آداب المصلي يوم الجمعة:
يشـرع لمن وجبت عليه صلاة الجمعة آداب نذكرها ونبين أحكامها، وبالله التوفيق:
(1) الاغتسال: وقد تقدمت أدلته، وبيان أن الراجح وجوب الغسل ليوم الجمعة[1]. والراجح أن وقت الغسل يبدأ من طلوع الفجر، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.
(2) التنظيف والتجمل للجمعة؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «على كل مسلم الغسل يوم الجمعة، ويلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب مسَّ منه»[2]، رواه أحمد، وأصله في الصحيحين وفيه: «... وأن يستن وأن يمسَّ طيبًا إن وجد»، و«الاستنان» هو التسوك. وفيه دلالة على استحباب لبس الثياب الحسنة والتسوك والتطيب. بل يستحب أن يجعل للجمعة ثيابًا خاصة؛ لقوله ﷺ: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته؟»[3].
(3) التبكير في الذهاب للجمعة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضـرت الملائكة يستمعون الذكر»[4]. والراجح أن الساعات هي من أول ساعات النهار، وقد ثبت في حديث جابر رضي الله عنه: «يوم الجمعة ثنتا عشـرة ساعة»[5].
تنبيه: يستحب الذهاب ماشـيًا لمن لا يشق ذلك عليه؛ لما ثبت في الحديث: «من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشـى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صـيامها وقيامها»[6]. قال ابن عثيمين رحمه الله: (لكن لو كان منزله بعيدًا، أو كان ضعيفًا أو مريضًا، واحتاج إلى الركوب، فكونه يرفق بنفسه أولى من أن يشق عليها)[7].
(4) عدم تخطي الرقاب؛ فعن عبد الله بن بسـر رضي الله عنه قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ: «اجلس فقد آذيت»، زاد أحمد: «وآنيت»[8]. وقد اختلف العلماء في حكم تخطي الرقاب؛ فيرى بعضهم الكراهة، ويرى بعضهم التحريم، وقد صـرح الشافعي بالتحريم، واختاره النووي، واختاره كذلك شـيخ الإسلام ابن تيمية، ويستثنى من ذلك الإمام، ومن كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي.
(5) ويدنو من الإمام: فعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «من غسَّل واغتسل، ودنا وابتكر، واقترب واستمع، كان له بكل خطوة يخطوها قيام سنة وصـيامها»[9].
(6) ولا يقيمن أحدًا من مجلسه ليجلس هو؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا»[10].
واعلم أن هذا الحكم عام للجمعة ولغيرها؛ لما ثبت عنه ﷺ أنه «نهى أن يقام الرجل من مجلسه، ويجلس فيه، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا»[11]، وهذه الأحاديث تدل بعمومها على تحريم إقامة غيره من مكانه ليجلس فيه، سواء كان ذلك يوم الجمعة أو غيره.
ومن قام من مكانه لحاجة فهو أحق بمكانه إذا رجع؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به»[12].
قال السَّعدي رحمه الله: (أما كونه يقدم ولده أو خادمه ويتأخر هو، ثم إذا حضـر قام عنه، فهذا لا يجوز، ولا يحل له ذلك بلا شك)[13].
ومثله: حجز الأماكن بالفرش والسجاجيد؛ فإنه لا يجوز، وللداخل أن يرفع المفروش. قال ابن عثيمين: (لأن القاعدة: ما كان وضعه بغير حق فرفعه حق)[14]، وهذا اختيار ابن تيمية[15].
لكن هذا الحكم مقيد بما إذا كان لغير عذر، أما إذا وضع هذه الفرش لحاجة فهو أحق بمكانه، كأن يضطر للخروج للوضوء، أو الذهاب لأطراف المسجد ونحو ذلك، فهو أحق بمكانه إلا إن أقيمت الصلاة، فلنا رفع الفرش والصلاة في أماكنها، وعلى كل فليحذر المرء النزاع والخلاف ووقوع المفاسد. والله أعلم.
(7) ويصلِّي ركعتين: أعني قبل أن يجلس، حتى ولو كان الإمام يخطب؛ لقوله ﷺ: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام؛ فليصل ركعتين، وليتجوز فيهما»[16]. وبهذا تعلم أن ما يفعله كثير من الخطباء من نهي الناس عن الصلاة؛ أنه تصـرف باطل، وذلك جهل منهم بالسنة، وأما احتجاجهم بحديث: «إذا صعد الخطيب المنبر فلا صلاة ولا كلام»، فهو حديث موضوع.
(8) فإذا كان الإمام لم يخرج، صلَّى تحية المسجد، ثم له بعد ذلك أن يصلي ما شاء من التطوع، وله أن يجلس لانتظاره؛ فعن سلمان الفارسـي رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدَّهن من دهنه، أو يمسُّ من طيب بيته، ثم يروح إلى المسجد، ولا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت للإمام إذا تكلم؛ إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى»[17].
وهذه الصلاة ليست سنة قبلية للجمعة، بل هو تطوع مطلق حتى يخرج الإمام. قال العراقي رحمه الله: (لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يصلي قبل الجمعة؛ لأنه كان يخرج إليها فيؤذن بين يديه، ثم يخطب)[18].
ويكره الجلوس حِلقًا قبل الصلاة؛ لما ثبت أن رسول الله ﷺ «نهى عن الشـراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة»[19].
(9) فإذا خرج الإمام جلس واستمع: ودليله ما سبق من حديث سلمان رضي الله عنه المتقدم.
(10) ويحرم الكلام والإمام يخطب: لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب؛ فقد لغوت»[20]، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «يحضـر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضـرها يلغو، وهو حظه منها، ورجل حضـرها يدعو، فهو رجل دعا الله عز وجل، إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضـرها بإنصات وسكون، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهو كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ »[21].