حجم الخط:

محتوى الدرس (97)

بـاب الاعتكـاف

خريطة ذهنية لمسائل الاعتكاف

جدول 53 من أحكام الإعتكاف

معنى الاعتكاف:

لغة: لزوم الشـيء وحبس النفس عليه، خيرًا كان أو شـرًّا.

واصطلاحًا: ملازمة المسجد على سبيل القربة من شخص مخصوص بصفة مخصوصة.

مشـروعيته: الاعتكاف مشـروع بالكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ [البقرة:187].

وأما السنة: فالأحاديث كثيرة؛ منها: حديث عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله ﷺ يعتكف العشـر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله»[1].

وأما الإجماع: فقد نقله ابن المنذر في كتابه (الإجماع)، وأقره ابن قدامة في (المغني).

حكمه:

قال النووي رحمه الله في (المجموع): (الاعتكاف سنة بالإجماع، ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع، ويتأكد استحبابه في العشـر الأواخر من شهر رمضان؛ طلبًا لليلة القدر)[2].

زمــانه:

أما اعتكاف النذر فيؤديه الناذر حسب ما نذره.

وأما الاعتكاف الجائز فليس له وقت محدد، والصحيح أنه لا حد لأكثره، وأما أقله فقد اختلفوا في ذلك:

فذهب الشافعي وأكثر الفقهاء إلى أنه لا حد لأقله، فلو اعتكف لحظة أجزأه.

ويرى بعضهم أنه لا يكون أقل من يوم وليلة. وهو مذهب مالك، والمشهور من مذهب أبي حنيفة؛ وذلك لأن الصوم شـرط في الاعتكاف على ما يأتي تقريره.

والسنة أن يكون الاعتكاف في العشـر الأواخر من رمضان؛ لأن ذلك هو هديه ﷺ، وما عدا ذلك فجائز؛ لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية فقال له النبي ﷺ: «أوف بنذرك»[3].

أركان الاعتكاف:

(1) النية.

(2) اللبث في المسجد.

(3) المعتكِف.

(4) المعتكَف فيه، وهو المسجد.

ويشترط في المعتكف أن يكون مسلمًا عاقلًا، ويصح من الصبي، ومن المرأة.

هل يشترط الصوم في الاعتكاف:

اختلف العلماء في اشتراط الصوم للمعتكف على قولين:

القول الأول: أنه لا يشترط الصوم؛ وذلك لما يلي:

(أ) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال ﷺ: «أوف بنذرك»[4]. ومعلوم أن الاعتكاف ليلًا لا يكون معه صوم، وهذا مذهب الشافعية.

(ب) ثبت في (الصحيحين) أن رسول الله ﷺ اعتكف العشـر الأول من شوال[5]، ولا شك أن فيها يوم العيد، ومعلوم أن الصوم فيه حرام، فدل على عدم اشتراطه في الاعتكاف.

القول الثاني: أنه يشترط الصوم في الاعتكاف؛ وذلك لما يلي:

(أ) ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: «السنة فيمن اعتكف أن يصوم»[6]، ومعلوم أن قول الصحابي: «السنة كذا» له حكم المرفوع. وهذا نص في المسألة.

(ب) قال ابن القيم رحمه الله: (لم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلا مع الصوم)[7]. وهذا مذهب المالكية والحنابلة والحنفية، وهو ما ذهب إليه ابن عمر، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم، وذهب إليه عروة، والزهري، والأوزاعي، والثوري، رحمهم الله. قال القاضـي عياض رحمه الله: وهو قول الجمهور، وهو الأصح والأرجح.

قلت: وهذا ما رجحه شـيخ الإسلام ابن تيمية، والجصاص في «أحكام القرآن»[8]، وابن عبد الهادي في «التنقيح»[9]. وأجابوا عن أدلة الرأي الأول بأجوبة:

أولًا: أما حديث عمر أنه نذر اعتكاف ليلة، فقد ورد في رواية: «يومًا»[10] بدلًا من ليلة. وفى بعض الروايات قال النبي ﷺ لعمر رضي الله عنه: «اذهب فاعتكف يومًا». قال الحافظ رحمه الله: (فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته)[11].

ثانيًا: وأما اعتكافه في العشـر الأول من شوال؛ فقد أجاب عن ذلك ابن عبد الهادي فقال: (هذا ليس بصـريح في دخول يوم الفطر؛ لجواز أن يكون أول العشـر الذي اعتكف ثاني يوم الفطر، بل هذا هو الظاهر)[12]. وأجيب عن ذلك أيضًا أن في بعض الروايات: «العشـر الأواخر» بدلًا من «الأول».

مكان الاعتكاف:

قال تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ [البقرة:187]. لكن اختلف العلماء في المسجد المعتكف فيه على أقوال، وأصحها أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد جماعة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة)[13].

قال ابن قدامة رحمه الله: (إنما اشترط ذلك لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضـي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها؛ فيتكرر ذلك كثيرًا مع إمكان التحرز منه، وذلك منافٍ للاعتكاف)[14].

هذا وقد رجَّح الشـيخ الألباني أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة؛ لحديث حذيفة رضي الله عنه، ولفظه عن أبي وائل قال: قال حذيفة لعبد الله -يعني ابن مسعود-: الناس عكوف بين دارك ودار أبي موسـى، وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» فقال عبد الله: «لعلك نسـيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا»[15].

قلت: وفي آخر الحديث ما يشـير إلى عدم موافقة ابن مسعود لحذيفة، فهو إذن يُصَوِّب فعل المعتكفين، ولم ينكر عليهم، بل كانت فتواه على خلاف ذلك؛ فعن شداد بن الأزمع قال: اعتكف رجل في المسجد في خيمة له فحصبه الناس، قال: فأرسلني الرجل إلى ابن مسعود، فجاء عبد الله وطرد الناس، وحسَّن ذلك[16]. فلم يكن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليخالف الحديث لو ثبت ذلك عنده. هذا وقد وقع في بعض روايات الحديث عند سعيد بن منصور بلفظ: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة»، أو قال: «مسجد جماعة»؛ هكذا على الشك. ثم إن الحديث اختلف في رفعه ووقفه. وهذا كله يدل على عدم صحة الاحتجاج بهذه الأحاديث على حصـر الاعتكاف في هذه المساجد فقط[17]. ولا شك أن الاعتكاف فيها خير من غيرها لفضلها.

متى يدخل المعتكف معتكفه، ومتى يخرج منه؟

ذهب بعض أهل العلم إلى أن المعتكف يدخل معتكفه قبل غروب شمس يوم الحادي والعشـرين، مستدلين على ذلك بأنه ورد في الحديث: أنه اعتكف العشـر الأواخر، والعشـر يطلق على الليل، ويبدأ قبل غروب الشمس. وكذلك يرون خروجه بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان.

وذهب آخرون أن المعتكف يدخل معتكفه قبل الفجر، ويخرج منه صبيحة يوم العيد؛ وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه»[18]. فهذا دليل على وقت دخول المعتكف معتكفه.

وأما الدليل على أن الخروج يكون صبيحة العيد، فذلك ما رواه البخاري وبوب له: باب من خرج من اعتكافه بعد الصبح. ثم أورد حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكفنا مع رسول الله ﷺ في العشـر الأوسط، فلما كان صبيحة عشـرين نقلنا متاعنا[19]. فهذا يترجح به أن نهاية الاعتكاف تكون في صبيحة آخر يوم[20]. وهذا هو الثابت عن كثير من السلف؛ فعن مالك في «الموطأ» أنه رأى بعض أهل العلم إذا اعتكفوا العشـر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا الفطر مع الناس. قال مالك رحمه الله: (وبلغني ذلك عن أهل الفضل الذين مضوا، وهذا أحب ما سمعت إليَّ في ذلك)[21]. وعن إبراهيم النخعي رحمه الله قال: (كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر في مسجده حتى يكون غُدوُّه منه)، رواه ابن أبي شـيبة[22].

العمل الذي يخص الاعتكاف:

المقصود من الاعتكاف حبس النفس على فعل ما يتقرب به إلى الله، والأصل أن لا يفعل إلا الأعمال الخاصة بالمساجد؛ من صلاة وذكر وتلاوة، وهذا هو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والمشهور عن أحمد، ومما يدل على ذلك: حديث عائشة رضي الله عنها: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشـرها، ولا يخرج لحاجة؛ إلا لما لابد منه.وقد رأى بعض العلماء التوسع في الطاعات، ولم يخصها بالمتعلقة بالمساجد، فأباح جميع القرب؛ مثل زيارة المريض وتشـييع الجنازة... إلخ. ولكن القول الأول هو الأرجح؛ لما تقدم.

ما يباح للمعتكف:

(1) يجوز للمعتكف الخروج لقضاء الحاجة، وجلب طعامه وشـرابه، إن لم يجد من يحمله إليه. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف أدنى رأسه، فأرجِّله، فكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان»[23].

(2) يجوز له الخروج للوضوء والغسل، كما يجوز له الوضوء والغسل بالمسجد.

(3) يجوز تسـريح الشعر وتمشـيطه، وذلك لا ينافي الاعتكاف؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليُدخل إليَّ رأسه وهو في المسجد معتكف، فأرجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة»[24]. قال الخطابي رحمه الله: (وفي معناه: حلق الرأس، وتقليم الأظفار، وتنظيف البدن من الشعث والدرن)[25]. ويؤخذ من ذلك جواز فعل الأمور المباحة؛ كالأكل والشـرب.

(4) له أن يتخذ خيمة في المسجد؛ فقد كانت عائشة تضـرب للنبي ﷺ خباء إذا اعتكف[26].

(5) رخص الجمهور للمعتكف في البيع والشـراء لما لا بد له منه، واتفقوا على أنه لا يشتغل بالتجارة، ولا بالحرفة للاكتساب.

(6) قال ابن حجر رحمه الله: (جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة؛ من تشـييع زائره، والقيام معه، والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف)[27].

(7) قال النووي رحمه الله: (يجوز للمعتكف أن يتزوج، وأن يزوج، وقد نص عليه الشافعي في المختصـر).

(8) الراجح جواز الطيب للمعتكف.

(9) إذا تعين عليه أداء شهادة جاز له الخروج لأدائها، ولا يبطل اعتكافه[28]؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة:282].

(10) يجوز للمستحاضة أن تعتكف؛ لما ثبت في (صحيح البخاري) عن عائشة رضي الله عنها قالت: (اعتكفت مع النبي ﷺ امرأة من أزواجه وهي مستحاضة فكانت ترى الحُمْرَةَ والصفرة، فربما وضعنا الطست تحتها، وهي تصلي)[29].

(11) وأما الحائض، فالمسألة مبنية على حكم لبث الحائض في المسجد، وقد تقدم في باب الطهارة ترجيح الجواز، والله أعلم. وهذا الحكم لمن يرى عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف.

(12) إذا أرادت المرأة الاعتكاف استأذنت زوجها، وإذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها، فإن أذن لها، وإلا فله أن يرجع فيمنعها؛ وذلك لما ثبت في «صحيح البخاري» أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشـر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها، ففعلت، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء فبني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصـرف إلى بنائه، فأبصـر الأبنية، فقال: «ما هذا؟» قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ: «آلبرَّ أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف»، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشـرًا من شوال[30].

ما يبطل الاعتكاف:

أجمع العلماء على أن الاعتكاف يفسد بالجماع عمدًا؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ [البقرة:187]. وعليه القضاء لما أفسده من اعتكاف. فإن خرج من معتكفه لحاجة فجامع ناسـيًا، فلا شـيء عليه، ولا يفسد اعتكافه. وأما إذا باشـر دون الاعتكاف، فقد اختلفوا في ذلك:

أ- فذهب مالك إلى أنه إن باشـر بشهوة بطل اعتكافه، وهذا أصح القولين عند الشافعية.

ب- وقال أبو حنيفة وأحمد: إن أنزل بطل اعتكافه، وإلا فلا.

جـ- القول الثالث: لا يبطل مطلقًا، واختاره ابن المنذر.

قضاء الاعتكاف:

ثبت في (الصحيحين) وغيرهما: (أن رسول الله ﷺ أراد الاعتكاف في العشـر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخبائها فضـرب، وأمرت غيرُها من أزواج النبي ﷺ بخبائها فضـرب، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر، فإذا الأخبية؛ فقال: «آلبر يردن؟» فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشـر الأواخر من شوال)[31]. وفي رواية للبخاري: العشـر الأول من شوال. وفيه دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضـى.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة