حجم الخط:

محتوى الدرس (40)

17- ثم يكبر ويجلس:

وقد تقدم بيان ذلك في حديثي أبي حميد ووائل بن حُجر، وكذلك في حديث المسـيء صلاته، وفي رواية له: «... ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا»، وفي رواية لمسلم: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا».

وفيه دليل على وجوب الطمأنينة في الجلوس، ومما يدل على مشـروعيته أيضًا ما ثبت عن أنس رضي الله عنه قال: «إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا، فكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسـي، وإذا رفع رأسه من السجود مكث حتى يقول القائل قد نسـي»[1]. ومعنى «لا آلو»: أي لا أقصـر.

وصفة القعود: أن يجلس مفترشًا قدمه اليسـرى جالسًا عليها، وينصب اليمنى موجهًا أصابعها إلى القبلة، وقد تقدم دليل ذلك، وأيضًا فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني رجلك اليسـرى»[2].

جواز الإقعاء في هذه الجلسة:

عن طاوس قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: هي السنة، فقلنا: إنا لنراه جفاءً بالرجل، قال: «بل هي سنة نبيك ﷺ»[3]. والمقصود بهذا الإقعاء كما قال البيهقي: (هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض، ويضع أليتيه على عقبيه، ويضع ركبتيه على الأرض)، و«العقب» هو مؤخر القدم، و«أليتيه» أي: مقعدته.

تنبيهات:

(1) ثبت في بعض الآثار عن جماعة من الصحابه كراهية الإقعاء، وكرهه: النخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأهل الرأي؛ وذلك لما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهاني خليلي ﷺ عن إقعاء كإقعاء الكلب»[4]، وثبت عنه «أنه كان ينهى عن عُقبة الشـيطان»[5]. «عقبة الشـيطان»: قال أبو عبيد وغيره: هو الإقعاء المنهي عنه. قال ابن الصلاح رحمه الله: (هذا الإقعاء محمول على أن يضع أليتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، وهذا الإقعاء غير ما صح عن ابن عباس وابن عمر أنه سنة)[6].

(2) لم يأت في الأحاديث نصٌّ صـريح في موضع اليدين في هذه الجلسة، والذي رآه الفقهاء أن اليدين تكونان مبسوطتين على الفخذين، لكن ورد في صفة الجلوس في الصلاة وصفان لوضع اليدين، ذكرا عمومًا في الصلاة، فحملهما البعض على الجلوس بين السجدتين وجلوس التشهد، وفيهما الإشارة بالسبابة وتحليق الوسطى مع الإبهام، وهذا ما ذهب إليه الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله وابن القيم رحمه الله[7]. وسـيأتى بيان لهذين الوصفين عند ذكر التشهد الأوسط.

والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن اليدين مبسوطتين على الفخذين في هذا الموطن[8]، وأما الصفة المذكورة فهي في الجلوس للتشهد كما ورد في روايات أخرى.

الأذكار الواردة بين السجدتين:

(1) عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي»[9].

(2) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي وارحمني، واجبرني، واهدني وارزقني»[10]. وعند أبي داود «وعافني» مكان «واجبرني».

18- ثم يكبر ويسجد السجدة الثانية:

وذلك بأن يكبر ثم يسجد على نفس صفة السجدة الأولى.

19- ثم يرفع رأسه مكبرا ويجلس جلسة خفيفة ثم يقوم للثانية:

وهذه الجلسة تسمى جلسة الاستراحة، وقد ثبتت مشـروعية هذه الجلسة في حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه «رأى النبي ﷺ يصلي؛ فإذا كان في وترٍ من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا»[11]. ومعنى «وتر من صلاته» أي بعد الركعة الأولى أو الثالثة. وثبت ذلك أيضًا في بعض روايات حديث أبي حميد: «... ثم قال: الله أكبر، ثم ثنى رجله وقعد، واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض..»[12].

وقد اختلف العلماء في مشـروعية هذه الجلسة، وأرجح الأقوال مشـروعيتها وأنها سنة؛ لما تقدم من الأحاديث، وقد وردت أيضًا في إحدى روايات المسـيء صلاته عند البخاري في (كتاب السلام)[13]. وقد أشار البخاري إلى الخلاف الواقع في هذه الرواية؛ فمنهم من يرويها: «حتى تطمئن جالسًا»، ومنهم من يرويها: «حتى تستوي قائمًا»، فإن كانت هذه الجملة محفوظة كانت جلسة الاستراحة واجبة وإن كانت غير محفوظة فيكفي في مشـروعيتها وأنها سنة ما تقدم من حديث مالك بن الحويرث وأبي حميد.

قال النووي رحمه الله في المجموع: (اعلم أنه ينبغي لكل أحد أن يُواظب على هذه الجلسة لصحة الأحاديث فيها وعدم المعارض الصحيح لها ولا تغتر بكثرة المتساهلين بتركها). وقال الشـيخ الألباني رحمه الله: (فيجب الاهتمام بهذه الجلسة، والمواظبة عليها رجالًا ونساء، وعدم الالتفات إلى من يدعي أنه فعلها لمرض أو سنٍّ؛ لأن ذلك يعني أن الصحابة ما كانوا يفرقون بين ما يفعله تعبدًا، وما يفعله لحاجة، وهذا باطل بداهة)[14].

ملاحظات:

(1) الصحيح أنه يكبر مع قيامه من السجود، ثم ينهض من غير تكبير آخر.

(2) إذا سجد المصلي للتلاوة، فلا يشـرع في حقه جلسة الاستراحة.

(3) إذا صلى مأمومًا فهل يسن له الجلوس إذا لم يجلس الإمام؟ أم متابعة الإمام أفضل؟

قال ابن عثيمين رحمه الله: (متابعة الإمام أفضل، ولهذا يترك الواجب وهو التشهد الأول... بل يترك الركن من أجل متابعة الإمام؛ فقد قال النبي : «إذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا»)[15].

وقال ابن باز رحمه الله: (وإذا كان الإمام لا يجلسها وغالب المأمومين، فلا بأس أن تجلسها أنت، ثم تلحق، ولا يضرك ذلك ولا يضرهم، صلاتكم صحيحة جميعًا كلكم، وإنما الأفضل الإتيان بها تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام، ومن لم يأتِ بها فلا حرج عليه، والحمد لله[16].

(4) كيف يقوم للركعة الثانية ويقف؟

الجواب: يقوم معتمدًا على يديه؛ لحديث مالك بن الحويرث عند ابن خزيمة بلفظ: «ثم قام واعتمد على الأرض»[17]. وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد[18].

20- ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى:

لقوله للمسـيء صلاته: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»، وثبت ذلك أيضًا في حديث أبي حميد، لكن تختلف بقية الركعات عن الأولى؛ فليس فيها تكبيرة الإحرام، ولا دعاء الاستفتاح، واختلفوا في الاستعاذة على ما تقدم[19]، ومن السنة تقصـير الركعة الثانية عن الأولى كما تقدم.

21- فإذا صلى ركعتين جلس للتشهد الأول:

مشـروعيته: ثبت في بعض روايات المسـيء صلاته الأمر بهذا الجلوس ولفظه: «فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش اليسـرى، ثم تشهد»[20]، وثبت ذلك من فعله .

حكمه: وحكم هذا الجلوس للتشهد الأوسط في الصلاة: الوجوب على مذهب الإمام أحمد وهو الراجح، وباقي المذاهب على أنه سنة.

وصفة هذا الجلوس:

(الافتراش) كما تقدم في الجلوس بين السجدتين، ويكون هذا الجلوس في الصلاة الثنائية إذا كانت الصلاة ركعتين كالصبح أو صلاة النفل، وكذلك في التشهد الأول في الصلاة الثلاثية والرباعية؛ وذلك لعموم حديث ابن عمر المتقدم في صفة الجلوس بين السجدتين[21].

وأما وضع اليدين في هذا الجلوس فقد ورد في ذلك هيئتان:

الأولى: أن يضع يده اليسـرى على ركبته اليسـرى، ويده اليمنى على ركبته اليمنى؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله : «كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسـرى على ركبته اليسـرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسـين، وأشار بالسبابة»[22].

قال الحافظ رحمه الله: (وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة)[23].

الثانية: أن يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسـرى على فخذه اليسـرى؛ لحديث ابن عمر: «..كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسـرى على فخذه اليسـرى»[24].

ويشـرع في وضع اليد اليمنى أن يكون حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى؛ لحديث وائل بن حجر رضي الله عنه في صفة صلاته : «... ووضع كفه اليسـرى على فخذه وركبته، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها»[25].

ومما تقدم من الأحاديث يتبين أن أصابع اليدين تكون على النحو الآتي:

(أ) أصابع اليد اليسـرى تكون مبسوطة على الفخذ أو الركبة كما تقدم.

(ب) أصابع اليد اليمنى لها هيئات:

الأولى: أن يقبض الأصابع كلها ويشـير بالسبابة لحديث ابن عمر المتقدم.

الثانية: أن يعقد ثلاثة وخمسـين بأن يضم الخنصـر والبنصـر والوسطى، ويشـير بالمسبحة، ويجعل الإبهام أسفل المسبحة على حرف راحة اليد.

الثالثة: أن يقبض الخنصـر والبنصـر، ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشـير بالمسبحة كما تقدم في حديث وائل بن حجر.

ملاحظات وتنبيهات:

(1) السنة الإشارة بالأصبع السبابة أو تحريكها في التشهد؛ لما ورد عن عبد الله بن عمر قال: كان النبي إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام ووضع كفه اليسـرى على فخذه اليسـرى[26].

وفي حديث وائل بن حجر: «ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها»[27].

فالحديث الأول فيه دليل [28]على الإشارة، والحديث الثاني فيه دليل على التحريك ويكون التحريك من بداية الشـروع في التشهد حتى السلام. وأما حديث ابن الزبير عند أبي داود «كان يشـير بإصبعه إذا دعا لا يحركها»، فهو حديث ضعيف، وإن صح فهو ناف، والآخر مثبت. والمثبت مقدم على النافي.

(2) تكون الإشارة بالإصبع إلى القبلة، ويرمي ببصـره إليها، وقد ثبت هذا من حديث ابن عمر عند ابن خزيمة بإسناد صحيح[29].

(3) الحكمة من الإشارة بالإصبع ما ورد في الحديث من قوله : «لهي أشد على الشـيطان من الحديد»[30] يعني السبابة.

(4) لا يجوز الإشارة بالسبابتين، وإنما بسبابة اليمنى فقط؛ فقد رأى النبي رجلًا يشـير بإصبعيه فقال: «أَحِّد أَحِّد» وأشار بالسبابة[31].

وأيضًا فإن السنة في اليسـرى أن تبسط فيها الأصابع، وعلى هذا فلو كانت اليمنى مقطوعة سقطت عنه سنة الإشارة فلا يشـير بغيرها[32].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة