أحكام الصيام في حالات خاصة
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بالسفر

المسألة الأولى: حكم الصوم في السفر:
يباح الفطر للمسافر، حتى ولو قوي على الصـيام؛ وذلك لقول الله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة:184].
ولكن مع وجود رخصة الإفطار هل يجوز له أن يصوم؟ وإذا صام هل يجزئه؟
ذهب جمهور العلماء إلى جواز الصوم، وأن ذلك يجزئه، واستدلوا على ذلك بأدلة؛ منها:
(1) عن عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه قال للنبي ﷺ: أأصوم في السفر؟ قال: «إن شئت فصم، وان شئت فأفطر»[1].
(2) وعن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم قالا: «سافرنا مع رسول الله ﷺ؛ فيصوم الصائم، ويفطر المفطر، ولا يعيب بعضهم على بعض»[2]. وغير ذلك من الأحاديث في هذا المعنى.
وذهب الظاهرية إلى أنه يجب الفطر للمسافر، ولا يجزئه الصوم، واستدلوا على ذلك بأدلة:
(1) قوله تعالى: ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة:184]. قالوا: فالمسافر صـيامه في أيام أُخَر، وليس في رمضان.
(2) قوله ﷺ: «ليس من البر الصـيام في السفر»[3]. قالوا: ومقابل «البر»: «الإثم»، وإذا كان آثمًا فصومه غير صحيح.
(3) عن أنس رضي الله عنه قال: كنا مع رسول ﷺ في سفر، أكثرنا ظلًّا صاحب الكساء، فمنا من يقي الشمس بيده، فسقط الصوَّام، وقام المفطرون؛ فضـربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»[4].
(4) عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شـرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة»[5].
والراجح ما ذهب إليه الجمهور من جواز الصوم للمسافر وأن ذلك يجزئه، وأما ما ذكره المخالفون من الأدلة فلا حجة لهم فيها؛ لأن قوله تعالى: ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ أي: لمن أخذ برخصة السفر، فإنه يجب عليه قضاء هذه الأيام.
وأما قول النبي ﷺ: «ليس من البر الصـيام في السفر» فإنما كان ذلك بسبب أن رجلًا صام في حر شديد حتى غشـي عليه. لذلك ترجم البخاري: باب قول النبي ﷺ لمن ظلل واشتد عليه الحر: «ليس من البر الصـيام في السفر».
وأما قوله: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»، فلا ينفي جواز الصـيام. وإنما الأجر الذي ذهبوا به هو عملهم للخيام والسقي ونحوه، وقد ثبت أن النبي ﷺ سافر مع أصحابه في حر شديد وكان صائمًا؛ فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ، وعبد الله بن رواحة»[6].
وأما قوله: «أولئك العصاة» فذلك لأنه عزم عليهم بالفطر فصاموا.
واعلم أنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ صام بعد ذلك في السفر؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صـيام، فنزلنا منزلًا، فقال النبي ﷺ: «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم»، فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» وكانت عزمة، فأفطرنا، ثم قال: «لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر»[7].
قلت: ويفهم من ذلك أنه يجب الفطر عند لقاء العدو؛ لأنه أقوى لملاقاة العدو، ولأن أمره ﷺ كان عزيمة، وأما مجرد السفر فإنه لا يمنع من الصـيام. والله أعلم.
المسألة الثانية: هل الصوم أفضل للمسافر أو الفطر؟
علمنا أن الراجح قول الجمهور بجواز صوم المسافر وإباحة فطره، ولكن هل الصوم أفضل أو الفطر؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال عدة، أحسنها وأفضلها ما قاله ابن حجر رحمه الله في الفتح: (الحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن يشق عليه أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأن من لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر)[8].
ويؤيد ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان؛ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فافطر فإن ذلك حسن»[9]. ومعنى «لا يجد»: لا يعيب.
أحكام الفطر للمسافر:
(1) من استهلَّ عليه رمضان في الحضـر، ثم سافر بعد ذلك في أي يوم من رمضان؛ أبيح له الفطر على الراجح من أقوال أهل العلم؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس»[10]، وفي بعض الروايات: أن ذلك كان عام الفتح. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (واستدل به على أن للمسافر أن يفطر في أثناء النهار، ولو استهلَّ رمضان في الحضـر، والحديث نص في الجواز؛ إذ لا خلاف أنه ﷺ استهلَّ رمضان في عام غزوة الفتح وهو بالمدينة، ثم سافر في أثنائه)[11].
(2) وكذلك يباح له الفطر إذا أصبح صائمًا وهو مقيم، ثم أراد أن يسافر بالنهار؛ فعن محمد بن كعب قال: أتيت في رمضان أنس بن مالك، وهو يريد سفرًا، وقد رُحِلت راحلتُه، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام، فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، ثم ركب[12].
(3) إذا أراد المسافر أن يأخذ برخصة الفطر؛ فيباح له الفطر قبل مغادرة بيته؛ وذلك للحديث السابق، ولما ثبت أيضًا عن عبيد بن جبر قال: ركبت مع أبي بصـرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان، فدفع، ثم قرَّب غداءه، ثم قال: «اقترب، فقلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصـرة: أرغبت عن سنة رسول الله ﷺ؟»[13]. قال الشوكاني رحمه الله: (والحديثان يدلان على أن للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه)[14].
(4) لا يجوز للإنسان أن يتحيَّل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيُّلَ على إسقاط واجب لا يسقطه، كما أن التحيُّلَ على المحرم لا يجعله مباحًا.
(5) الذين يسافرون دائمًا؛ كسائقي الشاحنات والقُطُر والطائرات ونحوهم؛ لهم الترخص برخصة السفر؛ لأن الله أطلق إباحة الترخص بالسفر، ولم يقيده بشـيء.
(6) يباح الإفطار للمسافر، ولو كان سفره بوسائل النقل المريحة، سواء وجد مشقة أو لم يجدها، إذ إن علة الفطر وجود السفر دون التقيد بشـيء آخر.
(7) إذا قدم المسافر أثناء النهار مفطرًا، فالصحيح أنه لا يجب عليه الإمساك بقية النهار؟ لعدم وجود دليل يوجب عليه ذلك. ولأن هذا اليوم واجب في ذمته، فعليه قضاؤه في أيام أخر.
يُباح للحامل والمرضع الفطر في رمضان؛ لما ثبت في الحديث: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم»[15].
واختلف أهل العلم: ماذا عليها لو أفطرت؟ هل تطعم، أو تقضـي، أو تطعم وتقضـي؟ على أقوال؛ قال ابن المنذر رحمه الله: (وللعلماء في ذلك أربع مذاهب:
(1) قال ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير: يفطران ويطعمان، ولا قضاء عليهما.
(2) وقال عطاء بن أبي رباح، والحسن، والضحاك، وأبو حنيفة، وأصحاب الرأي: يفطران ويقضـيان، ولا فدية؛ كالمريض.
(3) وقال الشافعي وأحمد: يفطران ويقضـيان ويفديان.
(4) وقال مالك: الحامل تفطر وتقضـي، ولا فدية، والمرضع تفطر وتقضـي وتفدي)[16].
قُلْتُ: وما أشار إليه ابن المنذر من كلام ابن عباس وابن عمر قد نقله عنهما ابن قدامة، وهذا نص كلامه: (قال ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم -ولا مخالف لهما من الصحابة-: لا قضاء عليهما؛ لأن الآية تناولتهما، وليس فيها إلا الإطعام)[17].
وأما ألفاظ هذه الآثار فهي كما يلي:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «رخص للشـيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك، وهما يطيقان الصوم؛ أن يفطرا إن شاءا، ويطعما كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك في هذه الآية ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، وثبت للشـيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينًا»[18].
وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى أم ولد له حاملًا، أو مرضعًا، فقال: «أنت بمنزلة الذي لا يطيق؛ عليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليك»[19].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن امرأته سألته وهي حبلى، فقال: «أفطري، وأطعمي عن كل يوم مسكينًا، ولا تقضـي»[20].
(1) لو استؤجرت المرأة لإرضاع غير ولدها، أو أرضعته تقربًا إلى الله؛ فإنه يباح لها الفطر، ويكون حكمها حكم المرضع لولدها، والخلاف فيها كما سبق (راجع مذاهب العلماء السابقة).
(2) لو كانت المرضع أو الحامل مسافرة، أو مريضة، فأفطرت بنية الترخص بالمرض، أو السفر، فلا فدية عليها بلا خلاف[21]، ويكون عليها القضاء.
(3) على من يجب الإطعام؟ قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (والمذهب أن الإطعام واجب على من تلزمه النفقة)[22].
يباح للمريض الفطر في رمضان؛ لقول الله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة:184]. وقد اختلف العلماء في المرض المبيح للفطر على النحو الآتي:
ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه المرض الذي تلحقه المشقة إن صام فيه، أو يخاف زيادته. وقال أحمد رحمه الله: هو المرض الغالب؛ أي الشديد. وعند الظاهرية: كل ما أطلق عليه اسم المرض؛ لعموم اللفظ في الآية. وقد قسَّمه الشـيخ ابن عثيمين ثلاثة أقسام[23]:
الأول: ألا يتأثر بالصوم؛ مثل الصداع والزكام، فهذا لا يحل له الفطر.
الثاني: يشق عليه الصوم ولا يضـره، فيكره له الصوم، ويسن الفطر.
الثالث: يشق عليه الصوم ويضـره، كمرضـى الكلى والسكر؛ فالصوم عليه حرام.
لكن ماذا يجب على المريض إذا أفطر؟
أ- إن كان المرض مما يرجى برؤه وشفاؤه، فيجب عليه أن يقضـيه في أيام أخر، كما ورد في الآية.
ب- وإن كان المرض مما لا يرجى برؤه؛ بأن كان المرض مرضًا مزمنًا، فعلى قولين:
القول الأول: يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ إلحاقًا للمريض المزمن بالشـيخ الكبير والمرأة العجوز. وهذا ما عليه جمهور العلماء.
القول الثاني: أنه يسقط عنه الصوم؛ لأنه مأمور بالقضاء لمرضه، فإن عجز فلا يجب عليه شـيء؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن:16].
والأحوط في ذلك العمل بالقول الأول؛ وذلك لأن الصوم لم يسقطه الله عن أحد مكلف، فهو إما أن يأتي به إن لم يكن عنده عذر، فإن كان معذورًا نُقِل إلى القضاء أو الفدية. وعلى هذا فإلحاقه بالشـيخ الكبير أولى، والله أعلم.
فإن عوفي من به مرض مزمن، فلا يجب عليه قضاء، والله أعلم.
إذا استمر به المرض الذي يرجى برؤه فلا شـيء عليه، ولا على أوليائه؛ لا صـيام ولا إطعام، وأما إن عوفي ولم يقض حتى مات، فقد اختلف العلماء في وجوب الصـيام عنه، أو الإطعام على ما سـيأتي[24].
يجب على الحائض والنفساء الفطر، ولا يصح صومهما، بل يحرم عليهما، فلو صامتا أثمتا، وكان الصوم باطلًا، ويجب عليهما القضاء.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة[25].
وإذا طهرت الحائض في أثناء النهار، فلا يلزمها الإمساك بقية النهار؛ لأنه ليس هناك دليل يأمرها بذلك، وعليها قضاء هذا اليوم.
وإذا طهرت قبل الفجر الصادق، ولو بلحظة؛ نوت الصـيام؛ سواء اغتسلت قبل الفجر أو بعده، ويكون صومها صحيحًا.
وإذا حاضت المرأة قبل غروب الشمس، ولو بلحظة؛ فعليها قضاء ذلك اليوم. وأما إذا أحست بأعراض الحيض من وجع وتألم، لكن لم تر الدم خارجًا إلا بعد غروب الشمس؛ فالصوم صحيح، ولا قضاء عليها.
(1) المستحاضة صومها صحيح على كل حال، فلا تمتنع عن الصوم.
(2) إذا أسقطت المرأة قبل الأربعين، فيرى بعض العلماء أن الدم الخارج ليس بدم نفاس، وعليها أن تصوم وتصلي[26].
ورجح الشـيخ الألباني رحمه الله أنه دم نفاس في أي وقت كان السقط؛ سواء كان قبل الأربعين أو بعده، وهذا الرأي هو الراجح، وهو ما يؤيده الطب. والله أعلم.
(3) لو تعاطت المرأة أدوية تمنع الحيض، فلم تر الدم، فصومها صحيح، والأولى أن تتعبد لله بفطرها وصـيامها، ولا تكلف نفسها هذا العناء، وربما تسبب هذه الأدوية لها إضـرارًا.