8- ثم يقرأ الفاتحة:

وهي ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها؛ لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»[1]؛ فلا يقوم غيرها مقامها، ويستوي في ذلك جميع الصلوات فرضها ونفلها، سواء كانت جهرًا أم سـرا، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة، والمسافر والحاضـر، والصبي والكبير، والقائم والقاعد والمضطجع، وفي شدة الخوف وغيرها، وسواء في ذلك الإمام والمنفرد، وأما المأموم ففي وجوب قراءتها خلاف، والراجح وجوبها عليه أيضًا في الصلاة سواء كانت سـرية أو جهرية؛ وذلك لعموم الحديث، وقد ثبت في بعض رواياته أن النبي ﷺ صلى ذات يوم الفجر، فلما انصـرف قال: «لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟» قالوا: نعم، قال: «لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»[2].
قال الترمذي رحمه الله: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم؛ من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وهو قول مالك بن أنس، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ يرون القراءة خلف الإمام)[3]. ومقصوده أن هؤلاء الأئمة كلهم يرون القراءة خلف الإمام؛ إما في جميع الصلوات، أو في الصلاة السـرية فقط، وإما على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاستحباب.
قال النووي رحمه الله: (والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السـرية والجهرية، قال البيهقي: وهو أصح الأقوال على السنة وأحوطها)[4].
والقول بالوجوب رجحه الشـيخ ابن عثيمين والشـيخ ابن باز رحمهما الله.
(1) قال النووي رحمه الله: (إن ترك الفاتحة ناسـيا لا تجزئ صلاته على الأصح، فإن تذكر في الصلاة قبل القيام للركعة التي بعدها، عاد للقيام وقرأ الفاتحة، وأتم الصلاة، وإن تذكر بعد القيام للركعة الثانية ألغى الركعة الأولى وأتم صلاته، وإن تذكر بعد الصلاة ولم يطل الفصل صلى ركعة كاملة، وإن طال الفصل أعاد الصلاة)[5]، وسـيأتي بيان لذلك في أبواب سجود السهو.
(2) يجب قراءة الفاتحة في كل ركعة؛ لقوله ﷺ للمسـيء صلاته بعدما علمه الركعة: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».
(3) قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (ولا تسقط إلا عن مسبوق أدرك الإمام راكعًا، أو قائمًا ثم شـرع فيها وخاف أن يفوته الركوع قبل أن يتمها؛ فإنها في هذه الحالة تسقط)[6].
قُلتُ: ويرى بعض أهل العلم أنه لو أدرك بعض القيام وجب عليه إتمامها، وهو الأحوط، واللهُ أعلم.
(4) ينبغي أن يأتي بالفاتحة مرتبة بحروفها وآياتها وتشديداتها، فإن خالف في ذلك لم تصح.
(5) من السنة الوقوف عند رأس كل آية، وهذا هو الثابت عنه ﷺ، ويجب مراعاة الموالاة بألا يطول الفصل بين الآيات، فإن قطع الموالاة عامدًا بحيث يشعر بقطع القراءة وجب استئناف القراءة، وإن كان ناسـيا أو معذورًا لإعياء ونحوه فلا شـيء عليه وليكمل قراءته، وكذلك لو قطع المأموم القراءة لتأمينه، أو سجوده مع الإمام للتلاوة، أو لفتحه عليه، أو تسبيح، أو عطس فقال الحمد لله؛ فالصحيح أنه لا تنقطع قراءته، وعليه أن يتمها؛ سواء كان فعله السابق سهوا أو جهلا، وفي المتعمد خلاف، والراجح أنه لا تنقطع صلاته أيضًا.
(6) إذا لم يحسن قراءة الفاتحة:
قال الخطابي رحمه الله: (الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا بقراة فاتحة الكتاب، ومعقولٌ أن قراءة فاتحة الكتاب على من أحسَّنها دون من لا يحسَّنها، فإذا كان المصلي لا يحسَّنها ويحسن غيرها من القرآن، كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات؛ لأن أولى الذكر بعد الفاتحة ما كان مثلها من القرآن، وإن كان رجلًا ليس في وسعه أن يتعلم شـيئًا من القرآن، لعجز في طبعه، أو سوء في حفظه، أو عجمة في لسانه، أو عاهة تعرض له، كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي ﷺ من التسبيح والتحميد والتهليل)[7].
قلت: ومما استدل به العلماء على ذلك ما ثبت عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أن النبيﷺ علم رجلًا الصلاة فقال: «إن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمده وكبره وهلِّلْه ثم اركع»[8]. لكن لم يثبت في تحديد عدد الآيات بسبع آيات دليل.
وورد بيان صفة ذلك الذكر عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شـيئًا، فعلمني ما يجزئني منه، قال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»[9].
(7) من الأخطاء دعاء البعض له ولوالديه بالمغفرة عند قول الإمام: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ قبل التأمين، والصحيح أنه يستمع للفاتحة إلى آخرها ثم يؤمن مع إمامه فقط، وأما هذه الأدعية في هذا الموطن فبدعة.
أفتت اللجنة الدائمة ببدعية قول: (استعنا بالله) بعد قول الإمام: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ .
يتعلق بحكم البسملة مسائل:
المسألة الأولى: هل هي آية من الفاتحة أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: قالوا: هي آية من الفاتحة لترقيمها في المصحف على أنها آية من الفاتحة، وهذا مذهب الشافعية. قالوا: وهي آية في كل سورة عدا سورة (براءة) على الراجح في مذهبهم.
القول الثاني: قالوا ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وداود الظاهري.
القول الثالث: قال أحمد: هي آية في أول الفاتحة، وليست بقرآن في أوائل السور، وعنه رواية أنها ليست من الفاتحة. قال ابن قدامة رحمه الله: (وهي المنصورة عند أصحابه، وقول أبي حنيفة ومالك والأوزاعي)[10].
والقول الثاني هو الذي رجحه الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله واستدل القائلون بذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ عن رب العالمين قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قال العبد: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: ﴿ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ قال الله: مجدني عبدي. فإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ِ قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿ ٦ ﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»[11]، فلم يذكر في الحديث (البسملة)، وكانت آية ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ في وسط القسمة، وعلى هذا فتكون الآية السادسة: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ والسابعة: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ .
وأما حديث أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ قرأ في الصلاة: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ وعدها آية[12]، فلا يصح؛ لأن فيه ابن جريج وهو مدلس. تنبيه: قال النووي رحمه الله: (أجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفًا مجمعًا عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد؛ فإنه يكفر بالإجماع)[13].
قلت: الترقيم منقول إلينا تواترًا، وعلى هذا فالصواب هو أن كلا القولين صحيح، فهي آية في بعض الأحرف السبعة التي نزلت على النبي ﷺ وليست آية في غيرها من الأحرف السبعة وكل ذلك متواتر عن النبي ﷺ عند القراء العشـرة وضبط المصاحف العثمانية، ففي بعضها عدت آية وفي غيرها لم تعد آية، فمن قرأ بقراءة من عدَّها آية احتسبها آية، لكن الفقهاء لم يلتزموا بالقراءة وتنوع نظرهم في المسألة من الناحية الحديثية ولكل دليله الصحيح.
المسألة الثانية: هل تجب قراءتها مع الفاتحة؟ اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول: تجب قراءتها، وإلى ذلك ذهب كل من يرى أنها آية من الفاتحة.
القول الثاني: أن قراءتها سنة وليست بواجب، وهذا رأي الذين يرون أنها ليست آية من الفاتحة، ولحديث عائشة رضي الله عنها: «كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين»[14].
المسألة الثالثة: هل يجهر بها أم لا؟ على رأيين:
الأول: يرون الجهر بها فيما يجهر به؛ واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أنه صلَّى بأصحابه فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، وقال: والذي نفسـي بيده إني لأَشْبَهُكم صلاة برسول الله ﷺ»[15].
الثاني: لا يجهر بها؛ واستدلوا على ذلك بحديث أنس رضي الله عنه قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم»[16]. قال ابن القيم رحمه الله: (كان النبي ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضـرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة)[17].
9- ثم يقول: «آمين»:
التأمين بعد الفراغ من الفاتحة سنة؛ لما ثبت أن النبي ﷺ كان إذا قرأ: « ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ قال: آمين»، ورفع بها صوته[18]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فإن وافقت إحداهما الأخرى، غُفِر له ما تقدم من ذنبه»[19]. وسنة التأمين لكل مصل، سواء الإمام والمأموم والمنفرد، والمفترض والمتنفل، في الصلاة السـرية والجهرية.
(1) إذا كانت الصلاة سـرية أسـر بالتأمين، وإن كانت جهرية استُحِب الجهر به؛ للحديث المتقدم «أنه ﷺ كان يرفع صوته بالتأمين». وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم.
(2) لو ترك الإمام التأمين عمدًا أو سهوًا، لا يتركه المأموم؛ لما ثبت في الحديث: «إذا قال الإمام ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين»[20].
(3) هل يجهر المأموم بالتأمين أم يسـر؟
الراجح أنه يجهر بالتأمين في الجهرية؛ لعموم قوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقد ثبت عنه ﷺ رفع الصوت بالتأمين كما تقدم، وعن عطاء قال: «كنت أسمع الأئمة -وذكر ابن الزبير ومن بعده- يقولون: آمين، ويقول من خلفه: آمين، حتى إن للمسجد للجة»[21]. «اللجة»: ارتفاع الأصوات.
(4) يستحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله ولا بعده، ودليله ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، والإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»[22].
(5) اعلم أن التأمين ليس من الفاتحة كما قد يتوهم بعض الناس، بل هو ختام للدعاء ومعناه: (اللهم استجب).
(6) أفاد النووي رحمه الله أنه لا يَصِل قوله: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ بآمين: بل يقف عند نهاية الآية، ثم يؤمِّن.
(7) المختار في التأمين (آمين) بالمد وتخفيف الميم، ويجوز القصـر مع تخفيف الميم. ولا يجوز تشديد الميم؛ لأنه يغير المعنى فيكون معناه: قاصدين.