غسـل الميـت
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بغسل الميت:

غسل الميت فرض كفاية؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال لمن وقصته دابته وهو محرم: «اغسلوه بماء وسدر، ولا تحنطوه ولا تُمسُّوه طيبًا، ولا تخمِّروا وجهه ورأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا»[1]، وكذلك أمره ﷺ للنسوة اللاتي غسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن»[2]. والأمر يفيد الوجوب، ومعلوم أن أمره هنا ينصـرف إلى طائفة من الناس يقومون به، فيكون فرض كفاية.
عن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من غسَّل مسلمًا فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنَّه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة»[3]، ومعنى «أجنه»: أي ستره في قبره.
ويلاحظ أن هذا الثواب المذكور في الحديث مشـروط بشـرط الكتمان والستر على الميت، فلا يُحدِّث بما قد يراه مكروهًا منه.
عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن؛ بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، أو شـيئًا من كافور، فإذا فرغتُن فآذِنَّني»، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حَقْوَه، فقال: «أَشْعِرْنها إياه»، تعني إزاره[4]. وفي بعض الروايات: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها»، ومعنى «الإشعار»: أن يجعلن هذا الإزار مما يلي الجسد مباشـرة.
وتكون طريقة الغسل كالآتي:
(1) يوضع الميت على سـرير الغسل بعد تجريده من ثيابه، ويوضع على عورته شـيء يستره، على أن يكون هذا الشـيء ثخينا لا يصف العورة عند صب الماء عليه، ولا يكفي في ذلك ما يفعله بعض المغسلين من وضع خرقة خفيفة لا تستر العورة، خاصة إذا صب الماء.
(2) ثم يجلسه إجلاسًا برفق، ويعصـر بطنه مسحًا بليغًا -برفق- لأنه ربما كان في جوفه شـيء من البول أو الغائط، فيخرج بهذا العصـر، إلا أن تكون امرأة ماتت وهي حامل، فلا يعصـر على بطنها، وقد ثبت نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(3) يغسل أسافله؛ بأن يلف المغسل على يده خرقة، أو يلبس قفازًا ثخينًا، وينجيه.
(4) ثم ينوي غَسله، ويسمي، ثم يوضئه؛ لما تقدم في الحديث: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها»، ويلاحظ عند المضمضة والاستنشاق أن يدخل قطنة أو نحوها مبلولة بالماء بين شفتيه، فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظفهما، ولا يدخل الماء في فمه ولا في أنفه. وذلك بأن يجعل الميت على شقه الأيسـر قليلًا ويغسل شقة الأيمن، ثم يغسل شقه الأيسـر كذلك، على أن تكون الغسلات بالماء والسدر، أو ما يقوم مقامه كالصابون، إلا الغسلة الأخيرة فيجعل معها كافورًا، فإن لم يجد كافورًا فليضع أي نوع من الطيب كالمسك ونحوه.
(5) يعاد الغسل ثلاث مرات، فإن احتاج إلى زيادة الغسلات جعلها خمسًا أو سبعًا، على أن ينتهي إلى وتر.
(6) ينشف بعد ذلك بثوب؛ لأنه إذا كفِّن وهو رطب ابتل الكفن ويسبب لذلك حرجًا.
(7) يزاد في حق المرأة: أن ينقض شعرها حال الغسل، ثم يضفر شعرها بعد الغسل ثلاث ضفائر؛ قرنيها وناصـيتها، وتجعل الضفائر من خلفها؛ لما ثبت في بعض روايات حديث أم عطية أن النبي ﷺ أمر النساء اللاتي يغسلن ابنته أن يضفرن شعرها ثلاثة قرون، ويسدلنه من ورائها.
(1) لا يغسل الرجال إلا الرجال، ولا يغسل النساء إلا النساء، وعلى هذا فلا يحل للرجل أن يغسل أحدًا من محارمه؛ كأمِّه وأخته وابنته... إلخ.
(2) يستثنى مما سبق الزوجان، فيجوز لكل منهما أن يغسل صاحبه؛ فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَّل النبي ﷺ غير نسائه»[5].
وثبت أن أسماء بنت عميس رضي الله عنها غسَّلت زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنه[6]؛ ففي ذلك دليل على جواز غسل المرأة زوجها.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: رجع إليَّ رسول الله ﷺ من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعًا في رأسـي، وأقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا وا رأساه، ما ضـرك لو مت قبلي، فغسَّلتك، وكفَّنتك، ثم صليت عليك، ودفنتك؟»[7].
وثبت أيضًا أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ غسَّلها زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي ذلك دليل على جواز غسل الرجل لزوجته.
ولكن إذا كانت المرأة مطلقة، هل يغسلها زوجها؟
قال الشـيخ ابن باز رحمه الله: (إذا كانت رجعية، أي: طلقة واحدة أو اثنين؛ فلا بأس)[8]، يعني: ما دامت في العدة.
(3) يرى أهل العلم جواز أن يغسِّل كل من الرجل والمرأة الأطفال من دون السبع سنين من ذكر وأنثى[9]. قال أبو داود: قلت لأحمد: الصبي يستر كما يستر الكبير، أعني الصبي الميت في الغسل؟ قال: (أي شـيء يستر منه، وليست عورته بعورة، ويغسله النساء)[10].
(4) يستحب الرفق بالميت؛ في تقليبه، وعصـر بطنه، وتليين مفاصله، وسائر أموره، وقد قال ﷺ: «كسـر عظم الميت ككسـر عظم الحي»[11].
(5) إن كان بالميت دم يسـيل لا يرقأ، فإنه يحشـى مكانه قطن ونحوه؛ لمنعه من الخروج، وكذلك إذا خرج منه شـيء من بول أو غائط، ويرى بعض أهل العلم أنه يعاد غسله إلى سبع مرات، فإن خرج شـيء بعد ذلك حشـي بالقطن وغسل محل الدم فقط، وأما إن خرج بعد تكفينه فإنه لا يجب غسل المحل، ولا إعادة الغسل، ولا الوضوء؛ لأن ذلك مما يشق على الناس.
(6) تغسـيل الحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما، ولا يوجد دليل يوجب غسلهما أولًا من الجنابة أو الحيض، ثم غسلًا آخر للوفاة، بل المعتبر غسل الوفاة؛ لأنهما خرجا من أحكام التكليف، وتغسـيل الميت تعبد واجب على الأحياء.
(7) إذا مات الإنسان محرمًا وغسلناه، فإننا لا نجعل في الماء كافورًا أو طيبًا؛ لقوله ﷺ فيمن مات محرمًا: «اغسلوه بماء وسدر، ولا تحنطوه»، وفي رواية: «ولا تطيبوه»[12].
(8) لا يغسَّل شهيد المعركة، وهو من قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، ولا فرق في ذلك بين من مات منهم جنبًا أو غير جنب، وأما ما ثبت في حديث حنظلة أن الملائكة غسَّلته لأنه مات شهيدًا وكان جنبًا، فهذه فضـيلة وكرامة له، لكن ليس فيها دليل على وجوب تغسـيل الشهيد إذا مات جنبًا. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (أما من قاتل لوطنية، أو قومية، أو عصبية؛ فليس بشهيد ولو قتل، لكن من قاتل حماية لوطنه الإسلامي من أجل أنه وطن إسلامي، فقد قاتل لحماية الدين، فيكون من هذا الوجه في سبيل الله)[13].
(9) وأما من قتل دون ماله، أو المبطون، والمطعون، وغيرهم ممن يطلق عليهم اسم الشهيد؛ فهؤلاء يغسَّلون ويكفَّنون ويصلَّى عليهم كغيرهم من موتى المسلمين.
(10) المقصود بالشهيد: من قتله العدو، أو جرحه جراحة استمرت به، ولم يتبين به حياة مستقرة حتى مات؛ وعلى هذا: إذا سقط من دابته بدون فعل العدو، أو وجد ميتًا ولم نجد به أثر جراحة أو خنق أو ضـرب، أو تبين به حياة مستقرة؛ كأن يأكل أو تستمر به الحياة فترة، يعرف من خلالها أنه ليس في سـياق الموت؛ فكل هؤلاء يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم.
(11) والسقط إذا بلغ أربعة أشهر فإنه يغسَّل ويكفَّن ويصلى عليه.
(12) إن تعذر غسل الميت فإنه ييمم، ويكون تعذره إما لعدم الماء، أو لاحتراق الميت وعدم القدرة على استعماله له، أو لعدم وجود من يغسله؛ كأن يموت رجل بين نساء ليس فيهن زوجة أو أَمَة له، أو تموت امرأة بين رجال ليس فيهم زوج أو سـيد لها.
ويرى بعض أهل العلم أنه لا ييمم؛ لأن التيمم طهارة بدل لرفع الحدث، وغسل الميت للتنظيف. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (فإذا كان هذا قد قيل به، فهو أقرب إلى الصواب من القول بتيميمه، وإن كانت المسألة إجماعًا، أي: تيمم من تعذر غسله؛ فالإجماع لا تجوز مخالفته؛ لأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة)[14].
هذا: وقد ذهب ابن حزم إلى أنه يجوز أن تغسل النساء الرجل والرجال المرأة، إذا مات الرجل بين نساء، والمرأة بين رجال، ويكون ذلك من تحت ثوب يسجى على الميت.
(13) من البدع: أن يقول المغسل عند غسل كل عضو ذكرًا من الأذكار، وأن يلقن الميت الشهادتين في أثناء تغسـيله.
(14) من البدع كذلك: وضع المصحف على صدر الميت قبل غسله، أو بعد الفراغ من غسله، أو قراءة سورة يس في أثناء تغسـيله، أو قراءة الفاتحة في أثناء تغسـيله، وهذا كله جهل لا دليل عليه من السنة، والحديث الوارد في قراءة (يس) لا يصح.
(15) من البدع: وضع بخور مكان غسل الميت؛ بدعوى أن روح الميت تحوم حول المكان لمدة ثلاثة أيام.
(16) ليس هناك دليل لما ذهب إليه بعض الفقهاء؛ من تقليم أظفار الميت، وحلق إبطه وعانته، أو نحو ذلك من سنن الفطرة، وفي المسألة خلاف بين أهل العلم.
(17) يجوز للحائض أن تغسل الموتى؛ لأن حيضتها ليست في يدها، فالحيض لا يكون مانعًا من قيامها بالغسل والتكفين[15].
(18) لا يحضـر الغسل إلا المغسل ومن يعينه، وعلى من حضـر ستر ما رآه شـرًّا؛ سواء كان جسديًّا أو معنويًّا، ويجوز له إظهار ما رآه من خير.
(19) يحرم سوء الظن بمسلم ظاهر العدالة، وأما الكافر فلا يحرم سوء الظن به. قال ابن عثيمين رحمه الله: (وأما من عرف بالفسوق والفجور، فلا حرج أن نسـيء الظن به؛ لأنه أهل لذلك، ومع هذا لا ينبغي للإنسان أن يتتبع عورات الناس ويبحث عنها)[16].
(20) يحرم أن يغسل المسلم الكافر أو يدفنه أو يتبع جنازته؛ لأن ذلك كله إكرام، وهو ليس أهلًا لذلك، لكن إن عدم من يواريه، فيجوز للمسلم أن يواريه التراب بأن تحفر حفرة، ويلقى فيها ويوارى بالتراب.
(21) يجوز خلع أسنان الذهب ونحوها مما له قيمة مما ركبه الإنسان في حياته، بشـرط أن لا يكون هناك إضـرار بالميت، وأما ما لا قيمة له فيترك ويدفن معه[17].
(22) قال ابن قدامة رحمه الله: (وإن وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر، نظر إلى العلامات؛ من الختان والثياب والخضاب، فإن لم يكن عليه علامة، وكان في دار الإسلام غسل وصلي عليه، وإن كان في دار الكفر لم يغسل ولم يصل عليه، نص عليه أحمد؛ لأن الأصل أن من كان في دار فهو من أهلها، يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل)[18].
أولى الناس بغسل الميت «وصـيُّه» الذي أوصـى به أن يغسله؛ فقد أوصـى أبو بكر رضي الله عنه أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس[19]، ثم يليه أهله وأقاربه؛ لا سـيما من كان أعرف بسنة الغسل منهم[20]؛ فعن عامر قال: غسل رسول الله ﷺ علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه قبره، قال: وحدَّثني مَرْحَب أو أبو مرحب: أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي قال: «إنما يلي الرجلَ أهلُه»[21].
استحباب غُسْل من غَسَّل ميتًا:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ»[22]. قال الشـيخ الألباني رحمه الله: (وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإنما لم نقل به لحديثين:
الأول: قوله ﷺ: «ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم»[23].
الثاني: قول ابن عمر رضي الله عنهما: «كنا نغسل الميت؛ فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل»[24]، [25].