أحكـام الأذان

لغةً: الإعلام.
وشـرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، أو يقال: التعبد لله بالإعلام بوقت الصلاة، بألفاظ مخصوصة.
(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاسْتَهَموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا»[1].
(2) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال له: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في باديتك أو غنمك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوتِ المؤذن جنٌّ ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة»، قال أبو سعيد: «سمعته من رسول الله ﷺ»[2]. زاد في رواية ابن خزيمة: «لا يسمع صوته شجر ولا مدر ولا حجر ولا جن ولا إنس».
(3) عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن نبي الله ﷺ قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يُغفر له مدى صوته، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس، وله أجر من صلى معه»[3].
(4) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين»[4]. «الضمان»: الكفالة والحفظ والرعاية، و«المؤتمن»: الأمين على مواقيت الصلاة.
(5) عن معاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة»[5].
(6) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمع النبي ﷺ رجلًا وهو في مسـير له يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال نبي الله ﷺ: «على الفطرة» فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال نبي الله ﷺ: «خرج من النار». فاستبق القوم إلى الرجل، فإذا راعي غنم حضـرته الصلاة فقام يؤذن[6].
(7) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «من أذن اثنتي عشـرة سنة وجبت له الجنة، وكُتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة، وبكل إقامة ثلاثون حسنة»[7].
(8) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشـيطان وله ضـراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضـي الأذان أقبل، فإذا ثوب أدبر، فإذا قضـي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه؛ يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى»[8].
شـرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وكان سبب ذلك أنهم كانوا يَتَحَينون للصلاة، أي يُقدِّرون وقتها ليأتوا إليها، فتكلموا في ذلك على النحو الآتي في الأحاديث:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلوات، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى وقال بعضهم: قَرْنًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أَوَلا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة، فقال رسول الله ﷺ: «يا بلال؛ قم فناد بالصلاة»[9].
وعن عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضـرب به الناس في الجمع للصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له: يا عبد الله: أتبيع الناقوس؟ قال: ماذا تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، قال تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
ثم استأخر غيرَ بعيد، ثم قال: تقول إذا أقيمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألْقِ عليه ما رأيت فليؤذن به؛ فإنه أندى صوتًا منك»، قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع بذلك عمر وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي أُرِي، قال: فقال النبي ﷺ: «فللّه الحمد»[10].
ذهب بعض العلماء إلى أن الأذان سنة مؤكدة، وذهب آخرون إلى وجوبه في الجمعة فقط وسنة في غيرها، وذهب فريق ثالث إلى أنه فرض كفاية لجميع الصلوات، وهو الراجح، وهذا ما رجَّحه شـيخ الإسلام ابن تيمية[11]، وحقَّق أن النزاع لفظي؛ لأن الذين يقولون بأنه سنة منهم من يقول: إذا اتفق أهلُ بلد على تركه قُوتِلوا. ومن الأدلة على الوجوب:
(1) طول الملازمة للأذان من أول الهجرة إلى وفاة النبي ﷺ لم يثبت أنه تركه مرة ما.
(2) قوله ﷺ لمالك بن الحويرث: «إذا حضـرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم»[12]. ففيه دليل على وجوبه؛ لأنه أمرهم بذلك، والأمر يفيد الوجوب.
وفيه دليل على كونه فرض كفاية لكل صلاة من الصلوات الخمس المفروضة.
وفيه أنه لو أذن قبل الوقت أن ذلك لا يجزئ، وعليه الإعادة إذا دخل الوقت.
(3) حديث أنس رضي الله عنه: «أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة»[13]. وفيه الأمر به، وهو يفيد الوجوب كما تقدم.
(4) حديث أنس عند البخاري: «أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر؛ فإن سمع أذانًا كَف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم»[14].
قال ابن عبد البر رحمه الله: (ولا أعلم خلافًا في وجوب الأذان جملة على أهل المصـر؛ لأن الأذان هو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر)[15]. وقال ابن تيمية رحمه الله: (وأما من زعم أنه سنة لا إثم على تاركيه، فهذا القول خطأ)[16].
يشـرع في حق المسافرين الأذان كما هو في حق المقيمين؛ وذلك لحديث مالك بن الحويرث المتقدم؛ لأنه ﷺ أمرهم بالأذان وكانوا مسافرين[17].
وردت ألفاظ الأذان بكيفيات مختلفة، وكلها صحيحة؛ فبأي صـيغة أذن أجزأه:
الأولى: تربيع التكبير الأول، وتثنية باقي ألفاظ الأذان، وهذا وارد في حديث عبد الله ابن زيد المتقدم[18].
الثانية: تربيع التكبير الأول، وتثنية باقي ألفاظه مع ترجيع الشهادتين؛ وذلك بأن يقول المؤذن الشهادتين أولًا بصوت منخفض، ثم يقولهما بعد ذلك بصوت مرتفع، والدليل على ذلك: حديث أبي محذورة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ علمه هذا الأذان: «الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله - ثم يعود فيقول -: أشهد أن لا إله إلا الله (مرتين)، أشهد أن محمدًا رسول الله (مرتين) حي على الصلاة (مرتين)، حي على الفلاح (مرتين)، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله»[19]، أي أنه كرر الشهادتين، وهذا معنى الترجيع.
الثالثة: تثنية التكبير وتثنية باقي ألفاظه مع ترجيع الشهادتين؛ لحديث أبي محذورة السابق من رواية مسلم[20].
قال الصنعاني رحمه الله: (فذهب الأكثر إلى العمل بالتربيع لشهرة روايته، ولأنها زيادة عدل فهي مقبولة)[21]. وقال شـيخُ الإسلام ابن تيمية: (... ومن تمام السنة في مثل هذا: أنْ يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وهذا في مكان، وهذا في مكان؛ لأن هجر ما وردت به السنة وملازمة غيره، قد يُفضـي إلى أن يجعل السنة بدعةً، والمستحب واجبًا، ويُفضـي ذلكَ إلى التفرُّق والاختلافِ، إذا فعل آخرون الوجه الآخرَ) (مجموع الفتاوى 22/67).
المشـروع للفجر أذانان: الأول منهما قبل دخول الوقت، والثاني هو الأذان للإعلام بدخول الوقت ولدعاء السامعين لحضور الصلاة؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشـربوا حتى ينادي ابنُ أم مكتوم، وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحت»[22].
ويشـرع في الأذان الأول (التثويب)؛ وهو أن يقول المؤذن بعد قوله: حي على الفلاح: «الصلاة خير من النوم»؛ ولذلك ثبت في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان [في] الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين»[23]. كما ثبت في إحدى روايات حديث أبي محذورة: «وإذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم»[24].

كما أن للأذان صفاتٍ مختلفةً، فكذلك الإقامة، وهي على النحو الآتي:
أولًا: تربيع التكبير الأول وتثنية جميع كلماتها ما عدا الكلمة الأخيرة؛ لحديث أبي محذورة أن النبي ﷺ علمه الإقامة سبع عشـرة كلمة: «الله أكبر (أربعًا)، أشهد أن لا إله إلا الله (مرتين) أشهد أن محمدًا رسول الله (مرتين): حي على الصلاة (مرتين) حي على الفلاح (مرتين)، قد قامت الصلاة (مرتين)، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله»[25].
ثانيًا: أن تكون الإقامة وترًا عدا قوله: (قد قامت الصلاة) فتثنى، وعدا التكبير في أوله وآخره؛ وذلك لحديث أنس: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة»، وفي رواية: «إلا الإقامة»[26]. ولحديث عبد الله بن زيد المتقدم في الرؤيا في إقامة الصلاة[27].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول «قد قامت الصلاة» مرتين[28]. وقد ذهب مالك إلى هذه الكيفية، لكنه جعل الإقامة أيضًا مفردة تقال مرة واحدة [قد قامت الصلاة]، لكن هذه الصورة غير ثابتة؛ قال ابن القيم رحمه الله: (لم يصح عن رسول الله ﷺ إفرادُ كلمة «قد قامت الصلاة» البتة)[29].
ينبغي للمؤذن أن يحسن النية في أذانه، وذلك بأن يحتسب أذانه ولا يتخذ عليه أجرًا؛ فعن عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: «أنت إمامهم، واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا»[30]. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وأما الجَعالة: بأن قال: من أذن في هذا المسجد فله كذا وكذا، بدون عقد وإلزام، فهذه جائزة؛ لأنه لا إلزام فيها، فهي كالمكافأة لمن أذن، ولا بأس بالمكافأة لمن أذن)[31]. وقال: (لا يحرم أن يعطى المؤذن والمقيم عطاء من بيت المال، وهو ما يعرف في وقتنا بالراتب؛ لأن بيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين)[32].
(2) أن يكون مسلمًا عاقلًا ذكرًا:
قال ابن قدامة رحمه الله: (لا يصح الأذان إلا من مسلم عاقل ذكر)[33]، وعلى هذا فلا يصح الأذان من مُسَجِّل (مذياع)، كما هو الحال في بعض الدول؛ يكتفون بوضع مسجِّل يسمعون من خلاله الأذان دون أن يؤذن بالمسجد مؤذن.
[أفتت اللجنة الدائمة أنه لا يكفي عن إنشاء الأذان عند دخول الوقت إعلانه بآلة التسجيل (السعيدان 33)، و(فقه النوازل 2/173)].
قال شـيخ الإسلام رحمه الله: (وفي إجزاء الأذان من الفاسق روايتان؛ أقواها عدمه؛ لمخالفته لأمر النبي ﷺ)[34].
ويصح أذان الأعمى؛ لقوله ﷺ: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشـربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، قال ابن عمر: وكان رجلًا أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت[35]. ولذا فينبغي أن يكون معه مبصـر يعلمه بدخول الوقت؛ قال البخاري رحمه الله: باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره.
يرى بعض العلماء صحة أذانه؛ لأن الأذان ذِكْر لا يحتاج إلى بلوغ.
ومنعه آخرون؛ لأنه لا يُعتمد عليه ولا يُوثق بقوله. وقال بعضهم: إذا كان معه غيره فلا بأس، وإن لم يكن معه غيره فلا يعتمد عليه.
قال ابن تيمية رحمه الله: (والأشبه أن الأذان الذي يُسقِط الفرض عن أهل القرية ويُعتمَد في وقت الصلاة والصـيام، لا يجوز أن يباشـره هو قولًا واحدًا، ولا يسقط الفرض ولا يعتد به في مواقيت الصلاة، وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصـر ونحو ذلك، فهذا فيه روايتان، والصحيح جوازه)[37]. ويستفاد من ذلك أنه إذا كثرت المساجد، وأذن المؤذنون البالغون فيها، وأذن صبيان مميزون في بعضها أن أذانهم صحيح.
(4) يستحب للمؤذن أن يكون صيِّـتًا[38] حسن الصوت؛
لأن النبي ﷺ اختار أبا محذورة للأذان؛ لأنه كان صيِّـتًا، وتقدم في حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ قال له: «ألقه على بلال؛ فإنه أندى منك صوتًا». وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أذِّنْ أذانًا سمحًا والا فاعتزل[39]. وسبب قوله ذلك فيما رواه ابن أبي شـيبة أن مؤذنًا أذن فطَرب في أذانه.
قلت: وعلى ذلك فما يفعله كثير من المؤذنين مما يسمونه (الأذان السلطاني) وما فيه من التطريب واللحن ليس من السنة في شـيء، بل هو من البدع المنكرة.
ولو كان منفردًا في الصحراء؛ لما تقدم عن عبد الله ابن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري قال له: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شـيء إلا شهد له يوم القيامة» الحديث[40].
(6) أن يلتفت برأسه وعنقه يمينًا وشمالًا في الحيعلتين:
قال ابن خزيمة رحمه الله: باب انحراف المؤذن عند قوله: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) بفمه لا ببدنه كله؛ فعن أبي جحيفة أنه رأى بلالًا يؤذن، فجعلت أتتبع فاه، ههنا وههنا يقول يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة حي على الفلاح[41].
زاد ابن خزيمة: «ويُحَرِّف رأسه يمينًا وشمالًا»، وعند الترمذي: «يؤذن ويدور»، وعند أبي داود: «ولم يستدر»[42].
ولذلك اختلف العلماء هل المقصود الاستدارة بالرأس فقط، أم الاستدارة بالجسد كله، والظاهر إدارة الرأس فقط كما هو في رواية ابن خزيمة السابقة.
قال الحافظ رحمه الله: (ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى استدارة الرأس، ومن نفاها عنى استدارة الجسد كله)[43]. قلت: هذا على فرض ثبوت رواية أبي داود في نفي الاستدارة، لكنها رواية ضعيفة، وعليه فيرجح القول بالاستدارة.
كما اختلفوا هل يستدير في الحيعلتين الأوليين مرة وفي الثانيتين مرة؛ أي يقول: «حي على الصلاة» (مرتين) جهة اليمين، ثم «حي على الفلاح» (مرتين) جهة الشمال؟ أو يقول: «حي على الصلاة» جهة اليمين مرة وجهة الشمال مرة، ثم «حي على الفلاح» جهة اليمين مرة وجهة الشمال أخرى؟ أو يقول: «حي على الصلاة» ويلتفت يمينًا وشمالًا في أثناء ترديدها، ثم يقولها مرة ثانية كذلك، ثم يقول: «حي على الفلاح» كذلك، ثم يكررها كذلك؟
قلت: والأرجح في ذلك الصفة الأخيرة؛ لما ورد في إحدى روايات ابن خزيمة: «فجعل يقول في أذانه هكذا، ويحرف رأسه يمينًا وشمالًا بحي على الفلاح»[44]، فتكون هذه الصفة أرجح الصفات لورودها في الخبر. وذلك بأن يحرف رأسه يمينًا وشمالًا في كل واحدة.
(7) يستحب وضع إصبعيه في أذنيه؛
لأنه ورد في إحدى روايات الحديث السابق: «رأيت بلالًا يؤذن ويدور، وأتتبع فاه ههنا وههنا إصبعاه في أذنيه»[45].
إحداهما: أنه قد يكون أرفعَ لصوته.
ثانيتهما: أنه علامة للمؤذن؛ ليعرف من رآه على بعد أو كان به صمم أنه يؤذن.
قال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا على أن من السنة أن يستقبل القبلة بالأذان، وذلك أن مؤذني رسول الله ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة)[46]، ومن ذلك ما رواه السـراج في (مسنده) عن مجمع بن يحيى قال: «كنت مع أبي أمامة بن سهل وهو مستقبل المؤذن، فكبر المؤذن وهو مستقبل القبلة»[47]. فإن أخل باستقبال القبلة، كره له ذلك، وصح أذانه.
يستحب أن يكون المؤذن على طهارة كاملة من الحدث والجنابة، لكنه إن أذن على غير طهارة فأذانه صحيح؛ لأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه[48].
قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن السنة أن يؤذن قائمًا، وانفرد أبو ثور فقال: يؤذن جالسًا من غير علة)[49]، وفي حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال لبلال: «قم فأذن»، وكان مؤذنو رسول الله ﷺ يؤذنون قيامًا.
فإن كان له عذر فلا بأس أن يؤذن قاعدًا[50]، فإن لم يكن له عذر كره له ذلك وصح أذانه. ويجوز للمسافر الأذان راكبًا؛ وقد ثبت أن ابن عمر كان يؤذن على البعير فينزل فيقيم[51].
(11) يستحب أن يؤذن على مكان مرتفع؛
وذلك لما رواه أبو داود عن امرأة من بني النجار قالت: «كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلالٌ يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن»[52]. قال الشـيخ ابن عثيمين: (ولا فرق بين أن يكون العلو بذات المؤذن، أو بصوت المؤذن؛ كما هو الموجود الآن بمكبرات الصوت)[53].
أفتت اللجنة الدائمة بصحة الأذان في المكبرات الصوتية الحديثة لأنه أبلغ في الإعلام (السعيدان 33).