مسائل وملاحظات:
(1) إذا تناول ما لا يُتغذى به؛
كالتراب، أو تناول ما يؤذي ويضـر؛ كالسجائر، فإنه يكون مفطرًا؛ لأنه تناوله من المنفذ المعتاد؛ وهو الفم.
(2) حكم القبلة والمعانقة والمباشـرة دون الفرج:
كل ذلك لا يفطر الصائم؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشـر وهو صائم، وكان أملككم لأربه»[1]. ومعنى «الأرب»: الحاجة، وقيل: العضو.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: هششت يومًا، فَقَبَّلْتُ وأنا صائم، فأتيت النبي ﷺ فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا؛ قَبَّلْتُ وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: «أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟» قلت: لا بأس بذلك، قال: «ففيم؟»[2].
والقبلة والمعانقة والمباشـرة دون الفرج جائزة للصائم؛ إلا إن خشـي على نفسه إنزال المني، أو ثوران الشهوة حتى توقعه في الجماع، فكرهها لذلك بعض أهل العلم. ولهذا تكره المباشـرة للشاب دون الشـيخ؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المباشـرة للصائم، فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شـيخ، والذي نهاه شاب[3].
وهو طلب خروج المني بوسـيلة كاليد، فإن استمنى فأنزل، فقد ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى إفساد صومه، واستدل الشـيخ ابن عثيمين[5] لذلك بحديث النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «يدع طعامه وشـرابه وشهوته من أجلي» متفق عليه. وإخراج المني شهوة، فإذا لم يدعها وطلبها؛ فإنه يكون مفطرًا، وأما لو فكر فأمنى فلا يفسد صومه؛ لأنه حديث نفس لا يؤاخذ عليه الإنسان[6].
إذا باشـر فأمذى، أو فكر أو لمس فأمذى؛ فصـيامه صحيح، ولا يفسد بذلك. وهذا اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[7]. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي. وقال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (والحجة فيه: عدم الحجة[8]؛ لأن الصوم عبادة شـرع فيها الإمساك على وجه شـرعي، فلا يمكن أن تفسد هذه العبادة إلا بدليل)[9].
قلت: ينبغي للعبد أن يكون محافظًا على عبادة ربه؛ يصونها مما يخل بها ليتحصل الثواب الكامل؛ إذ إنه يفرق بين صحة العمل وبين قبوله، فرب عمل وقع صحيحًا من حيث الحكم الفقهي، لكنه خالطه شوائب تبطله وتضـيعه. هناا
إذا أصبح جنبًا من جماع قبل الفجر، أو من احتلام بالليل أو بالنهار وهو صائم، فصومه صحيح لا يفسد بذلك؛ لما ثبت في (الصحيحين) عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يصبح جنبًا وهو صائم، ثم يغتسل ويصوم[10]، هذا عن الجنابة، وأما عن احتلام النائم؛ فلأن القلم مرفوع عنه كما تقدم في الحديث[11].
لا تفطر الصائم، حتى لو وجد طعمه في حلقه؛ لأن العين ليست منفذًا معتادًا للطعام، وليس هناك حديث صحيح ينص على أن الكحل مفطر، والصوم عبادة لا يحكم بفساده إلا بدليل.
ويجري هذا الحكم كذلك على قطرة الأذن، والأنف، لكن الأولى في الأنف الاحتراز عنها؛ لنهيه ﷺ عن المبالغة في الاستنشاق للصائم، وسـيأتي الحديث في ذلك.
يباح للصائم الاغتسال والانغماس في الماء للتبرد، وقد تقدم حديث عائشة وأم سلمة أن النبي ﷺ كان يصبح جنبًا، ثم يغتسل، وكان لأنس بن مالك أبزن يتقحم فيه وهو صائم[12]. و«الأبزن»: حجر منقور شبه الحوض، ومعنى «يتقحم» أي: يدخل فيه، والمقصود أنه يغتسل.
لا يفطران الصائم، لكنه يكره له المبالغة في الاستنشاق؛ لما رواه أصحاب السنن من حديث لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ قال: «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا»[13].
فإن سبقه الماء إلى جوفه بدون قصد منه، حتى ولو مع المبالغة المكروهة، فالصحيح أنه لا يفطر بذلك؛ لأنه غير متعمد.
جائزة للصائم، والراجح أنها لا تفسد الصوم؛ لأن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم[14]. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «رخص رسول الله ﷺ في القبلة للصائم، والحجامة»[15]. لكنها تكره من أجل ما تسببه من ضعف؛ فعن أنس رضي الله عنه سئل: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: «لا، إلا من أجل الضعف»[16]. وأما حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»[17]؛ فقد ذهب جمهور العلماء إلى القول بنسخه للأسباب الآتية:
أ- ما رواه الدارقطني بإسناد رجاله ثقات عن أنس رضي الله عنه قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي ﷺ فقال: «أفطر هذان»، ثم رخص النبي ﷺ بَعْدُ في الحجامة[18].
ب- ما تقدم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «رخص رسول الله ﷺ في الحجامة»، والترخيص يكون بعد النهي.
لا يفسد الصوم؛ سواء كان من بدنه، أو رعافًا من أنفه، أو من أسنانه، أو من قلع ضـرس، أو الضغط على بثرة (دُمَّل)، لكنه يحترز من ابتلاعه.
وكذلك خروجه عن طريق الحقن؛ لأخذ عينات، أو للتبرع به؛ لا يفسد الصوم.
الحُقَن في الوريد أو العضل لا تفسد الصوم. واختلفوا في الحقن المغذية؛ باعتبار أنها مما يتقوى به الإنسان، وأنها تقوم مقام التغذية، فيرون أنها تفسد الصوم بهذا الاعتبار. وذهب فريق آخر إلى أنها لا تفطر الصائم؛ لأن الطعام عن طريق الفم فيه معنى التشهي والتلذذ بمضغه وبلعه، وهذا لا يوجد في الحقن.
قُلْتُ: والأَوْلى -والله أعلم- لمثل هذا أن يترخص برخصة الإفطار، ويقضـي بعد ذلك.
استعمال السواك للصائم جائز في أي وقت؛ سواء كان قبل الزوال أو بعد الزوال، وسواء كان السواك رطبًا أو يابسًا؛ وذلك لعموم الأحاديث الواردة في فضـيلة السواك. قال البخاري رحمه الله: (ولم يخص الصائم من غيره)[19].
(13) واستعمال معجون الأسنان جائز.
لكنه يكره لقوة نفاذه إلى المعدة؛ مما يؤدي إلى إفساد صومه. وأما إن كان يـأمن من ذلك وليس له قوة نفاذ فلا بأس[20].
لا بأس بها للصائم، ولا تفسد صومه، وليس مع القائلين بالمنع دليل يعتمد عليه. وسواء كانت هذه الروائح سوائل، أو بخور.
يباح للصائم بلع ريقه، حتى لو جمعه ثم ابتلعه، ما دام داخل فمه، ولو أنه شـرب قبل الفجر، ثم طلع الفجر؛ فلا يجب عليه التفل للتخلص من طعم الماء؛ فهذا مما يتسامح فيه.
وأما النخامة؛ فإنها إن نزلت إلى جوفه مباشـرة فإنها لا تفطر الصائم، ولكنها إن خرجت إلى فمه، ثم ابتلعها؛ فهي شبيهة بالطعام، والراجح أنه يفطر بذلك، ورجح الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله عدم الفطر بها مطلقًا.
(16) لا يفسد الصوم ما لا يمكن الاحتراز منه:
كغبار الطريق، ونخالة الدقيق، وما تبقى من الطعام بين الأسنان. قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمعوا على أنه لا شـيء على الصائم فيما يبتلعه، مما يجرى مع الريق، مما بين أسنانه، مما لا يقدر على إخراجه)[21].
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لا بأس أن يذوق الخل والشـيء يريد شـراءه؛ ما لم يدخل حلقه وهو صائم»[22].
وعنه قال: «لا بأس أن يتطاعم الصائم العسل والسمن ونحوه ويمجه»[23]. وكان الحسن يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم، وقال إبراهيم النخعي وعكرمة: (لا بأس أن تمضغ المرأة لصبيها وهي صائمة)[24]. وشـرط ذوق الطعام أن لا يدخل منه شـيء إلى حلقه.
(18) من يعمل في الأفران [المخابز] وفي الأعمال الشاقة:
لا يباح لهم الفطر؛ لأنهم مكلفون. قال الشـيخ ابن باز رحمه الله: (فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان بأن يصبحوا صائمين، ومن اضطر منهم للفطر في أثناء النهار فيجوز له أن يفطر بما يرفع اضطراره، ثم يمسك بقية يومه في الوقت المناسب)[25]. أى: وعليه قضاء ذلك اليوم.
تنبيه: هناك بعض المسائل العلاجية الحديثة، وهي لا تفطر الصائم أيضًا، وقد قرر ذلك مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد من 23 إلى 28 صفر 1418هـ. ومن الأمور التي قررها المجلس ما يلي[26]:
(19) الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان:
لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق؛ لا يفطر الصائم.
من تحاميل (لبوس)، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي؛ لا يفطر الصائم.
(21) إدخال المنظار واللولب إلى الرحم؛
لا يفطر الصائم.
(22) ما يدخل الإحليل، أو مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى؛
من قنطرة (أنبوب دقيق)، أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة؛ لا يفطر الصائم.
أو قلع الضـرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق؛ لا يفطر الصائم.
بخاخ العلاج الموضعي للفم، إذا اجتنب ما نفذ إلى الحلق؛ لا يفطر الصائم.
لا يفطر الصائم.
ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية، لا يفطر الصائم.
(27) ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد؛
كالدهانات والمراهم واللصقات العلاجية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية؛ لا يفطر الصائم.
(28) إدخال قنطرة (أنبوب دقيق) في الشـرايين؛
لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء؛ لا يفطر الصائم.
(29) إدخال منظار من خلال البطن؛
لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها؛ لا يفطر الصائم.
(30) أخذ عينات من الكبد أو غيره من الأعضاء،
ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل؛ لا يفطر الصائم.
(31) وكذلك دخول أي أداة، أو مواد علاجية إلى الدماغ،
أو النخاع الشوكي؛ لا يفطر الصائم.