حجم الخط:

محتوى الدرس (76)

ما يشرع وما لا يشرع للمريض:

(1) ينبغي للمريض أن يرضـى بقضاء الله وقدره، وأن يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصـيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه.

(2) ولا يجوز لعن المرض؛ لأن هذا من التسخط، وشأن المسلم الرضا بقضاء الله وقدره، فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل على أم السائب أو أم المسـيب، فقال: «ما لك يا أم السائب -أو يا أم المسـيب- تزفزفين»، قالت: الحمَّى لا بارك الله فيها، فقال ﷺ: «لا تسبوا الحمَّى؛ فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد»[1]. ومعنى «تزفزفين»: تتحركين حركة شديدة، أي: ترعدين.

(3) وعليه أن يصبر على المرض، ويحتسب الأجر والثواب من الله عز وجل؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]،

وقال تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿ ١٥٥ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿ ١٥٦ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].

وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سـراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضـراء صبر فكان خيرًا له، وليس هذا لأحد إلا للمؤمن»[2].

(4) قال الإمام النووي رحمه الله: (ينبغي للمريض أن يحرص على تحسـين خلقه، وأن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمر الدنيا، وأن يستحضـر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار الأعمال فيختمها بخير، وأن يستحلَّ زوجته، وأولاده، وسائر أهله، وغلمانه، وجيرانه، وأصدقائه، وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة أو تعلق، ويرضـيهم).

(5) وأن يتعاهد نفسه بقراءة القرآن، والذكر، وحكايات الصالحين، وأحوالهم عند الموت، وأن يحافظ على الصلوات، واجتناب النجاسة، وغيرهما من وظائف الدين، ولا يقبل قول من يخذِّله عن ذلك، فإن هذا مما يبتلى به، وهذا المخذل هو الصديق الجاهل، العدو الخفي، وأن يوصـي أهله بالصبر عليه، وبترك النوح عليه، وكذا إكثار البكاء، ويوصـيهم بترك ما جرت العادة به من البدع في الجنائز، وبتعاهده بالدعاء له، وبالله التوفيق)[3].

(6) وعليه أن يحسن الظن بالله، ويكون بين الخوف والرجاء؛ قال ﷺ: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»[4]، وتقدم حديث أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو بالموت فقال: «كيف تجدك؟» قال: والله يا رسول الله، إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف»[5].

(7) وعليه أن يؤدي الحقوق لأصحابها، فإن لم يتمكن أوصـى بذلك. قال : «من كانت عنده مظلمة لأخيه؛ من عرضه أو ماله، فليؤدها إليه قبل أن يأتي يوم القيامة لا يقبل فيه دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه، وأعطى صاحبه، وإن لم يكن له عمل صالح، أخذ من سـيئات صاحبه فحملت عليه»[6].

(8) ويكتب وصـيته، ويشهد عليها، وليحذر الإضـرار بالوصـية[7].

(9) ولا يتمنى الموت مهما اشتد به المرض؛ لما ثبت في الحديث: «لا يتمنين أحدكم الموت لضـر نزل به، فإن كان لا بد فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»[8].

حكم الأنين عند المرض:

قال ابن القيم رحمه الله: (التحقيق أن الأنين على قسمين؛ القسم الأول: أنين الشكوى؛ فيكره، القسم الثاني: أنين استراحة وتفريج؛ فلا يكره، والله أعلم)[9].

ويجوز للمريض أن يذكر وجعه؛ كأن يقول: أنا وجع، أو محموم، أو يقول: وا رأساه، أو متعب أو نحو ذلك، بشـرط أن لا يكون ذلك على سبيل الشكاية والتسخط؛ ودليل ذلك قوله ﷺ: «وا رأساه»[10]، وكذلك ما تقدم من قوله لمن قال له: إنك لتوعك، فقال: «أجل؛ كما يوعك رجلان منكم»[11].

فإن أيس من حياته فليدعُ الله أن يعينه على سكرات الموت، ويدعو الله بالمغفرة والرحمة، وأن يلحقه بالصالحين؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يمسح وجهه بالماء في مرضه الذي توفي فيه، ويقول: «اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت»، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي ﷺ وهو مستند إليَّ يقول: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى»[12].

وليستحضـر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته من الدنيا، فليجتهد في ختمها بخير، وإذا حضـره النزع فليكثر من قول: «لا إله إلا الله»؛ ليكون آخر كلامه.

وليكثر من ذكر الله عز وجل؛ فقد تقدم قول الإمام النووي في استحباب أن يكثر المريض من الذكر والدعاء.

قلت: ومن ذلك ما ثبت من حديث أبي سعيد، وأبى هريرة رضي الله عنهما؛ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: «من قال: (لا إله إلا الله، والله أكبر) صدقه ربه فقال: لا إله إلا أنا، وأنا أكبر، فإذا قال: (لا إله إلا الله وحده)، قال يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: (لا إله إلا الله وحده لا شـريك له)، قال: يقول الله: صدق عبدي: لا إله إلا أنا وحدي لا شـريك لي، وإذا قال: (لا إله إلا الله، وحده لا شـريك له، له الملك وله الحمد) قال: يقول: لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: (لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله) قال: لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي»، وكان يقول: «من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار»[13].

الأدعية والرقى للمريض:

تقدم حديث النبي ﷺ وقوله للمريض: «لا بأس، طهور إن شاء الله»[14].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «من عاد مريضًا لم يحضـر أجله، فقال عنده سبع مرات: أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من ذلك المرض»[15].

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا أتى مريضًا، أو أُتِي به إليه، قال عليه الصلاة والسلام: «أذهبِ البأس ربَّ الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا»[16]، وفي رواية عند مسلم: كان إذا اشتكى منا إنسان، مسحه بيمينه، ثم قال... الحديث. ومعنى «لا يغادر»: لا يترك.

وتقدم حديث سعد بن أبي وقاص لما عاده النبي ﷺ؛ قال: «اللهم اشف سعدًا»[17].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله، نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضَه الذي مات فيه، جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نَفْسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي»[18]. ومعنى «النفث»: أن يجمع كفيه، ويقرأ المعوذات، ثم ينفخ فيهما، ثم يمسح على بدنه ووجهه.

ويستحب قراءة الفاتحة؛ لقوله ﷺ لمن قرأها على اللديغ: «وما يدريك أنها رقية»[19].

وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده، فقال له رسول الله ﷺ: ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: «بسم الله» ثلاثًا، وقل سبع مرات: «أعوذ بعزة الله وقدرته، من شـر ما أجد وأحاذر»[20].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقل: اللهم اشف عبدك، ينكأ لك عدوًا، أو يمشـي لك إلى صلاة»[21].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: «يا محمد: اشتكيت؟ قال: نعم، قال: باسم الله أرقيك، من كل شـيء يؤذيك، من شـر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك»[22].

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشـيء منه، أو كانت قرحة أو جرح، قال النبي ﷺ بإصبعه هكذا -ووضع سفيان بن عيينة الراوي سبابته بالأرض ثم رفعها- وقال: «بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بـإذن ربنا»[23].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة