صـلاة الكسوف
خريطة ذهنية لأحكام صلاة الكسوف

التغير إلى السواد، «والخسوف»: النقصان.
واستعمل الفقهاء الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وإن كان قد ثبت نسبة الكسوف للشمس وللقمر، ونسبة الخسوف إليهما أيضًا.
ذهب الجمهور إلى أنها سنة مؤكدة، مستدلين على ذلك بالأحاديث القاضـية بأن الفرائض خمس في اليوم والليلة.
وصـرح أبو عوانة رحمه الله في صحيحه بوجوبها، ونقل ذلك عن أبي حنيفة رحمه الله لما ثبت في الحديث عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته[1]، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف»، وفي لفظ للبخاري: «حتى تنجلي»[2].
قال الصنعاني رحمه الله: (والأمر دليل الوجوب، إلا أنه حمله الجمهور على أنه سنة مؤكدة)[3]. وقال الشوكاني رحمه الله: (والظاهر الوجوب، فإن صح ما قيل من وقوع الإجماع على عدم الوجوب، كان صارفًا، وإلا فلا)[4].
وقال ابن عثيمين رحمه الله: (والصحيح: أن صلاة الكسوف فرض واجب؛ إما على الأعيان، وإما على الكفاية)[5].
قلت: ولا يعارض هذا الأحاديث الواردة بأن الفرائض خمس صلوات فقط؛ لأن هذه الصلوات المفروضة في اليوم والليلة، وأما الكسوف فلأمر عارض، وهو عند كسوف الشمس أو خسوف القمر. والله أعلم.
لا وقت لصلاة الكسوف معين، ولكن وقتها يبدأ إذا حدث الكسوف للشمس أو للقمر في أي وقت من الأوقات، كما هو الظاهر من قوله ﷺ في الأحاديث: «فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنجلي»، وهذا يدل على أنه تنتهي الصلاة بانتهاء الكسوف.
قال الحافظ رحمه الله: (ولم أقف في شـيء من الطرق مع كثرتها على أنه ﷺ صلاها إلا ضحى لكن ذلك وقع اتفاقًا ولا يدل على منع ما عداه)[6].
قلت: فلا يتوهم أحد أنها لا تصلى إلا إذا كان الكسوف في وقت الضحى مستدلًّا بفعله ﷺ؛ لأن النبي لم يمنع أن تصلى في غير هذا الوقت، وإنما قيده بقوله: «فإذا رأيتموهما» يعني كسوف الشمس أو القمر.
إذا انجلت وهو في الصلاة:
إذا انجلت الشمس وهو في الصلاة، فهل يتمها أم يقتصـر على ما أداه؟
الصحيح أنه يتم الصلاة، حتى ولو انجلت الشمس في أثناء الصلاة؛ لما ثبت في رواية عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، وفيها: «ثم انصـرف وقد انجلت»[7]. وفي رواية عنها بلفظ: «انجلت الشمس قبل أن ينصـرف»[8].
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: «إن الصلاة جامعة»[9]. وفي رواية التصـريح بأمر النبي ﷺ بذلك؛ ففي الصحيحين من حديث عائشة: «أن النبي ﷺ بعث مناديًا فنادى بذلك»[10]. قال ابن دقيق العيد رحمه الله: (هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك، قد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها ولا يقام).
ورد في كيفية صلاة الكسوف روايات كثيرة، ولكن أرجحها وأقواها حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم في الصحيحين؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ، فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فقام فكبر، وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعًا طويلًا وهو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم سجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، حتى استكمل أربع ركعات[11] وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصـرف، ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة»، وقال أيضًا: «فصلوا حتى يفرج الله عنكم»[12].
وهذه الطريقة هي التي رجحها ابن القيم في زاد المعاد بعد بحث طويل، ثم قال: (والمنصوص عن أحمد أيضًا أخذه بحديث عائشة رضي الله عنها، وَحَدُّهُ في كل ركعة ركوعان وسجودان... وهذا اختيار أبي بكر وقدماء الأصحاب، وهو اختيار شـيخنا أبي العباس ابن تيمية، وكان يضعف كل ما خالفه من الأحاديث، ويقول: هي غلط).
فعلى هذا تكون صورة الصلاة كالآتي:
(1) يكبر مع النية، ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة نحوًا من سورة البقرة، وقد ثبت ذلك في رواية ابن عباس: «فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة»[13].
(2) يركع ركوعًا طويلًا مثل قيامه.
(3) يرفع رأسه من الركوع قائلًا: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقرأ الفاتحة ويقرأ بعدها سورة طويلة لكنها أقل من القراءة الأولى.
(4) يركع ركوعًا ثانيًا طويلًا لكنه أقل من الركوع الأول.
(5) يرفع رأسه قائلًا: سمع الله لمن حمده ربنا ولك والحمد.
(6) يسجد سجدتين طويلتين.
(7) ثم ينهض إلى الركعة الثانية فيؤديها كالركعة الأولى.
(8) يجلس ويقرأ التشهد ثم يسلم.
الصحيح أنه يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف؛ سواء كان ذلك لكسوف الشمس أو لخسوف القمر؛ لما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: جهر النبي ﷺ في صلاة الكسوف بقراءته[14]، وأما الأحاديث الواردة في أنه لم يسمع منه صوت فهي أحاديث واهية.
قال الحافظ رحمه الله: (وقد ورد الجهر عن علي مرفوعًا وموقوفًا، أخرجه ابن خزيمة وغيره، وقال به صاحبا أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن المنذر، وغيرهما من محدثي الشافعية، وابن العربي من المالكية)[15].
(1) يستحب أن تصلى صلاة الكسوف في جماعة؛ لما تقدم من أنه بعث مناديًا: «الصلاة جامعة».
قال صديق حسن خان رحمه الله: (والقيام بهذه السنة جماعة أفضل، وليست الجماعة شـرطًا فيها)[16].
(2) يستحب أن تصلى في المسجد، بخلاف صلاة العيدين؛ لأنه ﷺ حين كسفت الشمس صلاها بالمسجد؛ كما تقدم في حديث عائشة.
(3) لا مانع من خروج النساء لحضور صلاة الكسوف؛ كما ورد في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: «أتيت عائشة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ - حين خسفت الشمس - فإذا الناس يصلون، وإذا هي قائمة تصلي... الحديث» متفق عليه[17].
(4) يستحب عند كسوف الشمس والقمر: ذكر الله، والدعاء، والصدقة، والعتق والاستغفار، والمبادرة إلى الصلاة، والاستغفار، والتعوذ من عذاب القبر، وقد ورد ما يدل على ذلك في خطبته ﷺ بعد الصلاة، وكلها في الصحيحين؛ فمن ذلك:
(أ) في حديث عائشة رضي الله عنها: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبروا، وتصدقوا، وصلوا»[18].
(ب) في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: «فإذا رأيتموهما -يعني الكسوف للقمر وللشمس- فادعوا الله تعالى وصلوا حتى تنجلي»[19].
(جـ) عن أسماء رضي الله عنها قالت: «لقد أمر رسول الله ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس»[20].
(د) عن أبي موسـى رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شـيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره»[21].
(هـ) التعوذ من عذاب القبر؛ لما ثبت في حديث عائشة رضي الله عنها بعد انصـرافه ﷺ عن الصلاة: «فقال ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر»[22].
وأما التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والدعاء، فيسأتي في الحديث الآتي.
(5) يجوز رفع اليدين في الدعاء في الكسوف؛ لما ثبت في حديث عبد الرحمن ابن سمرة قال: «بينما أنا أرمي بأسهمي في حياة رسول الله ﷺ إذ انكسفت الشمس فنبذتهن، وقلت: لأنظرن إلى ما يَحْدُث لرسول الله في انكساف الشمس اليوم، فانتهيت إليه وهو رافع يديه؛ يدعو ويكبر ويحمد ويهلل حتى جلي عن الشمس، فقرأ سورتين وركع ركوعين»، وفي رواية: «فأتيته وهو ﷺ قائم في الصلاة رافع يديه»[23].
قال الحافظ رحمه الله: اختلف في الخطبة فيه؛ فاستحبها الشافعي، وإسحاق، وأكثر أصحاب الحديث.
قلت: وقد ثبتت خطبته ﷺ في الكسوف، فشـرع التأسـي به ﷺ بإلقاء خطبة بعد الصلاة يحث فيها الإمام على الصدقة، والاستغفار، وذكر الله عز وجل، والاتعاظ بالآيات، والتخويف من عذاب القبر. ومما حفظ من خطبته ﷺ في صلاة الكسوف ما ذكره ابن القيم جمعًا للروايات حيث قال: (وحفظ من خطبته: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا، يا أمة محمد، والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»[24].
وقال: «لقد رأيت في مقامي هذا كل شـيء وُعِدْتُم به؛ حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت»، وفي لفظ: «ورأيت النار؛ فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع منها، ورأيت أكثر أهل النار النساء»، قالوا: وبم يا رسول الله؟، قال: «بكفرهن»، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشـير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شـيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط»[25].
ومنها: «ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبًا من فتنة الدجال، يؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن -أو قال الموقن- فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له: نم صالحًا، فقد علمنا إن كنت لمؤمنًا، وأما المنافق - أو قال: المرتاب - فيقول: لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شـيئًا فقلته»[26].
ومنها: «أيها الناس، إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا يكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم شـيئًا من ذلك فصلوا حتى تنجلي، ما من شـيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتى هذه؛ لقد جيء بالنار، وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصـيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قُصْبَه في النار؛ كان يسـرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به، وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها؛ فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خَشاش الأرض حتى ماتت جوعًا، ثم جيء بالجنة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت منها حتى قمت من مقامي، ولقد مددت يدي، وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل، فما من شـيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه»[27][28]. ومعنى «المحجن»: عصًا منحنية الرأس. و«قصبه»: أمعاءه.