حجم الخط:

محتوى الدرس (45)

المنهيات في الصلاة

منهيات الصلاة:

(1) النهي عن الاختصار في الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله أن يصلي الرجل مختصـرا[1]. والمقصود النهي عن وضع اليد على الخاصـرة. وقد تقدم أن السنة وضع اليدين على الصدر.

والحكمة من النهي عن الاختصار:

أن فيه تشبهًا باليهود؛ فقد روى البخاري[2] عن عائشة رضي الله عنها موقوفًا: كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصـرته، وتقول: «إن اليهود تفعله».

وأما حكم الاختصار في الصلاة: فقد ذهب ابن عباس، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم، ومالك، والشافعي، وأهل الكوفة؛ إلى أنه مكروه. وذهب أهل الظاهر إلى حرمته، ورجح ذلك الشوكاني.

(2) النهي عن العقص في الصلاة أو كف الشعر أو الثوب:

عن أبي رافع رضي الله عنه قال: «نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل ورأسه معقوص»[3]. وعن ابن عباس «أن النبي ﷺ أمر أن يسجد على سبعة آراب، ونهى أن يكف شعره وثوبه»[4]. و«عَقْص الشعر»: ضَفْره وفتله، و«العِقاص»: خيط يشد به أطراف الذوائب، و«الكف»: الضم.

والحكمة من ذلك أن الشعر يسجد معه إذا سجد؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه دخل المسجد فرأى فيه رجلًا يصلي عاقصًا شعره، فلما انصـرف قال عبد الله: «إذا صليت فلا تعقصن شعرك؛ فإن شعرك يسجد معك، ولك بكل شعرة أجر»، فقال الرجل: إني أخاف أن يتترب، قال: «تتريبه خير لك»[5]. وثبت نحوه أيضًا عن عمر[6].

ومن الحكمة كذلك أن لا يكون شبيها بالمكتوف، أي: الذي ربطت يده خلفه، فإنه إذا سجد لا تسجد يداه معه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص إلى ورائه، فجعل يحله وأقر له الآخر ثم أقبل على ابن عباس، فقال: مالك ورأسـي، قال: إني سمعت رسول الله يقول: «إنما مثل هذا كمثل الذي يصلي وهو مكتوف»[7].

قال النووي رحمه الله: (وقد اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر أو كمه أو نحوه، أو رأسه معقوص أو مردود شعره تحت عمامته، أو نحو ذلك؛ فكل هذا مكروه باتفاق العلماء)[8]. واعلم أن النهي مختص بالرجال دون النساء؛ قاله العراقي، وأما حكم العقص فقد حكى الترمذي عن أهل العلم أنهم كرهوا ذلك.

(3) النهي عن التنخم تجاه القبلة أو عن يمين المصلي:

وقد تقدم بيان ذلك في باب المباحات في الصلاة.

(4) النهي عن تشبيك الأصابع:

عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: «إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامدًا إلى الصلاة، فلا يشبكن بين يديه؛ فإنه في صلاة»[9]. في الحديث كراهية التشبيك من وقت الخروج إلى المسجد للصلاة، ويكون ذلك أشد كراهة في الصلاة من باب أولى.

ملحوظة:

ورد في بعض الأحاديث أنه شبك بين أصابعه في المسجد؛ كحديث: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك بين أصابعه[10].

ولا تعارض بين هذه الأحاديث وبين نهيه عن تشبيك الأصابع في المسجد؛ لأنه يمكن الجمع بينهما بأن تشبيك الأصابع إذا كان لتعليم أو ضـرب مثل أو تشبيه أو نحوه فذلك جائز، والنهي إذا كان بلا فائدة أو كان التشبيك على سبيل العبث، فإنه لا يجوز.

ويمكن أن يقال: إن النهي هنا مقدم؛ لأنها أحاديث قولية، وأما الأحاديث المبيحة فهي أحاديث فعلية فيقدم عليها أحاديث النهي، لأنه إذا تعارض قول النبي وفعله، قدم القول، ولأن الحظر مقدم على الإباحة. والله أعلم.

(5) النهي عن مسح الحصى:

عن معيقيب رضي الله عنه عن النبي قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: «إن كنت فاعلًا فواحدة»[11].

وفي الحديث دليل على كراهية مسح الحصـى وهو في الصلاة، فإن احتاج إلى ذلك فمرة واحدة فقط؛ حتى لا يخرج ذلك إلى العبث والانشغال عن حقيقة الصلاة. والظاهر أن هذا النهي إذا كان في الصلاة، أما لو سوى ذلك قبل دخوله الصلاة فلا بأس بذلك. والله أعلم.

(6، 7) النهي عن تغطية الفم في الصلاة وعن السدل:

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه[12].

قال ابن الأثير رحمه الله: (السدل في الصلاة: هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك، وكانت اليهود تفعله فنهوا عنه، وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب، وقيل: هو أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه)[13]. وأما عن تغطية الفم، فالمقصود به التلثم بعمامته أو نحوها. قال الخطابي رحمه الله: (من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهوا عن ذلك؛ إلا أن يعرض للمصلي التثاؤب فيغطي فاه عند ذلك؛ للحديث الذي جاء فيه)[14].

قلت: يشـير إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال: «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه؛ فإن الشـيطان يدخل»[15].

(8) كراهة نظر المصلي إلى ما يشغله عن الصلاة:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: صلى رسول الله في خميصة لها أعلام، فقال: «شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانيته»[16]. و«الخميصة»: كساء مربع من صوف له أعلام، و«الأنبجانية» لا عَلَم لها، والمقصود بالعلم: خطوط تكون فيه أو نقوش.

(9) النهي عن رفع البصر إلى السماء:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي : «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟»، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: «لينتهُن عن ذلك أو لتُخطَفن أبصارهم»[17].

قال ابن بطال رحمه الله: (أجمعوا على كراهة رفع البصـر في الصلاة)، هذا وقد ذهب الشـيخ ابن عثيمين إلى حرمة ذلك.

(10) كراهة الاعتماد على اليدين:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى النبي ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده»[18]. فهذا الحديث نهي عن الاعتماد على اليد في الصلاة، لكنه إن احتاج إلى الاعتماد على عصا ونحوه لعذر فإن ذلك جائز؛ فعن أم قيس بنت محصن رضي الله عنها «أن النبي ﷺ لما أسن وحمل اللحم اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه»[19]. قال الشوكاني رحمه الله: (الحديث الأول بجميع ألفاظه يدل على كراهة الاعتماد على اليدين عند الجلوس، وعند النهوض، وفي مطلق الصلاة، وظاهر النهي التحريم، وإذا كان الاعتماد على اليد كذلك فعلى غيرها أولى، وحديث أم قيس يدل على جواز الاعتماد على العمود والعصا ونحوهما، لكن مقيدًا بالعذر المذكور، وهو الكبر وكثرة اللحم، ويلحق به الضعف والمرض ونحوهما، فيكون النهي محمولًا على عدم العذر)[20].

قلت: الأولى حمل حديث ابن عمر على حال الجلوس فقط كما ورد في بعض الروايات بلفظ: «نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة معتمدًا على يده»[21] -زاد الحاكم في روايته-: «على يده اليسـرى». وفي رواية: «على يديه»، وأما عند النهوض فجائز الاعتماد على اليدين كما تقدم في صفة النهوض بعد جلسة الاستراحة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة