أثنائه فلا يجب عليها الغسل، وهل يجب عليها الوضوء؟ فيه خلاف والأحوط الوضوء، وكذا الحكم في المسألة السابقة.
5 - قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (إذا استيقظ من نومه فوجد بللًا لا يذكر له سببًا فلا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يتيقن أنه منيٌّ فيجب الغسل؛ سواء ذكر احتلامًا، أم لا.
الثانية: أن يتيقن أنه ليس بمني فلا يجب الغسل، ويكون حكمه حكم البول.
الثالثة: أن يجهل ويشك هل هو مني أم لا؟ فيتحرى؛ فإن تذكر ما يحال عليه الحكم أنه مني فهو مني، وإن تذكر ما يحال عليه الحكم أنه مذي فهو مذي، وإن لم يذكر شـيئًا، فقيل: يجب الغسل احتياطًا، وقيل: لا يجب)[7].
6 - إذا رأى منيًّا في ثوبه ولم يذكر متى كان احتلامه، فعليه الاغتسال وإعادة كل صلاة صلاها من آخر نومة نامها.
إذا جامع الرجل المرأة بأن غيب الحشفة (رأس الذكر) كاملة في الفرج، فقد وجب الغسل عليهما؛ سواء أنزل أو لم ينزل؛ وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل» متفق عليه، ولمسلم: «وإن لم يُنزل»[8]، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا قعد بين شعبها الأربع ثم مس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل»[9]. والمقصود «بالتقاء الختانين»: المحاذاة كما يفهم من رواية الترمذي: «إذا جاوز»[10]، وعلى هذا فإذا وضع موضع ختانه على موضع ختانها ولم يكن إيلاج وإدخال فلا غسل بالإجماع[11].
لو باشـر الرجل زوجته وأدخل ما دون الحشفة، أو باشـرها بين فخذيها فأمنى فدخل المني في فرجها، ولم تُمْنِ هي، فلا غسل عليها في الحالتين[12]، ويجب عليها الغسل إذا أَمْنَت.
متى انقطع دم الحيض والنفاس عن المرأة فإنه يجب عليه الغسل؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فقال: «ذلك عِرْق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي»[13]. وتُلحق النفساء بالحائض، بل يطلق على النفساء حائض كما جاء في بعض الأحاديث أيضًا؛ فحكمهما واحد.
عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ دخل عليهن حين توفيت ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك»[14].
قال ابن حزم رحمه الله: (وغسل كل ميت من المسلمين فرض ولا بد، فإن دفن بغير غسل أخرج ولا بد، ما دام يمكن أن يوجد منه شـيء ويغسل، إلا الشهيد الذي قتله المشـركون في المعركة فمات فيها؛ فإنه لا يلزم غسله)[15]. وستأتي أحكام غسل الميت في أبواب الجنائز إن شاء الله.
فعن قيس بن عاصم رضي الله عنه أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر[16]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن ثمامة أسلم، فقال النبي ﷺ: «اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل»[17]. والتحقيق أن هذا الحديث بهذا السـياق غير محفوظ؛ لأن أصله في الصحيحين دون الأمر بالغسل، ولكن الثابت أن ثمامة اغتسل قبل النطق بالشهادتين، ولم يكن ذلك بأمر النبي ﷺ.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: وجوب الغسل سواء كان حنبا وقت كفره أم لا، وهذا مذهب أحمد ابن حنبل ومالك.
القول الثاني: استحباب الغسل إذا لم يكن جنبًا، وأما إذا كان جنبًا فقد وجب عليه الغسل سواء اغتسل قبل إسلامه أم لا، وهذا مذهب الشافعي.
القول الثالث: وجوب الغسل على من أجنب ولم يغتسل حال كفره فإن اغتسل حال كفره لم يجب، وهذا مذهب أبي حنيفة.
والراجح مذهب الحنابلة والمالكية إن صح حديث قيس بن عاصم، وإلا كان الترجيح لمذهب الشافعية[18].
اختلفت آراء العلماء في حكم الغسل يوم الجمعة على قولين:
فذهب فريق منهم إلى استحباب الغسل يوم الجمعة، مستدلين على ذلك بقوله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بين الجمعة والجمعة، وزيادة ثلاثة أيام»[19]. فقد رتب الثواب الحاصل على ما ذكر مع الوضوء، لكن يجاب عن هذا الدليل بأنه لم ينف الغسل. قال الحافظ رحمه الله: (وقد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ: «من اغتسل»[20]؛ أي بدلًا من قوله: «توضأ»، فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء)[21]. انتهى. ومما استدلوا به: قوله ﷺ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»[22].
والجواب: أنه ليس في هذا الحديث - على افتراض صحته - دليل على استحباب الغسل ونفي وجوبه، بل هو مفاضلة بين الوضوء والغسل، فالغسل أفضل لأنه الواجب، والوضوء أقل ما يجزئ به الصلاة.
وأما الفريق الثاني: فقد ذهب إلى وجوب غسل يوم الجمعة -وهو الراجح- للأمر به، وللتصـريح بوجوبه؛ فأما الأمر به: فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل»[23]، وأما التصـريح بالوجوب: ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم»[24]. والقول بالوجوب رجحه شـيخنا الألباني والشـيخ ابن عثيمين[25]. وراجع تفصـيل هذا البحث في فتح الباري شـرح صحيح البخاري.