حجم الخط:

محتوى الدرس (113)

كتاب الحج

خريطة ذهنية لكتاب الحج

جدول 62 كتاب الحج

أحكام الحج والعمرة

معنى الحج والعمرة:

الحج لغة: القصد، وشـرعًا: التعبد لله بأداء المناسك على ما جاءت به السنة[1]. ومعنى (العمرة): الزيارة.

حكم الحج:

الحج واجب على كل مكلف؛ قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، وهو أحد أركان الإسلام؛ لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «بني الإسلام على خمس...»[2].

ووجوبه مرة واحدة في العمر؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: «لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم»، ثم قال: «ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإن أمرتكم بشـيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شـيء فدعوه»[3].

وأجمعت الأمة على وجوب الحج.

حكم العمرة:

الراجح من أقوال أهل العلم أن العمرة واجبة مرة في العمر، وهو قول علي، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم، ومما يدل على الوجوب: حديث أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي شـيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعْن، فقال ﷺ: «حج عن أبيك واعتمر»[4]. والمقصود بـ«الظعن»: الركوب على الدابة، أي لا يقوى على السفر.

وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «دخلت العمرة في الحج»، وهذا يدل على ارتباطها به، وأنها منه، وأنها مثله في الحكم. وهو مذهب الشافعي وأحمد، وهو الذي اختاره البخاري، ورجحه ابن عثيمين واللجنة الدائمة؛ جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (11/317): الصحيح من قولي العلماء أن العمرة واجبة، لقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] والأحاديث وردت في ذلك.

واستدل القائلون بالوجوب بعدة أدلة:

1- ما رواه ابن ماجه (2901) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». إسناده صحيح على شـرط البخاري ومسلم اهـ. وصحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه.

ووجه الاستدلال من الحديث قول النبي ﷺ: «عَلَيْهِنَّ» وكلمة «على» تفيد الوجوب.

2- حديث جبريل المشهور لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وعلاماتها، فقد رواه ابن خزيمة والدارقطني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيه زيادة ذكر العمرة مع الحج، ولفظه: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان». قال الدارقطني: هذا إسناد ثابت صحيح.

3- ما رواه أبو داود (1799) والنسائي (2719) عَنْ الصُّبَيّ بْن مَعْبَدٍ قال: كُنْتُ أَعْرَابِيًّا نَصـرانِيًّا.. فَأَتَيْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أَسْلَمْتُ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيّ فَأَهْلَلْتُ بِهِمَا، فَقَالَ عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ.

وهو قول جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم. قال جابر: «لَيْسَ مُسْلِم إِلا عَلَيْهِ عُمْرَة». قال الحافظ: (رَوَاه اِبْن الْجَهْم الْمَالِكِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن) اهـ.

وقال البخاري رحمه الله: (بَاب وُجُوبِ الْعُمْرَةِ وَفَضْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: رضي الله عنهما: لَيْسَ أَحَدٌ إِلا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللهِ: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ )[5] اهـ.

وقوله: (لَقَرِينَتُهَا) أي: قرينة فريضة الحج. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: «ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة»[6].

الترغيب في أداء الحج والعمرة:

وردت الأحاديث مرغبة في الحج والعمرة ومبينة فضـيلتهما؛ فمن ذلك:

أولًا: تكفير الذنوب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حج لله، فلم يرفث، ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه»[7].

قال الحافظ رحمه الله: («الرفث»: الجماع، ويطلق على التعريض به، وعلى الفحش في القول، وقوله: «ولم يفسق» أي لم يأت بسـيئة ولا معصـية)[8]. وفي رواية عند مسلم: «من أتى هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كما ولدته أمه». فقوله: «من أتى البيت» يشمل من أتاه معتمرًا أو حاجًّا؛ فهو أشمل من الحديث السابق الذي خصه بالحج فقط.

ثانيًا: دخول الجنة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»[9].

ثالثًا: الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب:

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة»[10].

رابعًا: الحج جهاد:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور». رواه البخاري، وفي لفظ:«جهادكن الحج»[11].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «جهاد الكبير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة»[12].

خامسًا: الحاج في ضمان الله:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة في ضمان الله عز وجل: رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله، ورجل خرج غازيًا في سبيل الله، ورجل خرج حاجًّا»[13].

سادسًا: الحاج والمعتمر وفد الله:

عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «الحُجَّاج والعُمَّار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم»[14].

سابعًا: الحج من أفضل الأعمال:

عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور»[15]. ورواه ابن حبان، ولفظه: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الأعمال عند الله تعالى: إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور»[16].

ثامنًا: النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله:

عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف»[17].

استحباب كثرة الحج والعمرة:

تقدم حديث ابن مسعود رضي الله عنهما عن النبي ﷺ: «تابعوا بين الحج والعمرة...»، وفي لفظ: «أديموا الحج والعمرة...»[18]. قال المناوي في «فيض القدير»: (واظبوا وتابعوا ندبًا، وَأْتوا بهما على الدوام لوجه الله)[19].

قلت: وقد ورد الترغيب في ذلك؛ بأن لا يمضـي عليه خمسة أعوام إلا ويفد إلى البيت حاجًّا أو معتمرًا؛ فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول ﷺ قال: «إن الله عز وجل يقول: إن عبدًا صححت له جسمه، وأوسعت عليه في المعيشة، يمضـي عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ لمحروم»[20].

التعجيل بالحج:

ينبغي للمؤمن أن يغتنم الفرصة لأداء مناسك الحج؛ فإنه لا يدري ما يعرض له من موانع تشغله أو تعوقه، وقد وردت الأحاديث تحث على التعجيل بالحج؛ فمن ذلك:

حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «تعجَّلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له»[21].

حديث الفضل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة»[22].

تنبيه: نرى كثيرًا من الناس يهملون أمر الحج، فيدخرون الأموال لملذاتهم وشهواتهم، والذهاب إلى الأندية وشواطئ البحار لقضاء العطلات، ولم يؤدوا ما أمرهم الله به من الحج والعمرة وغيرهما، وتلك بلية ينبغي أن ينبه لها هؤلاء الغارقون في غفلاتهم؛ عسـى الله أن يهدينا جميعًا.

هل الحج على الفور أو على التراخي؟

ذهب فريق من العلماء -منهم الشافعي، والثوري، والأوزاعي- إلى أن الحج واجب على التراخي لا يأثم بتأخيره، وله أن يؤديه في أي وقت من العمر. وحُجَّة هؤلاء أن النبي ﷺ أخَّر الحجَّ إلى سنة عشـر من الهجرة، في حين إنه فُرض سنة ست.

وذهب فريق آخر -منهم مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وبعض أصحاب الشافعي- إلى أن الحج واجب على الفور. وحجة هؤلاء ما تقدم من الأمر بالتعجيل بالحج، وكذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جِدَةٌ ولم يحج، فيضـربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين»[23]. و«الجدة»: السعة والقدرة.

والصحيح قول من يقول: إنه واجب على الفور، وأما الاحتجاج بأن النبي ﷺ تأخر حجه إلى سنة عشـر، فقد قال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار: (أجيب بأنه قد اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج، ومن جملة الأقوال أنه فرض في سنة عشـر، فلا تأخير، وإن سُلِّم أنه فرض قبل العاشـرة، فتراخيه ﷺ إنما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشـرك؛ لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة، فلما طهَّر الله البيت الحرام منهم حج ﷺ، فتراخيه لعذر، ومحل النزاع التراخي مع عدمه)[24].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة