حجم الخط:

محتوى الدرس (47)

ثانيًا: تسوية الصفوف:

الراجح وجوب تسوية الصفوف؛ فعن النعمان بن بشـير رضي الله عنهما قال: قال النبي : «لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم»[1]. وفي بعض الروايات: «بين قلوبكم»، وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال: «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة»، وفي رواية: «من تمام الصلاة»[2]. وهذه التسوية تتحقق بمراعاة هذه الأمور:

(1) المحاذاة: بحيث لا يتقدم أحد على أحد، وهذه المحاذاة تكون بالمناكب (الأكتاف)، وبالأكعب، وأما المحاذاة بأطراف أصابع الأرجل فهو خطأ؛ لأن أقدام الناس تختلف طولًا وقصـرًا.

(2) التراص: بحيث لا تحصل فرجات ولا خلل بين الصفوف؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، وَلِينُوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشـيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله»[3]. وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله قال: «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق؛ فوالذي نفسـي بيده إني لأرى الشـيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف»[4]. قال الخطابي رحمه الله: «رصوا صفوفكم» معناه: ضموا بعضها إلى بعض، و«الحذف»: غنم سود صغار.

وصفة الرص: ما ثبت في روايتي حديث أنس والنعمان السابقين؛ وفيهما: وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه[5].

تنبيه: لا يعني ما سبق: «التزاحم» الذي قد يذهب الخشوع. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وليس المراد بالتراص التزاحم)[6].

وعلى المسلم أن يلين لأخيه بأن يصل الصف ويسد الخلل، ولا يدفعه بمنكبه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «خياركم ألينكم مناكب في الصلاة»[7].

(3) تقارب الصفوف: وقد تقدم في حديث أنس قوله : «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها».

(4) إتمام الصفوف: بحيث لا يشـرع في صف حتى يتم الذي قبله؛ فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال: «أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر»[8]. وقد ورد الحث على ذلك؛ فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها عز وجل؟» قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف المقدمة، ويتراصون في الصف»[9].

(5) أن تقدم صفوف الرجال وتؤخر صفوف النساء، وقد تقدم بيان ذلك.

مسألة: وهل تؤخر صفوف الصبيان بحيث تلي صفوف الرجال؟ يرى بعض العلماء أن ذلك من تسوية الصفوف؛ لما ثبت في سنن أبي داود عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: «ألا أحدثكم بصلاة النبي ﷺ؟ قال: فأقام الصلاة وصف الرجال وصف خلفهم الغلمان ثم صلى بهم... إلخ»[10]، ولكنه حديث ضعيف؛ فإنه من رواية شهر ابن حوشب، ولذلك رجح الشـيخ ابن عثيمين والشـيخ الألباني -رحمهما الله- وقوف الغلمان مع الرجال[11]، وقد أورد الشـيخ ابن عثيمين بعض المحاذير من جعلهم صفوفًا منفردة بما يحدثون من تشويش، ومن كراهيتهم للمسجد وكراهيتم لمن أخرهم.

قلت: يمكن أن يستدل على وقوفهم في الصفوف بحديث ابن عباس قال: «أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد»[12]، لكن يراعى أن لا يكونوا خلف الإمام مباشـرة؛ للحديث الآتى.

(6) أن يلي الإمامَ أولو الأحلام والنُّهَى: وذلك لحديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهَيْشَات الأسواق»[13]. «أولو الأحلام»: البالغون الموصوفون بالحلم، العقلاء لشـرفهم ومزيد تفطنهم وتيقظهم، وضبطهم لصلاة الإمام، ولذا رجحت أن الأطفال لا يكونون خلف الإمام، وقد يستدل البعض أن هذا الحديث دليل على تأخير الأطفال؛ لأنه قال: ثم الدين ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وأقول: ليس فيه دليل عل تأخير الأطفال إنما فيه الحث على تقدم أولي الأحلام والنهى.

و(هذا الحديث ليس نهيًا لغيرهم عن التقدم، وإنما هو حث لأولي الأحلام والنُّهَى بالتقدم إلى الصلاة، حتى يكونوا خلف الإمام، وفي الصفوف الأولى، فإن تكاسلوا وتأخروا عن الحضور إلى الصلاة، فمن سبق إلى الصف الأول أو خلف الإمام فهو أحق به، ولو كان صبيًا صغيرًا). قال ابن حجر الهيتمي: (الصِّبْيَانَ مَتَى سَبَقُوا الْبَالِغِينَ إلَى الصفِّ الْأَولِ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ إخْرَاجُهُمْ) انتهى[14].

وقال ابن باز: (وأما قوله : «ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى»، فالمراد به التحريض على المسارعة إلى الصلاة من ذوي الأحلام والنُّهَى وأن يكونوا في مقدم الناس، وليس معناه تأخير من سبقهم من أجلهم) انتهى[15].

و«هيشات الأسواق»: ما يكون فيه من الجلبة وارتفاع الأصوات.

(7) تفضـيل ميامن الصفوف؛ لحديث: «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف»[16].

قال الشـيخ ابن باز رحمه الله: (ولا حرج أن يكون يمينُ الصف أكثرَ -يعني من يساره- حرصًا على تحصـيل الفضل).

(8) يكره أن تصف صفوف الصلاة بين السواري إلا لحاجة؛ لما ثبت عن عبد الحميد بن محمود قال: صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدفعنا إلى السوارى، فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: «كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ»[17]. وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: «كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها طردًا»[18].

قال ابن العربي رحمه الله: (ولا خلاف في جوازه عند الضـيق، وأما عند السعة فهو مكروه للجماعة)[19].

أحكام تسوية الصفوف:

(1) على الأئمة أن يسووا صفوف المصلين؛ فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم»[20].

(2) إذا لم تسو الصفوف فهل تبطل الصلاة؟

قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (الجواب: فيه احتمال، قد يقال: إنها تبطل؛ لأنهم تركوا الواجب، ولكن احتمال عدم البطلان مع الإثم أقوى)[21]. وقال الحافظ رحمه الله: (ومع القول بأن التسوية واجبة، فصلاة من خالف ولم يسو صحيحة)[22]، ثم استدل على ذلك بحديث أنس رضي الله عنه حين قدم المدينة، قيل له: ما أنكرت منا منذُ يوم عهدت رسول الله ؟ قال: «ما أنكرت شـيئًا؛ إلا أنكم لا تقيمون الصفوف»[23]، ومع هذا الإنكار فإن أنسًا رضي الله عنه لم يأمرهم بالإعادة.

(3) من الأخطاء الشائعة -خاصة في المساجد الكبيرة-: أن يتكاسل بعض الناس عن إتمام الصفوف لطول المسافة التي سـيقطعها إلى الصف، فتراه يُنشئ صفًّا جديدًا خلف الإمام، وهذا مخالف لهدي النبي .

(4) ومن الأخطاء كذلك: أن يقوم خادم المسجد ومعه رجل أو رجلان بإنشاء صف وحدهما، ولكن هل تصح صلاتهم؟

الجواب: نعم؛ لأن النبي لم يبطل إلَّا صلاة المنفرد، وهؤلاء غير منفردين، لكنهم خالفوا السنة.

(5) نرى في بعض المساجد وضع كراسـي في آخر المسجد يصلي عليها المرضـى، وهذا فيه مخالفات:

منها: حرمانهم من ثواب الصفوف المقدمة.

ومنها: عدم وصلهم للصفوف.

ومنها: بُعدهم عن الإمام.

وهل تصح صلاتهم؟ الجواب: نعم؛ بشـرط أن لا يكون أحدهم منفردًا.

(6) من الأخطاء: وقوف بعض الأئمة قبل تكبيرة الإحرام للدعاء، وتأمين من خلفه؛ إذ لم يثبت دليل من السنة على هذا.

(7) اشتهر على ألسنة الأئمة قولهم: «إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج»، وهذا لا أصل له، والصحيح أن يقول ما كان يقوله النبي عند تسوية الصفوف[24].

(8) وكذلك من الأخطاء: وعظ الإمام قبل تكبيرة الإحرام كقول الإمام: «صلِّ صلاة مودع»[25] وربما قرأ قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1- 2] ثم هو قد يكتفي بهذه المواعظ التي لا أصل لها في هذا الموطن، ولا ينظر إلى الصفوف هل هي مستوية أو لا.

(9) من الأخطاء: هرولة بعض المسبوقين إذا وجدوا الإمام راكعًا لإدراك الركعة، وبعضهم يتنحنح أو يردد كلمات أو آيات لتنبيه الإمام إلى إطالة الركن لكي يدركوه، وهذا كله مخالف للشـرع، وعليه أن يأتي بالسكينة والوقار، ثم يتم ما فاته من الصلاة.

(10) ومن الأخطاء: أن المسبوق إذا رأى الإمام ساجدًا أو جالسًا لا يدخل الصلاة معه حتى يقف الإمام، وإذا كان الإمام في التشهد الأخير انتظره المسبوقون حتى يسلِّم ليقيموا جماعة أخرى. والصواب: أنه متى دخل المصلي المسجد انتظم مع إمامه؛ لقوله : «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شـيئًا، ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة»[26].

(11) إذا أدرك الإمام راكعًا احتسب هذه الركعة. وهذا قول المذاهب الأربعة. وقد ثبت في ذلك بعض الأحاديث المصـرحة بذلك، وفي أسانيدها مقال، لكنه يقويها بعض الآثار عن الصحابة؛ منها: عن ابن عمر رضي الله عنهما: «من أدرك الإمام راكعًا، فركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك تلك الركعة»[27]. وثبت نحو هذا عن أبي بكر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله ابن الزبير رضي الله عنهم[28].

(12) من الألفاظ الواردة عن رسول الله لتسوية الصفوف:

- «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة».

- «أقيموا صفوفكم» ثلاثًا.

- «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم».

- «أقيموا صفوفكم، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشـيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله».

- «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق».

- «أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر»[29].

(13) لا تصح صلاة المأموم أمام الإمام، إلا إذا كانت ضـرورة. وهذا ما رجحه شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[30].

(14) من الأخطاء الشائعة كذلك: وقوف بعض عوام الناس أو الصبيان خلف الإمام، وابتعاد أولي الأحلام والنُّهَى عن هذا الموطن.

صلاة المنفرد خلف الصف:

لا يجوز للمأموم أن يصلي خلف الصف منفردًا؛ لما ثبت في الحديث أن رسول الله قال: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف»[31]. وعن وابصة رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة»[32].

وقد اختلف أهل العلم في صحة صلاة المنفرد خلف الصف، والراجح بطلانها إلا لعذر؛ كأن يأتي المصلي فيجد الصف قد تم، ولا يجد فرجة في الصف. فيجوز له حينئذ الصلاة منفردًا لقوله: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]. قال صاحب (بداية المجتهد) فيما إذا صلى إنسان خلف الصف وحده: (قال أحمد وأبو ثور وجماعة صلاته فاسدة)[33].

وهذا ما رجحه ابن تيمية، والشـيخ عبد الرحمن السعدي، وابن عثيمين[34].

أحكام وآداب الاصطفاف:

(1) لا يجوز جذب أحد المصلين من الصفوف المتقدمة لينشئ من يجذبه به صفًّا جديدًا، والحديث الوارد في جواز ذلك ضعيف، وأيضًا ففي جذبه مخالفات:

منها: التشويش على من يُجذَب، وعلى المصلين.

ومنها: قطع الصف، وقد قال : «من قطع صفًّا قطعه الله»[35].

ومنها: وقوع الظلم على من يجذبه؛ لأنه نقله من المكان الفاضل إلى المفضول.

(2) قال ابن تيمية رحمه الله: (لو حضـر اثنان، الصلاة، وفي الصف فرجة فأيهما أفضل، وقوفهما جميعًا، أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح أبو العباس الاصطفاف مع بقاء الفرجة؛ لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب)[36].

(3) لا يؤمر المنفرد بأن يصلي بجوار الإمام ما دامت الصفوف لم تنته خلفه؛ لأنه بذلك مخالف للسنة، لكن إذا تمت الصفوف كلها، ولم يجد المأموم موضعًا إلا بجوار الإمام جاز.

(4) من دخل والإمام راكع جاز له الركوع دون الصف، ثم يمشـي حتى يدخل في الصف، وذلك لما ثبت عن عطاء أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول: «إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع، فليركع حتى يدخل، ثم يدب راكعًا حتى يدخل في الصف؛ فإن ذلك السنة»[37]، قال عطاء: (وقد رأيته يصنع ذلك). قال ابن جريج: (وقد رأيت عطاء يصنع ذلك).

[38]وثبت ذلك عن جماعة من كبار الصحابة؛ منهم: ابن مسعود، وزيد بن ثابت، ووجه الدلالة من الحديث السابق قوله: «فإن ذلك السنة»، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم.

ولا ينافي هذا حديث أبي بكرة أنه جاء ورسول الله راكع فركع دون الصف، ثم مشـى إلى الصف، فلما قضـى النبي صلاته قال: «أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشـى إلى الصف؟». فقال أبو بكرة: أنا. قال: «زادك الله حرصًا ولا تَعْدُ» متفق عليه.

ووجه الجمع بين هذا الحديث وحديث ابن الزبير المتقدم أن النبي إنما نهى أبا بكرة عن الإسـراع، كما ورد في بعض الروايات أنه جاء يعدو، وفي رواية: قد حفزني النفس، لذلك قال الشافعي رحمه الله: قوله: «لا تَعْدُ» يشبه قوله: «لا تأتوا الصلاة تسعون»[39].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة