حجم الخط:

محتوى الدرس (42)

29- ثم يسلم:

التسليم ركن؛ لقوله : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»[1]، وقد تقدم.

صفته:

المشـروع في التسليم أن يسلم تسليمتين إحداهما عن يمينه، والأخرى عن يساره؛ فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده»[2]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه، وعن شماله، حتى يُرى بياض خده: السلام عليكم ورحمة الله»[3].

ويجوز أن يسلم تسليمة واحدة:

فعن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه»[4]. وثبت عنها أنها كانت تسلم تسليمة واحدة قبالة وجهها[5].

ألفاظ السلام:

(1) تقدم في الأحاديث السابقة أنه يقول عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله.

(2) قال الشـيخ الألباني رحمه الله: (وكان أحيانًا يزيد في التسليمة الأولى «وبركاته»، وكان إذا قال عن يمينه: «السلام عليكم ورحمة الله» اقتصـر أحيانًا على قوله عن يساره: «السلام عليكم»)[6].

حكم السلام:

تقدم أنه ركن في الصلاة، وإنما الواجب في ذلك التسليمة الأولى، والثانية مستحبة، وهذا رأي الجمهور خلافًا للحنفية الذين يرون أن التسليم كله مستحب. قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصـر على تسليمة واحدة جائزة)[7].

وقال النووي رحمه الله: (وأجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة، فإن سلم واحدة استحب أن يسلمها تلقاء وجهه، وإن سلم تسليمتين جعل الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره، ويلتفت في كل تسليمة حتى يرى مَنْ على جانبيه خده)[8].

ملاحظات:

(1) إذا سلم المصلي تكون يداه قارتين على فخذيه، ولا يشـير بهما؛ فعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله : «علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذيه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله»[9].

ومعنى «شُمْس» جمع أَشْمَس وهو النفُور.

(2) النية في التسليم: يجتمع في التسليم بعض النيات:

(أ) الخروج من الصلاة؛ لما تقدم من قوله: «وتحليلها التسليم».

(ب) السلام على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين؛ لما ثبت عن علي رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ يصلي قبل العصـر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين»[10].

(جـ) أن يسلم على أخيه من على يمينه وعلى شماله؛ وذلك لحديث جابر بن سمرة المتقدم، وهو في صحيح مسلم.

(3) استحب العلماء أن يدرج لفظ السلام ولا يمده، وقد ورد في ذلك حديث «حذف السلام سنة»[11]، لكنه ضعيف.

(4) يستحب للمأموم أن لا يبتدئ السلام حتى يفرغ الإمام من التسليمتين، ويجوز أن يسلم بعد فراغه من الأولى، وإنما الخلاف في الأفضل.

(5) كذلك يستحب للمسبوق أن لا يقوم ليأتي بما فاته إلا بعد أن يسلم الإمام التسليمتين، ويجوز أن يقوم بعد فراغه من التسليمة الأولى، فإن قام قبل شـروع الإمام في التسليم بطلت صلاته.

(6) قال الشافعي رحمه الله: (إذا اقتصـر الإمام على تسليمة يسن للمأموم تسليمتان؛ لأنه خرج عن متابعته بالأولى، بخلاف التشهد الأول لو تركه لزم المأمومَ تركُه؛ لأن المتابعة واجبة عليه قبل السلام)[12].

(7) لو بقي على المأموم إتمام التشهد والصلاة على النبي بعد فراغ الإمام فله أن يتمه، ولا يخرجه ذلك عن المتابعة؛ لأنها انتهت بتسليم الإمام.

(8) قال النووي رحمه الله: (قال أصحابنا: ولو سلم التسليمتين عن يمينه أو عن يساره أو تلقاء وجهه، أجزأه وكان تاركًا للسنة، وقال البغوي: لو بدأ باليسار كره وأجزأه)[13].

خريطة ذهنية لسنن الصلاة ومستحباتها:

29- سنن الصلاة ومستحاباتها

ويستحب الذكر بعد الصلاة:

يستحب ذكر الله عز وجل بعد السلام، وذلك للإمام والمأموم والمنفرد، والرجل والمرأة، والمقيم والمسافر، وغيرهم، وورد في ذلك أحاديث؛ منها:

(1) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير»[14]، وفي رواية له: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصـرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ، أعلم إذا انصـرفوا بذلك إذا سمعته. وهذا يدل على رفع الصوت بالتكبير. قال الإمام النووي رحمه الله في شـرحه لهذا الحديث: (هذا دليل لما قاله بعض السلف أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري، ونقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير)[15].

قلت: وظاهر الحديث يدل على رفع الصوت بالتكبير كما لا يخفى، وهذا هو الراجح، والله أعلم. قال ابن حزم رحمه الله: (ورفع الصوت بالتكبير إثر كل صلاة حسن) انتهى من (المحلى) (3 /180). ونقل البهوتي في (كشاف القناع) (1/366) عن شـيخ الإسلام ابن تيمية استحباب الجهر: (قال الشـيخ [أي ابن تيمية]: ويستحب الجهر بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صلاة).

وسئل الشـيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن حكم المسألة فأجاب: (الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة سنة... وأما من قال: إن الجهر بذلك بدعة، فقد أخطأ فكيف يكون الشـيء المعهود في عهد النبي بدعة؟! قال الشـيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: ثبت ذلك عن النبي من فعله وتقريره، وكان الصحابة يفعلون ذلك على عهد النبي بعد تعليمهم إياه، ويقرهم على ذلك فعلموه بتعليم الرسول إياهم، وعملوا وأقرهم على ذلك العمل بعد العلم به ولم ينكره عليهم).

(2) عن ثوبان رضي الله عنه: كان رسول الله إذا انصـرف من صلاته، استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»[16].

(3) عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: «لا إله إلا الله وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شـيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله - وفي رواية: «العلي العظيم» لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، لا إله إلا الله، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصـين له الدين ولو كره الكافرون»، وقال: كان رسول الله يهلل بهن دبر كل صلاة[17].

(4) عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شـيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجدُّ»[18].

(5) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمُعوِّذتين دُبُرَ كل صلاة»[19].

(6) وتقدم حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي أخذ بيده يومًا، ثم قال: «يا معاذ إني لأحبك»، فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا أحبك، قال: «أوصـيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»[20].

(7) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شـيء قدير، غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر»[21].

(8) عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن رسول الله قال: «معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاثٌ وثلاثون تسبيحة، وثلاثٌ وثلاثون تحميدة، وأربعٌ وثلاثون تكبيرة»[22].

(9) عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم، قال: «وما ذاك؟»، قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله : «أفلا أعلمكم شـيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «تسبحون الله، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة، ثلاثًا وثلاثين مرة».. الحديث.

وفيه أن أبا صالح راوي الحديث فسـر ذلك بأن تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر؛ حتى تبلغ بهن ثلاثًا وثلاثين[23]. «وأهل الدثور» هم أصحاب الأموال أي: الأغنياء.

(10) عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثًا وثلاثين، ويكبروا أربعًا وثلاثين، فأُتِي رجل من الأنصار في منامه، فقيل له: أمركم رسول الله أن تسبحوا...؟ قال: نعم، قال: فاجعلوها خمسًا وعشـرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي فذكر ذلك له، فقال: «اجعلوها كذلك»[24].

(11) عن سالم بن أبي بكرة قال: كان أبي يقول في دبر الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر»، فكنت أقولهن، فقال: أي بني: عمن أخذت هذا؟ قلت: عنك، قال: «إن رسول الله ﷺ كان يقولهن دبر الصلاة»[25].

(12) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنــه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر»[26].

(13) وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شـيء قدير، بعد ما يصلي الغداة، عشـر مرات، كتب الله عز وجل له عشـر حسنات، ومحا عنه عشـر سـيئات، ورفع له عشـر درجات، وكن له بعدل عتق رقبتين من ولد إسماعيل، فإن قالها حين يمسـي كان له مثل ذلك، وكن له حجابًا من الشـيطان حتى يصبح»[27].

(14) عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا»[28].

(15) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «خصلتان أو خلتان لا يحصـيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسـير، ومن يعمل بهن قليل؛ يسبح في دبر كل صلاة عشـرا، ويحمد عشـرا، ويكبر عشـرا؛ فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر أربعًا وثلاثين، إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويسبح ثلاثًا وثلاثين، فذلك مائة باللسان، وألف في الميزان»، فلقد رأيت رسول الله يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله، كيف هما يسـير ومن يعمل بهما قليل؟ قال: «يأتي أحدكم - يعني الشـيطان - في منامه، فينومه قبل أن يقوله، ويأتيه في صلاته، فيذكره حاجته قبل أن يقولها»[29].

ملاحظات:

(1) ما يفعله كثير من المصلين بعد الصلاة من قراءة أحدهم آية الكرسـي ثم قوله: سبحان الله فيسبحون.... إلخ، من البدع؛ لأن هذه الهيئة ليس عليها دليل من الشـرع. وأفتت اللجنة الدائمة ببدعية الاجتماع على الذكر والدعاء بعد الصلاة بصوت واحد (السعيدان 60).

(2) ما ورد من آثار في استعمال السبحة للذكر كلها ضعيفة لا يحتج بها، والأولى العقد على الأنامل؛ لأنهن مستنطقات يوم القيامة. وقد قال النبي لبعض النسوة: «... واعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسئولات مستنطقات»[30]. ولما ثبت عن ابن عمرو رضي الله عنهما: رأيت رسول الله يعقد التسبيح -زاد في رواية- بيمينه[31]. و«الأنامل»: هي أطراف الأصابع.

(3) لا يشـرع مسح الوجه بعد الدعاء والذكر. أفتت اللجنة الدائمة بضعف الوارد في شأن مسح الوجه باليدين بعد الدعاء (السعيدان 35).

(4) ما يفعله كثير من المصلين من مصافحة بعضهم بعضًا بعد كل صلاة وقول أحدهم (حرمًا) والآخر: (جمعًا)، أو نحو ذلك؛ لا أصل له من الشـرع، بل هو من البدع المحدثة التي ينبغي أن تمحى.

(5) من البدع كذلك ما يفعله بعض المصلين من السجود بعد الصلاة للدعاء أو للشكر ونحوه، وذلك لو كان مشـروعًا لكان الأولى به النبي وأصحابه.

(6) قال الشـيخ ابن باز رحمه الله: (لم يصح عن النبي أنه كان يرفع يديه بعد صلاة الفريضة، ولم يصح ذلك أيضًا عن أصحابه رضي الله عنهم؛ فيما نعلم، وما يفعله بعض الناس من رفع أيديهم بعد صلاة الفريضة بدعة لا أصل لها)[32].

قلت: وأما حديث أبي أمامة رضي الله عنه قيل لرسول الله : أي الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات» فإسناده ضعيف، وعلى ف فرض صحته فليس فيه رفع الأيدي في هذا الدعاء، فهو محمول على الأدعية السالف ذكرها، أي عقب التشهد وقبل السلام.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة