حجم الخط:

محتوى الدرس (112)

(17) يجوز أن يقوم هو بتوزيع زكاته أو يدفعها إلى وكيله لتوزيعها،

والأفضل أن يفرقها هو بنفسه؛ لينال أجر العبادة، وليطمئن إلى إبراء ذمته، وليدفع عن نفسه المذمة، خاصة إذا كان لا يعرف أن له وكيلًا يفرق عنه الزّكاة.

(18) يجوز نقل الزّكاة إلى الفقراء خارج بلده:

خاصة إذا تعلقت بها مصلحة راجحة عن فقراء بلده؛ كأن يكون الأبعد أشد فقرًا، أو قريبًا لصاحب المال، أو أصلح حالًا؛ كأن يكون طالب علم مثلًا، وهذا لعموم قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إلخ، وليس عند القائلين بعدم جواز نقل الزّكاة دليل صـريح في ذلك. وعلى هذا؛ إذا نقلها إلى مكان آخر، فإن تكاليف النقل لا تخصم من مال الزّكاة، وإنما هي على المزكي[1].

فإن لم يتعلق بنقل الزّكاة مصلحة أو حاجة، فالأفضل جعلها في أقرب الناس إليه، لتقديم حقهم عليه عن غيرهم، ولأن ذلك أيسـر له وأكثر أمانًا واطمئنانًا عن نقل الزّكاة، ولأن الفقراء القريبون منه تعلقت أطماعهم بما عنده، خاصة إذا كان المال ظاهرًا، ولأن ذلك أدعى لغرس المحبة والمودة، والله أعلم.

(19) ما يدفع إلى ولاة الأمور:

ما يدفع إلى ولاة الأمور بأي صورة كانت؛ من رسوم، أو ضـرائب، أو فواتير كهرباء، أو مياه ونحوها؛ سواء أخذت بحق أو بغير حق، لا تحسب من الزّكاة المفروضة عليه، بل يجب أن يخرج زكاة ماله المتبقي كاملًا.

(20) يجوز للإمام أن يستسلف الأموال:

يجوز للإمام أن يستسلف الأموال لأهل الصدقات، ثم إذا جاءت الصدقة رد الديون لأصحابها منها؛ فعن أبي رافع رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بَكْرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضـي الرجلَ بَكْرَهُ، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: «أعطه إياه؛ إن خيار الناس أحسنهم قضاء»[2].

ومعنى «بكرًا»: الصغير من الإبل، و«خيارًا رباعيًا»، أي: مختارًا رباعيًا، والرَّبَاعِي: الذي طلعت رَباعِيَتُه، وهو إذا دخل في السنة السابعة.

(21) يجوز إعانة أصحاب الكفارات:

يجوز إعانة أصحاب الكفارات، ومن له دية ولا يعرف قاتله من مال الزّكاة؛ فعن سلمة ابن صخر -وقد وقع على امرأته في رمضان- أنه لما أمره النبي ﷺ بالكفارة ولم يكن عنده شـيء، قال له ﷺ: «اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له فليدفعها إليك، فأطعم منها وسقًا من تمر ستين مسكينًا، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك»[3].

وعن سلمة بن أبي حثمة: أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر، فتفرَّقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلًا، وقالوا للذي وجد فيهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، فانطلقوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلًا فقال: «الكُبر الكُبر»[4]، فقال لهم: «تأتون بالبينة على من قتله»، قالوا: ما لنا بينة، قال: «فيحلفون»، قالوا: لا نرضـى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة[5]، ومعنى «فوداه» أي: أعطى ديته.

(22) نفقة الحج لمن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير:

قال ابن تيمية رحمه الله: (ومن لم يحج حجة الإسلام، وهو فقير، أعطي ما يحج به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد)[6].

(23) إذا قبض من ليس من أهل الزّكاة مالًا من الزّكاة:

قال ابن تيمية رحمه الله: (وإذا قبض من ليس من أهل الزّكاة مالًا من الزّكاة، وصـرفه في شـراء عقار أو نحوه، فالنَّماء الذي حصل بعمله وسعيه يُجعل مضاربةً بينه وبين أهل الزّكاة)[7].

فصل في التعفف عن المسألة

[تمهيد]

ذكرنا فيما سبق ما يستحقه الفقير من زكاة المال، ومع ذلك فقد حث الشـرع على التعفف؛ ففي «صحيح البخاري ومسلم» أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده قال: «ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد من عطاء خيرًا وأوسع من الصبر»[8]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لأن يغدو أحدكم، فيحتطب على ظهره، فيتصدق به، ويستغني عن الناس، خير له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه؛ ذلك بأن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول»[9].

والذي يستعف عن الناس يتحقق في قلبه الغنى؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، إنما الغنى غنى النفس»[10]، و«العَرَض»: متاع الدنيا وحطامها.

تحريم المسألة:

شدَّد الشـرع في تحريم المسألة والتسول؛ ففي (الصحيحين) عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله ﷺ: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم»[11]. ومعنى «المزعة»: القطعة. قال القرطبي معلقًا وشارحًا للحديث: (وفيه قولان:

أحدهما: حمل الحديث على وجهه، وأنه يأتي هذا العبد الذي جعل مسألةَ الناس حرفتَه، وسؤالَ الخلق دون الحق دأبَه وعادتَه، يوم القيامة، وقد قطع لحم وجهه، فيبقى عظمًا أجرد قبيح المنظر.

الثاني: أن المراد أنه يأتي يوم القيامة لا قدر له، ولا وجه ولا وجاهة عند الله تعالى)[12].

فالمسألة إذًا لا تحل إلا إذا اضطُر الإنسان إليها، وقد سئل الإمام أحمد: إذا اضطر الإنسان للمسألة؟ فقال: هي مباحة إذا اضطر إليها، قيل له: فإن تعفف قال: ذلك خير له، الله يأتيه برزقه، ثم قال: ما أظن أحدًا يموت من الجوع، والله يأتيه برزقه.

وأما عن حالة الاضطرار ما هي؟

فقد اختلف أهل العلم في تحديدها؛ فبعضهم يحدها بما لو لم يجد ما يغديه ويعشـيه، وبعضهم يحدها بما لو ملك خمسـين درهمًا، فلا تحل له المسألة.

واستدل أصحاب الرأى الأول بما رواه أبو داود عن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار»، فقيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: «قدر ما يغديه ويعشـيه»[13].

واستدل أصحاب الرأي الثاني بما رواه أبو داود وغيره من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة خموش أو خدوش أو كدوح في وجهه» فقال: يا رسول الله. وما الغنى؟ قال: «خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب»[14]، ولما ثبت من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل وله أوقية فقد ألحف»[15]. و«الأوقية»: أربعون درهمًا.

ومما سبق يتبين:

(1) أن الإنسان لا يسأل وعنده قوت يومه وليلته.

(2) أنه إذا ملك خمسـين درهمًا فضة أو ما يعادلها فسأل، كان ذلك إلحافًا.

(3) ولكن هذا لا يمنع أن يأخذ من الصدقة إن أعطي منها دون سؤال؛ لأنه محتاج.

(4) ومع هذا، إذا اضطر للسؤال أبيح له السؤال، فقد يملك الخمسـين درهمًا لكن له حاجات وعليه التزامات لا تفي بها هذه القيمة، فيباح له السؤال.

(5) وعلى كل فالتعفف عن السؤال أفضل كما سبق من كلام الإمام أحمد؛ فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شـيئًا، فأتكفل له بالجنة» فقال ثوبان: أنا. قال: «لا تسأل أحدًا شـيئًا». زاد ابن ماجه: فكان ثوبان رضي الله عنه يقع سوطه وهو راكب، فلا يقول لأحد: ناولنيه، حتى ينزل فيأخذه[16].

وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ؛ سبعة، أو ثمانية، أو تسعة، فقال: «ألا تبايعون رسول الله ﷺ؟»، وكنا حديث عهد ببيعة، قلنا: قد بايعناك، حتى قالها ثلاثًا؛ فبسطنا أيدينا فبايعناه، فقال قائل: يا رسول الله، إنا قد بايعناك، فعلام نبايعك، قال: «أن تعبدوا الله، ولا تشـركوا به شـيئًا، وأن تصلُّوا الصَّلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا» -وأسـر كلمة خفية- قال: «ولا تسألوا الناس شـيئًا». قال: فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه، فما يسأل أحدًا أن يناوله إياه[17].

وهذا آخر ما يسـر الله لي جمعه في (كتاب الزّكاة)، أسأل الله أن يختم لنا بصالح الأعمال، وأن يرزقنا الجنة بمنِّه وعفوه ورحمته.

وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ويتلوه إن شاء الله: (كتاب الحج).

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة