من أحكام الإمامة والائتمام:
(1) لا يجوز للمرأة أن تؤم الرجل، فإن فعلت فالصلاة باطلة.
(2) حكم إمامة الأخرس لغيره؛ سواء كان الخرس لازماً أو عارضاً، وسواء كان من صلى خلفه مثله أو لا:
قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (لكن مع ذلك لا ينبغي أن يكون إمامًا؛ لأن النبي ﷺ قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، وهذا لا يقرأ، لكن بالنسبة للصحة، فالصحيح أنها تصح)[1].
قلت: قد رجح ابن قدامة رحمه الله في المغني عدم صحة إمامته، والله أعلم[2].
(3) تصح الصلاة خلف المخالف في الفروع، ولو فعل ما يعتقده المأموم حرامًا.
قلت: مثاله: أن يرى أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء، والمأموم يرى نقضه؛ فتصح الصلاة خلفه، أو يعتقد حل شـراب معين ويراه المأموم حرامًا.... إلخ.
قلت: والدليل على ذلك أن الإمام إما إن يكون مصـيبًا أو مخطئًا، فإن كان مصـيبًا فذاك، وإن كان مخطئًا فقد تقدم الحديث: «... وإن أخطأوا فلكم وعليهم»[3].
قال ابن تيمية رحمه الله: (ويجوز ائتمام المسلمين بعضهم ببعض، مع اختلافهم في الفروع؛ بـإجماع السلف، وأصح قول الخلف، فإن صلاة الإمام جائزة إجماعًا لأنه صلى باجتهاده، فهو مأجور فاعل الواجب الذي عليه، وهو من المصلحين... ولم يزل الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين يؤم بعضهم بعضًا، مع أنهم مختلفون في الفروع)[4].
(4) تصح الصلاة خلف كل من صحت صلاته لنفسه؛ كولد الزنى والعبد المملوك. قال الحسن البصـري رحمه الله: (ولد الزنى وغيره سواء). وعن عائشة رضي الله عنها كانت إذا سُئلت عن ولد الزنى؟ قالت: «ليس عليه من خطيئة أبويه شـيء».
(5) قال ابن حزم رحمه الله: (وأما الألثغ، والألكن، والأعجمي اللسان، واللحان؛ فصلاة من ائتم بهم جائزة؛ لقول الله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة:286])[5].
والمقصود (باللحان): كثير اللحن؛ أعني في غير الفاتحة، و(الألثغ): الذي يبدل حرفًا بحرف، و(الألكن): الذي لا يقيم العربية لعجمة في لسانه.
ويرى الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله صحة إمامة الفأفاء، والتمتام، ومن لا يقرأ بالتجويد[6]. و(الفأفاء): هو الذي يكرر حرف الفاء، و(التمتام): هو الذي يكرر حرف التاء. لكنه قال بعد ذلك: (وعلى كلٍّ فالذي يكرر الحروف تكره إمامته من أجل زيادة الحرف، ولكن لو أم الناس فإمامته صحيحة)[7]. قلت: ويرى ابن تيمية رحمه الله: عدم الصلاة خلف الألثغ الذي يبدل حرفًا بحرف، إلا حرف الضاد بالظاء لتشابه المخرجين؛ فعلى هذا إذا كان (اللثغ) خفيفًا ليس فيه إبدال فلا حرج؛ كأن يكون ثقيل اللسان مثلا في حرف (الراء)، وأما إن أبدله كأن يقرأ (غيغ) بدلًا من (غير) فيمنع من الإمامة. والله أعلم[8].
(6) إمامة من لا يحسن الفاتحة (ويقال عنه أمي): وذلك بأن يلحن فيها، واللحن قسمان: لحن يغير المعنى؛ كقوله: (أَهْدنا) من الهدية، بخلاف (اِهْدِنا) فإنها من الهداية، أو يقرأ (أنعمتُ) بالضم.
والنوع الثاني: لحن لا يغير المعنى، كأن يقرأ: (رب العالمين) بالفتح بدلًا من الكسـر.
فإن كان اللحن لا يغير المعنى فإمامته صحيحة، وإن كان يغير المعنى فلا تصح إمامته إلا لمثله، هذا حكم إمامته، أما حكم صلاته هو:
فإن كان عاجزًا عن تصحيح لحنه، كما يشاهد في بعض الأعراب، فصلاته صحيحة. وكذا إمامته، وأما إن كان يستطيع تصحيح لحنه ولم يفعل، فصلاته باطلة إذا كان يحيل المعنى[9].
(7) تصح صلاة من به سلس البول بمثله وبغيره السليم؛ لأنه لم يمنع من ذلك قرآن ولا سنة. والأولى أن لا يتقدم؛ منعًا للخلافات والمنازعات، لكن لو أم فالصلاة صحيحة.
(8) تصح صلاة المأمومين خلف المحدث والمتنجس إذا لم يعلموا بذلك، ولا تجب عليهم إعادة حتى لو علموا بعد الصلاة؛ لقوله ﷺ: «يصلون لكم؛ فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم»[10]. وأما إن علموا أثناء الصلاة فيجب عليهم مفارقته، ويجوز في هذه الحالة أن يتقدمهم أحدهم فيتم بهم الصلاة، ولا يستأنفها (أي لا يبدأ الصلاة من أولها): بل يتم ما بقي.
وأما الإمام، فإن علم بالحدث بعد الصلاة وجب عليه الطهارة وإعادة الصلاة، وإن علم بها في أثناء الصلاة وجب عليه استخلاف غيره مكانه ليتم الصلاة، وأما هو فيخرج منها للتطهر.
وأما إذا علم بالنجاسة بعد الصلاة فصلاته صحيحة لا يجب عليه الإعادة، وإن علم بها في أثناء الصلاة، وجب إزالتها والمضـي في صلاته إن أمكن، فإن لم يستطع إلا بالخروج منها خرج وأزالها وأعاد الصلاة.
(9) من وجد فرجة في الصف استحب له الدخول فيها؛ لقوله ﷺ: «من وصل صفًّا وصله الله»[11]، وقوله ﷺ: «إن الله وملائكته يصلون على الذين يَصلُون الصفوف»[12].
وعلى هذا فلو كان أحد الناس يتنفل أثناء إقامة الصلاة، بحيث إنه إذا انتهى سد الفرجة، فهل ننتظره أم نصل الفرجة؟ الراجح: نصلها ولا اعتبار لتهيئه هو لسدها، إلا أن نخشـى عداوة فحينئذ نتركها مراعاة للائتلاف[13].
(10) يستحب عند إقامة الصفوف السكون وعدم رفع الأصوات؛ لقوله ﷺ: «ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، وإياكم وهيشات الأسواق»[14]. والمقصود التحذير من ارتفاع الأصوات واختلاطها، ومن الخصومات والمنازعة.
(11) يحرم مسابقة الإمام؛ لقوله ﷺ: «أما يخشـى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار»[15].
قال ابن حجر رحمه الله: (وظاهر الحديث يقتضـي تحريم الرفع قبل الإمام لكونه توعد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات، وبذلك جزم النووي في شـرح المهذب، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر؛ بناء على أن النهي يقتضـي الفساد)[16].
لكنه إن سها فرفع رأسه قبل الإمام؛ فقد قال ابن مسعود: (إذا رفع قبل الإمام يعود فيمكث بقدر ما رفع ثم يتبع الإمام). علَّقه البخاري مجزومًا.
وقال ابن حجر في مقارنة الإمام -يعني مساواته-: (وأما المقارنة فمسكوت عنها)[17].
قلت: لكن الحديث يدل على وجوب المتابعة، وذلك يدل بمفهومه على عدم المساواة.
(12) يجوز للمسبوقين إذا سلم الإمام أن يكون أحدهم إمامًا؛ فيتم بهم ما فاتهم من الصلاة خلف الإمام[18].
(13) قال ابن تيمية رحمه الله: (وإذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد، يتبعه المأموم، وإن كان هو لا يراه؛ مثل القنوت في الفجر، ووصل الوتر، وإذا ائتم من يرى القنوت بمن لا يراه تبعه في تركه)[19].
(14) إذا كان الإمام سـريعًا لا يوفي الصلاة، فالصحيح عدم ترك الصلاة خلفه إلا إذا لم يتمكن المأموم من فعل الواجبات؛ فعن ابن جريج قلت لعطاء: فالإمام لا يوفي الصلاة، أعتزل الصلاة معه؟ قال: بل صل معه، وأوف ما استطعت، الجماعة أحب إليَّ، فإن رفع رأسه من الركوع ولم يوف الركعة فأوف أنت، وإن رفع رأسه من السجود ولم يوف السجود فأوف أنت.... إلخ[20]، وبمثله قال علقمة.
قلت: وهذا مقيد بأن يأتي الإمام بأقل الواجب. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (فإذا كان إمام المسجد يسـرع إسـراعًا لا يتمكن به الإنسان من فعل الواجب، فإنه معذور بترك الجماعة في هذا المسجد، لكن إن وجد مسجدًا آخر تقام به الجماعة، وجب عليه الجماعة في المسجد الثاني)[21].
(15) هل يجوز أن يقرأ من المصحف في الصلاة؟
كانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف[22].
وقال ابن حجر رحمه الله: (استدل به على جواز قراءة المصلي من المصحف، ومنع منه آخرون لكونه عملًا كثيرًا في الصلاة)[23]. ويرى ابن حزم أنه لا يحل له أن يؤم وهو ينظر في المصحف، وذهب إلى بطلان صلاته وصلاة من ائتم به وهو يعلم[24]. وعن إبراهيم النخعي قال: (كانوا يكرهون أن يؤمهم وهو يقرأ في المصحف، فيتشبهون بأهل الكتاب).
قال الشـيخ ابن باز رحمه الله: (الصواب الجواز كما فعلت عائشة رضي الله عنها؛ لأن الحاجة قد تدعو إليه)[25].
قلت: هذا في حاجة الإمام أن يقرأ من المصحف، وأما إذا لم يكن هناك حاجة فليس هناك دليل على جوازه، علمًا بأنه ليس من الحاجة والضـرورة لزوم القراءة بالترتيب لتحصـيل الختمة مثلًا. هذا وأما المأموم والمنفرد فلم يثبت في ذلك أثر، فالصحيح ترك ذلك له؛ لأن العبادة مبناها على الاتباع.
(16) سئل الإمام أحمد عن إمام يقول: لا أصلي بكم رمضان إلا بكذا وكذا، فقال: أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا؟ فإن دفع إليه شـيء بغير شـرط فلا بأس.
(17) قال ابن تيمية رحمه الله: (وليس للإمام إعادة الصلاة مرتين، وجعل الثانية عن فائتة وغيرها، والأئمة متفقون على أنه بدعة مكروهة)[26].