الخامس: في الرقاب:
الرقاب: جمع رقبة؛ وهم العبيد والإماء. والمقصود بقوله تعالى: ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ أي: تحريرهم، وليس معنى الآية أن نعطي العبيد مالًا، إنما المقصود تخليصهم من الرق، ويدخل في هذا المصـرف:
(1) المكاتبون؛ أي: الذين اشتروا أنفسهم من أسـيادهم لينالوا الحرية مقابل مال يدفعونه على أقساط، فيعان هؤلاء بدفع هذه الأقساط؛ سواء أعطيناه بيده ليوفي سـيده، أو أعطينا سـيده قضاء عنه، سواء علم العبد بما دفع له أو لم يعلم[1].
(2) شـراء الأرقاء وإعتاقهم؛ لشمول الآية ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ ، ويكون ولاؤه[2] لبيت مال المسلمين، لا لمن أعتق.
(3) الراجح كذلك فك الأسـير المسلم؛ لأنه إذا جاز فك العبودية، ففك الأسـر أولى؛ لأنه في محنة أشد، ولأن في ذلك دفعًا لحاجته لفكاك أسـره.
الغارمون: جمع غارم؛ وهو من لحقه الغرم أي: الإلزام بالمال، وهو المدين، وأما صاحب المال فيقال عنه: الغريم أو الدائن.
الأول: الغارم لإصلاح ذات البين:
وهو الذي يصلح بين القبائل المتشاجرة، ويلتزم في ذمته مالًا عوضًا عما بينهم؛ فهؤلاء يعطون من مال الزكاة ولو كانوا أغنياء؛ فعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحمَّلتُ حَمَالة، فأتيت رسولَ الله ﷺ أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها»، ثم قال: «يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّلَ حمالة؛ فحلت له المسألة حتى يصـيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله؛ فحلت له المسألة حتى يصـيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادًا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة؛ فحلت له المسألة حتى يصـيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادًا من عيش- فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت، يأكلها صاحبها سحتًا»[3].
و«الحمالة»: ما يتحمله الإنسان ويلتزمه في ذمته للإصلاح بين الناس. و«السداد» بكسـر السـين: ما تسد به الحاجة والخلة. و«القوام»: ما تقوم به حاجته ويستغني به. و«الجائحة»: ما اجتاح المال فأتلفه إتلافًا ظاهرًا؛ كالسـيل والحريق. «من ذوي الحجا»: أي: أصحاب العقول، و«الفاقة»: الفقر. و«السحت»: الحرام، ويسمى سحتًا؛ لأنه يمحق صاحبه.
أي: الذي استدان لشـيء يخصه؛ كأن يستدين لنفقة، أو أثاث، أو علاج، أو كسوة، أو زواج، أو نحو ذلك. ويدخل تحت هذا القسم أيضًا: من نزلت بهم كوارث اجتاحت مالهم؛ كحريق أو سـيل أو هدم؛ فعن مجاهد قال: (ثلاثة من الغارمين: رجل ذهب السـيل بماله، ورجل أصابه حريق فذهب بماله، ورجل له عيال وليس له مال، فهو يدان وينفق على عياله)[4]. وقد تقدم هذا في حديث قبيصة: «ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله...» الحديث.
ويشترط لهذا القسم [الثاني] شرطان:
(1) أن يكون فقيرًا لا يقدر على قضاء دينه من مال نقد أو عروض عنده، فإن كان يقدر على سداد بعض الدين أعين على الباقي. والمقصود بالفقر العجز عن الوفاء، وإن كان عنده ما يكفيه ويكفي عياله، أو كان عنده تجارة يتجر بها مثلًا تكفيه وتكفي من يعولهم، ولا يبقى معه ما يوفي به دينه؛ فهذا يقضـى عنه من مال الزكاة أيضًا.
(2) أن يكون استدان في غير معصـية، فلا يعان إذا كان دينه في معصـية، إلا إن تاب وظهر عليه صدق توبته. ويدخل في هذا المعنى -أي: الذي لا يعطى من الزّكاة- من استدان للمباح إلى حد الإسـراف؛ لأن الله يقول: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف:31].
هذا ولا يشترط إعطاء المدين دينه، بل يجوز إعطاؤه لقضاء دينه، ويجوز إعطاء الغريم (الدائن) حقه، خاصة إذا خشـينا أن يفسد المدين ما نعطيه ولا يقضـي ما عليه.
والمقصود به: الإنفاق من أجل الجهاد، فينفق على المجاهدين وعلى أسلحتهم ولو كانوا أغنياء، فيدخل في هذا المصـرف شـراء الذخيرة والأسلحة، وإقامة المطارات الحربية، والنفقة على من يدل على الأعداء، وهذا مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة، إلا أن الشافعية والحنابلة اشترطوا أن يكون المجاهدون من المتطوعين الذين لا راتب لهم من بيت المال (خزانة الدولة).
وأما الحنفية فقد توسعوا في قوله: ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فأجازوا الإنفاق في جميع مصالح الخير والبر.
وذهب الإمام أحمد والحسن وإسحاق إلى أن الحج من سبيل الله، وهذا ما ذهب إليه ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وهو اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه قال: (ومن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير، أعطي ما يحج به)[5].
قلت: هذا من حيث الجواز، ولكن على المزكي أن يراعى الأحوال والمصالح؛ فقد يكون إخراج الزكاة لعدة فقراء هم في مسـيس الحاجة لسد جوعتهم أنفع من إخراجها لفقير واحد يحج بها، مع أنه لا يؤاخذ؛ لأنه غير مستطيع.
وبناءً على هذا القول؛ فلا يصح إخراج الزّكاة في بناء المساجد، وإصلاح الطرق وطباعة الكتب، بل يكون الإنفاق في ذلك من وجوه أخرى؛ كالوقف والهبة والوصـية وغير ذلك.
وتقدم أن مذهب الحنفية: جواز إخراج الزكاة في جميع وجوه البر والخير، وقد أفتى كثير من العلماء في عصـرنا بجواز إخراج الزكاة للمراكز الإسلامية التي تقوم بنشـر الدعوة لمواجهة تيارات الكفر والإلحاد، وذلك بـإقامة هذه المراكز وطباعة الكتب ونشـرها، ونحو ذلك مما ينفع الإسلام، وجعلوا هذا كله في معنى ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، وحمل كثير منهم قوله تعالى ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ على المصالح العامة التي لا ملك فيها لأحد، والتي لا يختص بالانتفاع بها أحد، فملكها لله، ومنفعتها لخلق الله[6].
وهو المسافر الذي انقطعت عنه نفقته؛ بأن ضاعت أو نفدت، واحتاج إلى نفقة، فهذا يعطى من الزّكاة بقدر ما يوصله إلى حاجته ويعود لبلده، حتى لو كان غنيًّا وله مال في بلده.
قال ابن زيد رحمه الله: (ابن السبيل: المسافر، سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، إذا أصـيبت نفقته، أو فقدت، أو أصابها شـيء، أو لم يكن معه شـيء، فحقه واجب)[7].
(1) أنه إن كان مجتازًا في طريق، ولو كان في ذهابه لمقصد ما، ثم احتاج قبل أن يقضـي حاجته، فإنه يعطى ما يعان به على قضاء حاجته، ثم عودته إلى بلده.
(2) أنه يشترط في ذلك أن يكون السفر مشـروعًا أو مباحًا، وأما إن كان لمعصـية فإنه يؤمر بالتوبة، فإن تاب أعطي لبقية سفره المباح.
(3) اختلفوا في الذي يريد أن ينشئ سفرًا، هل يعطى أم لا؟ فيرى الشافعية جواز إعطائه، ويرى الآخرون أنه لا يعطى؛ لأنه لا يطلق ابن السبيل إلا على الغريب. وهذا الأخير هو الصواب، لكن الأول قد يعطى من سهم الفقراء والمساكين؛ خاصة إذا كان سفره لمنفعة عامة.
(4) الراجح إعطاء ابن السبيل من مال الزّكاة، حتى لو وجد من يقرضه؛ كما قال ابن العربي، والقرطبي: (وليس يلزم أن يدخل تحت مِنَّة أحد، وقد وجد مِنَّة الله ونعمته)[8].

هناك أصناف من الناس لا يجوز إعطاؤهم من الصدقة، وهم:
فالغني يحرم أخذه للصدقة؛ لقوله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سَوِيٍّ»[9]. والمقصود بالغني: من عنده ما يكفيه ويكفي من يعولهم من مسكن وملبس ومأكل ونحو ذلك، ولا يشترط أن يملك النِّصاب إذا كان لا يكفيه، وقد تقدم الكلام على ذلك في مسألة الفقراء والمساكين.
أ- المرأة الفقيرة إذا كان زوجها غنيًّا فلا يحل الصدقة عليها؛ لأنها تغتني بغناه، فكفايتها على نفقته، وكذا أولاده الذين تحت رعايته ونفقته. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (إذا كانت تحت غني، لكنه من أبخل الناس، فتعطى من الزّكاة؛ لأنها فقيرة)[10].
ب- الأغنياء الذين يباح لهم الأخذ من الصدقة هم من استثنوا بما ثبت في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تُصُدق عليه بها فأهدى منها لغني»[11]. في قوله: «أو رجل اشتراها بماله» دليل على أنه يجوز لمستحق الزّكاة أن يتجر بها بعد أخذها وتملكها، ويجوز الشـراء منه ولو كان المشتري غنيًّا، إلا أنه يكره لمن تصدق بها أن يشتريها من الفقير؛ لما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر حمل على فرس في سبيل الله -وفي لفظ: تصدق بفرس في سبيل الله- ثم رآها تباع، فأراد أن يشتريها، فسأل النبي ﷺ فقال: «لا تَعُدْ في صدقتك يا عمر»[12]. في رواية أنه ﷺ قال: «لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه».
وذلك لما تقدم في الحديث: «ولا لذي مِرَّة سوي»، إلا أن يكون معذورًا بأن لا يجد عملًا يكفيه ويكفي من يعولهم، وأن يكون هذا العمل مما يتناسب معه.
وقد تقدم بيان ذلك وشـروطه في مصـرف الزّكاة للفقراء والمساكين.
والمقصود بآله: من تحرم عليهم الصدقة؛ وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب. لكنهم يأخذون من خمس الفيء؛ وذلك لما ثبت في «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال لعمه العباس حين سأله الزّكاة: «إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس»[13].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ: «كِخْ كِخْ، ارم بها؛ أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟»[14]. و«كِخْ»: كلمة تقال لردع الصبي عند تناوله ما يستقذر.
وأما تحريم الصدقة على مواليهم؛ فذلك لقوله ﷺ: «إن مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة»[15].
(4) يحرم إعطاء الزّكاة للكفرة:
وذلك لقوله ﷺ: «... فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة؛ تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»[16]. والمراد: أغنياء وفقراء المسلمين.
قال ابن قدامة رحمه الله: (لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر ولا مشـرك)[17].
قلت: ويستثنى من ذلك: المؤلفة قلوبهم كما تقدم، إلا أنه يجوز إعطاء غير المسلمين من الصدقات النافلة غير المفروضة؛ لقوله ﷺ: «تصدقوا على أهل الأديان»[18]، ولحديث أسماء حين قدمت عليها أمها وهي مشـركة، وأن النبي ﷺ قال لها: «صِلِي أمك»[19].