حجم الخط:

محتوى الدرس (116)

ب- الإحـــرام

جدول 65 من مسائل ركن الإحرام

إذا وصل من يريد الحج أو العمرة إلى الميقات، وأراد الإحرام، فإنه يبدأ إحرامه كالآتي:

أ - الغسل:

ودليل ذلك أن النبي ﷺ «تجرَّد لإهلاله واغتسل»[1]. وهذا الغسل عام للرجل والمرأة على سبيل الاستحباب، عدا النفساء، فيرى بعضهم استحباب الغسل لها أيضًا، ويرى بعضهم الوجوب، وهو الأرجح؛ لأمر النبي ﷺ بذلك؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حجة النبي ﷺ وفيه: حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف تصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي»[2].

وفي سنن أبي داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت، تغتسلان، وتحرمان، وتقضـيان المناسك كلها، غير الطواف بالبيت»[3]. ومعنى: «على الوقت» أي: الميقات.

وهذا يدل على وجوب الاغتسال للحائض والنفساء عند الإحرام. لكن إن استمر الحيض بها إلى أيام الحج اغتسلت، وأدخلت الحج على العمرة، وصارت قارنة، والغسل في هذه الحالة أيضًا على الوجوب؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك عائشة رضي الله عنها، وكانت قد حاضت ولم تطف بالبيت حتى يوم عرفة[4].

أحكام غسل الإحرام:

(1) إذا أحرم بدون أن يغتسل، فإن إحرامه صحيح، ولا شـيء عليه.

(2) إذا لم يجد ماء للاغتسال، فهل يتيمم؟

الصحيح أنه لا يتيمم؛ لأن الشـرع لم يأمره بذلك، وإنما شـرع التيمم في حالة الحدث فقط.

(3) استحب أهل العلم: (التنظف)؛ بمعنى تقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط ونحو ذلك، وإن كان لم يَرِدْ في ذلك حديث، وعللوا ذلك بقولهم: حتى لا يحتاج إلى أخذها في الإحرام؛ روى سعيد بن منصور في سننه عن إبراهيم النخعي أنه قال: «كانوا يستحبون عند الإحرام أن يأخذوا من أظفارهم، ومن شاربهم، وأن يَستحِدُّوا، وأن يلبسوا أحسن الثياب». ومعنى «يَستحِدُّوا» أي: يحلقوا العانة.

ب - التطيب:

لأن النبي ﷺ تطيب لإحرامه؛ قالت عائشة: «كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت»[5]، وعنها قالت: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم»[6]، ومعنى «وَبِيص» أي: لمعان.

مسائل في التطيب للمحرم:

(1) لا يضـر استمرار أثر الطيب في البدن؛ لأن هذا هو ظاهر الحديث. وكذلك لا يضـر المحرم لو سال الطيب على بدنه من الموضع الذي طيبه إلى موضع آخر، ولو بعد الإحرام.

(2) لا يجوز تطييب الثياب (أعني ثياب الإحرام)، ولا يجوز لبس الثياب المطيبة؛ لقوله ﷺ في نهيه عما يلبسه المحرم: «ولا يلبس ثوبًا مسه الزعفران ولا الورس»[7].

(3) إذا توضأ المحرم، وكان قد طيب بدنه، وبقي أثر للطيب في كفيه، فإنه إذا توضأ لصق شـيء من الطيب ببدنه، فهل يؤثر ذلك في إحرامه؟

الجواب: استظهر الشـيخ ابن عثيمين أن هذا مما يعفى عنه[8]، وكذلك إذا أصابه شـيء من طيب الكعبة، فلا شـيء عليه.

جـ- التجرد من ثيابه، ولبس إزار ورداء:

وذلك لما ثبت في الحديث: «ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين»[9]. واعلم أن التجرد من الملابس هذا خاص للرجال، أما المرأة فإنها تحرم في ملابسها العادية، غير أنها لا تلبس النقاب ولا القفازين، ولها أن تسدل الثوب من رأسها على وجهها، ومن البدع تخصـيص ثياب للنساء للإحرام، وبعضهن يلتزمن ثيابًا بيضاء، ولا دليل على ذلك.

مسائل وفروع عامة على الإحرام:

(1) الصحيح أن صلاة ركعتي الإحرام لا أصل لمشـروعيتهما، وليس للإحرام صلاة تخصه[10]، لكن إن وافق ذلك وقت صلاة مفروضة أحرم بعدها، كما فعل النبي ﷺ، وإن لم يوافق ذلك وقت صلاة، فليس هناك ما يسمى صلاة سنة الإحرام.

(2) يفضل أن تكون ملابس الإحرام بيضاء (أعني للرجال)؛ لأنها خير الثياب، ويجوز أن يحرم في أي لون آخر.

(3) لا يشترط أن تكون ملابس الإحرام جديدة، لكن كلما كانت أنظف فهي أفضل.

(4) اعلم أنه لا يحكم بأنه بدأ النسك إلا بعد الجزم بالنية بقلبه، فليس مجرد لبس ملابس الإحرام دخولا في الإحرام كما يظنه بعض العامة، ويلاحظ على هذا ما يلي:

* إذا احتاج مثلًا لفعل شـيء من محظورات الإحرام؛ كقص أظفاره وهو لابس ملابس الإحرام ولم ينو بعد الدخول في النسك، جاز له ذلك.

* لو كان سفره بالطائرة، وخشـي أن لا يتمكن من لبسه ملابس الإحرام إذا وصل للميقات، فإنه يتهيأ لذلك بلبسها من منزله أو من المطار، ولا يكون بذلك محرمًا، حتى يمر بالميقات وينوي الدخول في النسك.

(5) يلاحظ أن كثيرًا من الحجاج يكشف عن كتفه اليمنى بمجرد لبسه ملابس الإحرام، وهو ما يسمى بـ(الاضطباع)[11]، وهذا غير صحيح؛ لأن الاضطباع يكون عند طواف القدوم فقط، وأما عدا هذا فيغطي كتفيه.

د - نية الإحرام:

النية شـرط؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، ولقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»؛ والنية محلها القلب، فلا يجوز التلفظ بها، فلا يقول: نويت العمرة، أو نويت الحج... إلى آخره، ولكن يجزم بذلك في قلبه، ثم يلبي بنسكه؛ فيقول: لبيك اللهم بعمرة، أو بحج، أو بحج وعمرة. ولا يشـرع التزام دعاء عند الإحرام؛ كقولهم: (اللهم إني أريد الحج، فيسـره لي، وأعني على أداء فرضه، وتقبله مني...) إلخ.

الاشتراط في الإحرام:

المقصود بالاشتراط ما ثبت في حديث ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ: «حجي واشترطي أن مَحِلِّي حيث حبستني»[12].

ومعنى ذلك: أن من كان يخشـى من إتمام نسكه، لعائق يعوقه -كمرض ونحوه- فإنه يشترط في إحرامه، فيقول: «فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني»؛ أي: إن مُنِعْتُ بهذا العائق، فإني أتحلل من إحرامي في هذا الموضع، ولا أكمل النسك.

وفائدة ذلك أنه متى لم يستطع إكمال النسك لهذا العائق، فإنه يتحلل، ولا شـيء عليه. وأما إذا لم يشترط، وعاقه عائق؛ فإنه يكون محصـرًا (أي ممنوعًا)، ويترتب عليه أحكام الإحصار[13].

مسألتان في الاشتراط:

(1) هل يجوز الاشتراط في الإحرام عمومًا؛ بأن يقال على أي حال؛ سواء خاف وجود مانع أو لم يخف؟ الجواب: أنه لا يكون سنة إلا في حال الخوف فقط؛ لأن النبي ﷺ لم يشـر على أحد بهذا الاشتراط إلا لهذه المرأة المريضة، ولم ينقل عنه أنه أمر أحدًا من أصحابه أو أشار عليهم بهذا الشـرط؛ لا في حجة الوداع ولا في أي عمرة من عُمَرِه التي اعتمرها. وعلى هذا فلا يكون الاشتراط مشـروعًا إلا لمن خاف عدم إتمام النسك.

(2) لو كان هناك مانع يخافه فاشترط، لكنه أزيل المانع، وحبس لمانع آخر، فهل ينفعه اشتراطه؟

الراجح أن ذلك ينفعه؛ لعموم الاشتراط: «فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني».

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة