حجم الخط:

محتوى الدرس (43)

تنبيهات عامة:

(1) إذا انتهت الصلاة؛ فإن كان خلف الصفوف نساء استُحِب للإمام أن يلبث قليلًا حتى ينصـرف النساء؛ فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضـي تسليمة، وهو يمكث في مكانه يسـيرًا قبل أن يقوم، قالت: فنرى - والله أعلم - ما ذلك إلا لكي ينصـرف النساء قبل أن يدركهن الرجال»[1].

فإن لم يكن معهم نساء فلا يستحب له إطالة الجلوس؛ لما روت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»[2].

(2) يجوز للإمام أن ينصـرف عن يمينه أو عن شماله؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لا يجعلن أحدكم للشـيطان شـيئًا من صلاته؛ يرى أن حقًّا عليه أن لا ينصـرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله ﷺ كثيرًا ينصـرف عن يساره»، وفي لفظ: «أكثر انصـرافه عن يساره»[3].

وعن أنس رضي الله عنه قال: «أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصـرف عن يمينه»[4].

قال النووي رحمه الله: (وجه الجمع بينهما أن النبي كان يفعل تارة هذا، وتارة هذا، فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدل على جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما)[5].

(3) الأفضل أن يصلي النافلة في بيته، لكنه إن صلاها في المسجد، فلا يَصِل صلاة النافلة بالفريضة، حتى يفصل بينهما بكلام، أو يتحول عن مكانه.

(4) المرأة كالرجل في جميع أحكام الصلاة، وهذا هو الراجح، وأما ما استحبه بعض العلماء بأن تضم نفسها في السجود ونحو هذا فمما لا دليل عليه.

(5) وينبغي للمأموم أن لا ينصـرف قبل إمامه؛ لما ثبت أن النبي قال: «إني إمامكم، فلا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصـراف»[6]. قال ابن قدامة رحمه الله: (فإن خالف الإمام السنة في إطالة الجلوس مستقبل القبلة أو انحرف، فلا بأس أن يقوم المأموم ويدعه)[7].

(6) يستحب للإمام إذا عرض عارض لبعض المأمومين يقتضـي خروجه أن يخفف؛ لما ورد في الحديث عن النبي قال: «إني لأقوم في الصلاة، وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز؛ كراهية أن أشق على أمه»[8].

قال الخطابي رحمه الله: (فيه دليل على أن الإمام وهو راكع إذا أحس برجل يريد الصلاة معه، كان له أن ينتظره راكعًا ليدرك فضـيلة الركعة في الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا، كان له أن يزيد فيها لعبادة الله، بل هو أحق بذلك وأولى، وقد كرهه بعض العلماء، وشدد فيه بعضهم وقال: أخاف أن يكون شـركًا، وهو قول محمد بن الحسن)[9].

(7) المستحب أن يكون شـروع المأموم في أفعال الصلاة من الرفع والوضع بعد فراغ الإمام منه، ويكره فعله معه في قول أكثر أهل العلم.

فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يَحْنِ أحد منا ظهره حتى يقع النبي ساجدًا»[10].

ولا يجوز للمأموم أن يسبق إمامه؛ لقوله : «لا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصـراف»[11].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «أما يخشـى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله صورته صورة حمار؟»[12]. والظاهر من كلام الإمام أحمد أنه إن سبق إمامه عمدًا بطلت صلاته، وثبت ذلك عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم، قول الجمهور: أنه يأثم وصلاته صحيحة[13].

(8) إن سبق الإمام المأموم بركن كامل؛ مثل أن يركع ويرفع قبل ركوع المأموم لعذر من نعاس أو زحام أو عجلة الإمام، فإنه -أي المأموم- يفعل ما سبق به، ويدرك إمامه ولا شـيء عليه.

وإن سبقه بأكثر من ركن وأقل من ركعة لعذر أيضًا، فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه يتبع إمامه ولا يعتد بتلك الركعة، وأما عند الشافعي: فإنه يأتي بما فاته، واستدل على ذلك بصلاته بأصحابه صلاة الخوف، وهذا ما رجحه ابن قدامة في المغني.

وإن سبقه بركعة كاملة فإنه يتبع إمامه ويقضـي ما سبقه فيه الإمام، أي إن سبقه بركعة فيقضـي بعد انتهاء الصلاة ركعة كاملة، هذا كله إذا كان لعذر، وأما إن كان لغير عذر بطلت صلاته؛ قال ابن قدامة رحمه الله: (وإن فعل ذلك لغير عذر بطلت صلاته؛ لأنه ترك الائتمام بإمامه عمدًا، والله أعلم)[14].

(9) ينبغي متابعة الإمام بحيث لا يتأخر المأموم عن إمامه، لتطويل السجود مثلًا كما يفعله بعض العوام عند السجدة الأخيرة، فهذا من جهلهم وقلة فقههم.

(10) في بيان الأركان والواجبات والسنن، وهو إعادة مختصـرة لما سبق لكنها مجموعة:

الأركان: النية - القيام - تكبيرة الإحرام - قراءة الفاتحة - الركوع - الاعتدال - السجود على الأعضاء السبعة - الجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، التشهد الأخير، والجلوس الأخير، والصلاة على النبي فيه - الترتيب - التسليم.

الواجبات: وهي التي يجبرها سجود السهو، وتسقط بالنسـيان: -تكبيرات الانتقال- قول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد -تسبيحات الركوع والسجود- التشهد الأول والجلوس فيه.

الشـروط: دخول الوقت، ستر العورة، استقبال القبلة، طهارة الثوب والمكان والبدن، الطهارة من الحدث.

السنن: ما عدا ما ذُكر من الأركان والواجبات والشـروط.

تنبيه: في بعض هذا التقسـيم خلاف بين العلماء، وما ذكرته هو المعتمد من مذهب الحنابلة، إلا النية فإنها عندهم من الشـروط. والله أعلم.

مبطلات الصلاة

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بمبطلات الصلاة:

30- مايجوز ومالا يجوز في الصلاة

تبطل الصلاة بواحد من أمور:

(1) الكلام عمدًا:

عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: «كنا نتكلم في الصلاة؛ يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام»[15].

الحديث دليل على تحريم الكلام في الصلاة، ولا خلاف بين العلماء أن من تكلم فيها عامدًا عالمًا فسدت صلاته. قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدًا، وهو لا يريد إصلاح صلاته، أن صلاته فاسدة)[16]، واختلفوا في حكم الجاهل والناسـي؛ فذهب البعض إلى تسوية الجاهل والناسـي بالمتعمد، ولكن الأرجح التفرقة بين الناسـي والجاهل وبين العامد، فالناسـي والجاهل لا تبطل صلاته بالكلام، بخلاف العامد، والدليل على ذلك:

(1) قوله : «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسـيان وما استكرهوا عليه»[17].

(2) حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أُمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضـربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فو الله ما كهرني ولا ضـربني ولا شتمني، قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شـيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»[18].

وفي هذا الحديث دليل على تحريم الكلام في الصلاة مطلقًا؛ سواء كان لحاجة أو لغير حاجة، وسواء كان لإصلاح الصلاة، أو لغيرها.

وأما من ذهب إلى جواز الكلام للمصلحة مستدلًا بحديث ذي اليدين[19]، فلا تقوم به الحجة على ما ذهبوا إليه، ولكن يستفاد من حديث ذي اليدين أنه إذا تكلم وهو يظن أن صلاته قد انتهت؛ أن ذلك لا يبطل صلاته.

ولم يثبت دليل على أن خروج حرف أو حرفين لبكاء أو نفخ أو نحوه مبطل للصلاة؛ لأن هذا لا يكون كلامًا بل هو مثل البصاق، وقد اتفقوا على أن البصاق لا يبطل الصلاة. بل ثبت خلاف ذلك؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي «نفخ في صلاة الكسوف»[20]. قال الحافظ رحمه الله نقلًا عن ابن بطال: (ليس في النفخ من النطق بالهمزة والفاء أكثر مما في البصاق من النطق بالتاء والفاء، قال: وقد اتفقوا على جواز البصاق في الصلاة؛ فدل على جواز النفخ فيها؛ إذ لا فرق بينهما)[21].

(2، 3) الأكل والشرب عمدًا:

قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع أهل العلم على أن من أكل أو شـرب في صلاة الفرض عامدًا؛ أن عليه الإعادة)[22]. وكذا في صلاة التطوع عند الجمهور؛ لأن ما أبطل الفرض يبطل التطوع. والراجح أن الأكل يبطل الصلاة؛ سواء كان قليلًا أو كثيرًا، حتى لو كان بين أسنانه شـيء فابتلعه عمدًا بطلت صلاته، فإن ابتلع شـيئًا مغلوبًا، أو كان ناسـيا لم تبطل صلاته[23].

(4، 5، 6) ترك ركن أو واجب أو شرط:

والدليل على ذلك حديث المسـيء صلاته؛ وأن النبي قال للأعرابي: «ارجع فصل فإنك لم تصل» -وقد تقدم- فهذا يدل على أنه لو ترك ركنًا عمدًا بطلت صلاته في الحال، (وأما إن تركها سهوًا فإن تذكره في الصلاة أتى به، وإن لم يذكره حتى فرغ من الصلاة؛ فإن طال الفصل ابتدأ الصلاة، وإن لم يطل الفصل بنى عليها. نص أحمد على هذا في رواية جماعة، وبهذا قال الشافعي ونحوه. قال مالك: ويرجع في طول الفصل وقصـره إلى العادة والعرف)[24].

والحكم في الواجبات: إن تركها عمدًا بطلت صلاته كذلك، وأما إن تركها سهوًا، سجد للسهو، ولا يلزمه الإتيان بالمتروك[25].

والشـروط متى أخل بها لم تصح صلاته.

(7) العمل الكثير عمدًا:

والمقصود الأعمال التي ليست من جنس الصلاة؛ قال النووي رحمه الله: (إن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إن كان كثيرًا أبطلها بلا خلاف، وإن كان قليلا لم يبطلها بلا خلاف، وهذا هو الضابط.... الرجوع فيه إلى العادة، فلا يضـر ما يعده الناس قليلًا؛ كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة ووضعها، ولبس ثوب خفيف ونزعه، وحمل صغير ووضعه، ودفع مار، ودلك البصاق في ثوبه، وأشباه ذلك)[26]. ثم ذكر مثالًا للعمل الكثير، وهو الخطوات المتتالية، بخلاف ما لو خطا خطوة ثم وقف ثم أخرى ثم وقف.

قلت: ليس في الخطوات المتتالية دليل على بطلان الصلاة؛ لحديث صلاته على المنبر ونزوله القهقرى، ولما ثبت في البخاري تعليقًا أن عمر رأى رجلًا يصلي بين الساريتين فأمسك به حتى أقامه خلف السارية، وقال: صلِّ ها هنا، ولحديث منعه الهرة من المرور بين يديه حتى لصق بطنه بالحائط[27].

ولا يخلو كل ذلك من خطوات متتالية، وهو دليل على الإباحة، وعلى هذا فالأولى أن يقال: كل عمل ينشغل به ولم يبحه له الشـرع في الصلاة بحيث من يراه يقول إنه ليس في صلاة يكون مبطلًا لصلاته، وأما ما أذن له فيه الشـرع، أو كان فيه إصلاح للصلاة، فلا يعد مبطلًا. وهذا الضابط هو أقرب لما قاله الحنفية؛ حيث إنهم يُعرفون العمل الكثير بأنه: الذي لا يشك الناظر لفاعله أنه ليس في الصلاة؛ فإن اشتبه فهو قليل على الأصح، وهو معفو عنه.

وقال الشوكاني في هذه المسألة: أقول قد خبط المفرعون في هذا المقام خبطًا طويلا واضطربت آراء جماعة من المجتهدين العاملين بالأدلة المؤثرين لما صح من الرواية. والحق الحقيق بالقبول أن يقال إن الصلاة بعد انعقادها والدخول فيها لا تفسد إلا بمفسد قد دل الشـرع على أنه مفسد؛ كانتقاض الوضوء، ومكالمة الناس عمدًا، أو ترك ركن من أركانها الثابتة بالضـرورة الشـرعية عمدًا، فمن زعم أنه يفسدها إذا فعل المصلي كذا فهذا مجرد دعوى إن ربطها المدعي بدليلها نظرنا في الدليل فإن أفاد فساد الصلاة بذلك الفعل أو الترك فذاك. وقال أيضًا: فإن قلت: هل يمكن الإتيان بضابط يعرف به ما لا يفسد الصلاة وما يفسدها من الأفعال؟ قلت: لا بل الواجب علينا الوقوف موقف المنع حتى يأتي الدليل الدال على الفساد أيضًا.

(8) الضحك في الصلاة:

قال ابن المنذر رحمه الله: (الإجماع على بطلان الصلاة بالضحك)[28] وقال أكثر أهل العلم: لا بأس بالتبسم؛ أي أن التبسم لا يبطل الصلاة.

قلت: وليس معنى ذلك إباحة التبسم في الصلاة؛ لأن ذلك ينافي حال الخشوع والإقبال على صلاته، لكنه لو تبسم فلا تبطل صلاته.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة