حجم الخط:

محتوى الدرس (99)

كتاب الزكاة

خريطة ذهنية لكتاب الزكاة

جدول 54 كتاب الزكاة

أحكـام الـزكـاة

تعريفهـا:

الزكاة في اللغة: النماء؛ يقال: زكا الزرع إذا نما، ومعناها أيضًا: التطهير؛ قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:8]، سميت بذلك لأن في إخراجها نماء للمال، ويكثر بسببها الأجر، ولأنها تطهر النفس من رذيلة البخل.

والزكاة شـرعًا: إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه غيرِ متصف بمانع شـرعي يمنع من الصـرف إليه. ويمكن تعريفها بأنها «نصـيب مقدر شـرعًا، في مال معين، يصـرف لطائفة مخصوصة».

دليل فرضيتها:

ثبتت فريضة الزكاة بالكتاب، والسنة، والإجماع.

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103].

وأما السنة: فالأحاديث في ذلك كثيرة؛ منها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا»[1].

وقوله ﷺ لمعاذ حين أرسله إلى اليمن: «... فإن هم أطاعوا لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة؛ تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم»، وسـيأتي لفظه قريبًا[2].

وأما الإجماع: فقد قال ابن قدامة رحمه الله: (وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها، واتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتال مانعيها)[3].


متى فرضت:

اختلف في وقت فرضـيتها؛ هل كان قبل الهجرة أو بعدها؟ والأكثرون على أنها بعد الهجرة:

قال النووي رحمه الله: (إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة).

وقال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وقال بعضهم -وهو أصح الأقوال-: إن فرضها في مكة، وأما تقدير أنصبائها، وتقدير الأموال الزكوية، وتبيان أهلها؛ فهذا في المدينة)[4].

الحث عليها:

قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿ ١٥ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿ ١٧ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿ ١٨ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:15- 19].

وأما الأحاديث: فقد وردت أحاديث كثيرة في الحث عليها؛ منها:

(1) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»[5].

(2) وعن عبد الله بن معاوية الغاضـري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من فعلهن فقد طَعِم طَعْم الإيمان: مَنْ عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسُه، رافدةً عليه كل عام، ولم يعط الهرِمة، ولا الدَّرِنة ولا المريضة، ولا الشـرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم؛ فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشـره»[6].

ومعنى «رافدة»: معينة، وأصل الرفد: الإعانة، و«الدرنة»: الجرباء، و«الشـرط»: رذالة المال.

(3) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيد له، في يوم كان مقداره خمسـين ألف سنة، حتى يقضـى بين العباد، فيرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار». قيل: يا رسول الله، فالإبل؟ قال: «ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها -ومن حقها حلبها يوم وردها- إلا إذا كان يوم القيامة بُطِح لها بقاع قرقر[7] أوفرَ ما كانت، لا يفقد منها فصـيلًا واحدًا؛ تطؤه بأخفافها، وتعَضه بأفواهها، كلما مر عليه أُولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسـين ألف سنة، حتى يُقْضـى بين العباد، فيرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار». قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: «ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح له بقاع قَرْقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها شـيئًا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، ولا عضباء[8]، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسـين ألف سنة، حتى يقضـى بين العباد، فيرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار». قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: «الخيل ثلاثة؛ هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر؛ فأما التي هي له وزر: فرجل ربطها رياء وفخرًا، ونِوَاء[9] لأهل الإسلام، فهي له وزر؛ وأما التى هي له ستر: فرجل ربطها في سبيل الله؛ ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر[10]، وأما التي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام، في مرج وروضة[11]، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شـيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طِوَلها فاستنَّت شـرفًا أو شـرفين[12]، إلا كتب له [13]عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشـربت منه ولا يريد أن يسقيها، إلا كتب الله تعالى له عدد ما شـربت حسنات». قيل: يا رسول الله! فالحمر؟ قال: «ما أُنزِل علي في الحمر إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8]»[14].

(4) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته، مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زَبيبتان، يُطوَّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلِهْزِمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:180]»[15]. و«الشجاع»: الحية الذكر، و«الأقرع» الذي تمعط رأسه لكثرة سمه، وقيل: الذي ابيض رأسه من السم، و«الزبيبتان»: قيل النكتتان السوداوان فوق عينيه، و«اللهزمتان»: العظمان تحت الأذنين.

(5) عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «بشـر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم، حتى يخرج من نُغْض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه، يتزلزل»[16]. و«الرضف»: الحجارة المحماة، و«نغض الكتف»: العظم الرقيق الذي على طرف الكتف.

حكم مانعها:

الزكاة من فرائض الإسلام وأركانه، ويجب إخراجها على الفور مع التمكن من إخراجها، وأجمعت الأمة على أن ترك الزكاة من الكبائر. فإن تركها جاحدًا لفرضـيتها، فهو كافر خارج عن الإسلام، يجب قتله كفرًا؛ وذلك إذا علم بوجوبها، فإن كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة، فيعذر لجهله، لكنه إن كان بين ديار المسلمين فادعى الجهل فلا يقبل منه؛ لأن فرضها من المعلوم من الدين بالضـرورة.

وإن تركها مع اعتقاد وجوبها فهو آثم مرتكب لكبيرة؛ لكنه لا يكفر بذلك؛ لما تقدم في الحديث من عقوبة مانع الزكاة، وفيه: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فتكوى به جنباه وجبهته وظهره، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسـين ألف سنة، ثم يرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار» الحديث. ففي هذا الحديث: «ثم يرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار» إلخ، دليل على أنه ليس بكافر، إذ لو كان كافرًا لكان سبيله إلى جهنم فحسب.

وعلى الحاكم أن يجبره على دفعها ويعزره لمنعه إياها؛ فعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «... ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله؛ عَزْمة من عَزَمات ربنا تبارك وتعالى...»[17] الحديث، وإسناده حسن، فعلى هذا يأخذ منه الزكاة ونصف ماله عقوبة له. والمقصود: نصف ماله الذي لم يخرج زكاته على الأرجح[18].

قال الصنعاني رحمه الله: (والحديث دليل على أنه يأخذ الإمام الزكاة قهرًا ممن منعها، والظاهر أنه مجمع عليه، وأن نية الإمام كافية، وأنها تجزئ من هي عليه، وإن فاته الأجر، فقد سقط عنه الوجوب)[19].

وهل تبرأ ذمته بإخراج الزكاة منه عَنوة؟

قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (الظاهر أنها تبرأ بها ذمته، فلا نطالبه بها مرة ثانية، وأما باطنًا فإنها لا تبرأ ذمته ولا تجزئه؛ لأنه لم ينو بها التقرب إلى الله وإبراء ذمته من حق الله، ولذلك فإنه يعاقب على ذلك معاقبة من لم تؤخذ منه؛ لأنها أخرجت بغير اختيار منه)[20]. وقوله: «يعاقب على ذلك» أي: في الآخرة.

هذا إذا كان المانع للزكاة فردًا، فإن كان المانعون للزكاة جماعة لهم قوة وشوكة؛ فالحكم عندئذ أنهم يقاتَلون حتى يؤدوها؛ لما ثبت في (الصحيحين) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله»[21]. ولفعل الصحابة رضي الله عنهم؛ إذ إنهم قاتلوا مانعي الزكاة.

شروط وجوب الزكاة:

يشترط لوجوب الزكاة:

(1) الإسلام: لقوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103]، والمقصود بهم المسلمون، ولقوله ﷺ: «فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم...» وقد تقدم.

(2) الحرية: فلا تجب على العبد؛ لأنه لا يملك؛ ففي الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «... ومن ابتاع عبدًا وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»[22]. قال ابن عثيمين رحمه الله: (فيكون -أي العبد- بمنزلة الفقير الذي ليس عنده مال، والفقير لا تجب عليه بالاتفاق)[23].

واعلم أنه لا يشترط -على الراجح- البلوغ والعقل؛ فتجب الزكاة في مال الصغير والمجنون؛ لأنها فريضة تعلقت بالمال لا بالمتمول، كما في الآية والحديث السابقين، فيجب على وليهما إخراج زكاتهما[24].

(3) النصاب: وهو المال المقدر الذي إذا امتلكه المكلف بتمامه وجبت فيه الزكاة، وسوف يأتي تحديد هذه الأنصبة: الذهب، والفضة، والماشـية، والزروع؛ مفصلة إن شاء الله.

(4) الحول: لما ثبت في الحديث: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول»[25]؛ وذلك بأن يمر على هذا النصاب عام كامل، ويعتبر في ذلك التقويم الهجري لا التقويم الميلادي، فيحسب ابتداء الحول من يوم أن يملك النصاب، ويظل كاملًا إلى انتهاء الحول، فلو نقص في أثناء الحول بحيث يقل عن النصاب ثم كمل بعد ذلك، فالصحيح أنه يبدأ اعتبار الحول من يوم كماله مرة أخرى، ولا يحسب من المرة الأولى؛ لأن الحول انقطع بنقصان المال عن النصاب. وهذا مذهب الجمهور.

ويستثنى من الحول أمور:

(أ) الخارج من الأرض: لقوله تعالى: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، فهذا يخرج زكاته يوم الحصاد.

(ب) نتاج المواشـي: أي: إذا ولدت المواشـي في أثناء الحول فإن هذه الصغار تضاف على النصاب؛ (لأن النبي ﷺ كان يبعث السعاة لأخذ زكاة السائمة وفيها الصغار والكبار، ولا يستفصل أهلها فيقول: متى ولدت هذه؟ بل يحسبونها ويخرجونها على حسب رؤوسها)[26].

(ج) ربح التجارة: أي: الأرباح الزائدة على رأس مال التجارة في أثناء الحول؛ فإنه يحسب على أصل رأس المال؛ لأن الربح فرع، والفرع يتبع الأصل.

(د) الرِّكاز: لأن النبي ﷺ قال: «وفي الركاز الخمس»[27]، ولم يشترط له حولًا، بل بمجرد أن يتحصل عليه، وجب إخراج خمسه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة