حجم الخط:

محتوى الدرس (119)

5 - وليتجنب: محظورات الإحرام:

[المقصود بها]

المقصود بمحظورات الإحرام: الممنوعات في الإحرام؛ امتثالًا لأمر الله عز وجل وأمر رسوله ﷺ. وهذه المحظورات هي:

جدول 63 - من مسائل محظورات الإحرام وفديتها

أولًا: حلق الرأس:

لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196]، فلا يجوز للمحرم أن يأخذ من شعر رأسه شـيئًا؛ حلقًا أو تقصـيرًا.

واختفلوا في إزالة غيره من الشعور؛ كالعانة والإبط ونحوهما، والجمهور على منع ذلك، وأن حكمه حكم حلق الشعر، وذهب آخرون -وهم الظاهرية- إلى عدم المنع من حلق بقية الشعور عدا الرأس تمسكًا بظاهر الآية؛ لأنها لم تنص إلا على حلق الرأس فقط، وبأن الأصل جوازه فلا يمنع إلا بدليل. وهذا ما رجَّحه ابن عثيمين رحمه الله لكنه قال: (ولو أن الإنسان تجنب الأخذ من شعوره؛ كشاربه وإبطه وعانته احتياطًا لكان هذا جيدًا)[1].

ثانيًا: تقليم الأظفار:

وفيه خلاف؛ لأنه لم يأت نص قرآني ولا نبوي يتعلق بالمسألة، فيظل فيها الخلاف كالخلاف السابق في بقية الشعور، لكن نقل بعضهم الإجماع على المنع من تقليم الأظفار. قال ابن قدامة رحمه الله: (أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم: حماد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وروي عن عطاء، وعنه: لا فدية عليه؛ لأن الشـرع لم يرد فيه بفدية)[2]. قال ابن عثيمين رحمه الله: (فإن صح هذا الإجماع فلا عذر في مخالفته، وإن لم يصح، فإنه يبحث في تقليم الأظفار كما بحثنا في حلق بقية الشعر)[3].

قلت: وعلى هذا، فالأحوط عدم الأخذ، إلا إن اضطر لذلك، كمن انكسـر ظفره فتأذى به. قال ابن عثيمين مبيِّنا محظورات الإحرام: (تقليم الأظافر من اليدين أو الرجلين إلا إذا انكسـر ظفره وتأذى به فلا بأس أن يقص المؤذي منه فقط، ولا شـيء عليه).

فروع في محظورات الإحرام:

(1) من حلق شعر رأسه فعليه فدية[4]، واختلفوا في القدر الذي تجب فيه الفدية؛ فبعضهم يرى الفدية في حلق ثلاث شعرات، وبعضهم يرى الفدية في حلق ربع الرأس، وغير ذلك من الأقوال، لكن أرجح الأقوال: أن الفدية على من يقال في حقه: إنه أماط الأذى عن رأسه؛ لأنه ظاهر القرآن، وهو مذهب المالكية، واختاره ابن حزم، وابن عبد البر، وابن عثيمين. والدليل على ذلك:

(أ) قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]، فلا تجب الفدية إلا في حالة إماطة الأذى.

(ب) أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، وهذا يحتاج إلى إزالة شعر غالبا، ولم يثبت أنه افتدى؛ لأنه لا يقال: إنه إماطة الأذى عن رأسه.

بناءً على ما سبق، فإنه لا تجب الفدية إلا لمن حلق حلقًا يقال فيه: إنه أماط الأذى، وأما مجرد حلق بعض الشعرات وإزالتها فلا تجب فيه الفدية. قال أبو حنيفة: تجب الفدية بحلق ربع الرأس أو اللحية فأكثر، أو حلق عضوٍ كاملٍ سواهما -كعانته-وقال مالك: تجب بحلق مقدارٍ يماط به الأذى أو يحصل به الترفه، وقال الشافعي وأحمد: في الشعرة مُد من طعام، وفي الشعرتين مُدَّان، وفي الثلاثة دم.

وأما ما عدا ذلك من الشعور في بقية الجسد غير الرأس، ففيه خلاف في وجوب الفدية، وأما تقليم الأظفار، فالراجح قول عطاء أنه لا فدية فيه، سواء قلنا بحرمة التقليم أم لا.

(2) لا يعني ما سبق أنه يجوز أن يأخذ بعض الشعر من رأسه؛ فإن ذلك حرام، لكن الكلام السابق متعلق بوجوب الفدية، وعلى هذا فأخذ أي شعر من الرأس لا يجوز، لكن الفدية لا تكون إلا في الحالة المذكورة سابقًا.

(3) يجوز للمحرم حك رأسه[5]، فلو سقط منه شـيء من شعره بغير قصد فلا شـيء عليه، وإن كان قاصدًا فيحرم، ولا فدية عليه كما تقدم.

ثالثًا: تغطية الرأس:

لأن النبي ﷺ قال في الرجل الذي وقصته ناقته فمات: «اغسلوه، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا»[6]، ومعنى «التخمير»: التغطية، ولا يكون إلا بملاصق؛ كالطاقية والقلنسوة والعمامة، وأما غير الملاصق كالشمسـية والخيمة وسقف السـيارات والمنازل، فلا شـيء فيه، ولقد ثبت في حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ أنه «ضـربت له قبة بنمرة، فبقي فيها حتى زالت الشمس في عرفة»[7].

ويلاحظ مما سبق أن النهي عن تغطية الرأس إنما هو خاص بالرجال دون النساء، فعلى المرأة أن تستر رأسها ولا يظهر منه شـيء.

رابعًا: لا يلبس الرجال ملابس الحل:

أي: لا يلبس المحرم ما كان يلبسه قبل إحرامه؛ مما هو مصنوع للعضو؛ كالقميص والسـراويل والجبة؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ سئل ما يلبس المحرم؟ قال: «لا يلبس القميص، ولا السـراويل، ولا البرنس، ولا العمامة، ولا الخفاف، ولا يلبس شـيئًا مسَّه الورس ولا الزعفران»[8].

ملاحظات:

(1) اشتهر على ألسنة كثير من الفقهاء: ألا يلبس المحرم المخيط، وتبعًا لذلك وقع الناس في أخطاء؛ إذ المقصود ألا يلبس الملابس المحوكة (المفصلة)؛ أما لو كان في الرداء خيط يسد خروقًا أو رقعًا فيه، أو كان على أطرافه خيط منعًا من تهلهله (أو ما يسمى أوفر)، فهذا كله لا يضـر، وكذلك لو أوصل رداءين قصـيرين بخيط بينهما، لا يضـر؛ إذا لم يفصَّل كملابس الحل.

(2) يجوز لبس (النعل)؛ لأنه ليس بخف، حتى لو كان هذا النعل مخروزًا بخيط، وأما ما يفعله العامة من لبس نعال خاصة لا خيط فيها، فهو (تنطُّع وتكلف) لم يأمر به الشـرع.

(3) وعلى العكس من ذلك؛ فلو صنعت الملابس بدون خيط، تصلح للارتداء، لكنها صنعت على قدر العضو؛ فإنه لا يجوز للمحرم لبسها، وعلى هذا فما يفعله العوام من وضع (دبابيس) على إزاره، وصناعته كأنه ثياب مفصلة فهذا لا يصح.

(4) انتشـر عند بعض المحال التجارية ما يسمى (بالساتر)، وهي خرقة يلبسها المحرم سترًا لفرجه (أشبه بحفاظة الأطفال)، فهذه لا تجوز؛ لأنها في معنى الملابس المفصلة، وإن لم يدخلها خيط.

(5) إذا لم يجد النعلين جاز له لبس الخفين، وإذا لم يجد الإزار جاز له لبس السـراويل، فلو قدر أن شخصًا نسـي ملابس الإحرام في حقيبة سفره في الباخرة أو الطائرة مثلًا، وأراد أن يحرم، فماذا يصنع؟

الجواب: يمكنه أن يلبس السـراويل (البنطلون)، وأن يضع شـيئًا على أعاليه (بدون لبس)؛ كأن يلف القميص على كتفه على صورة لبس الرداء، حتى إذا وصل إلى الميناء أخرج ملابس إحرامه ولبسها، ولا شـيء عليه.

(6) ما تقدَّم كله خاص بالرجال، وأما المرأة فإنها تلبس جميع ملابسها، وإنما الذي يحرم عليها هو لبس القفازين والنقاب؛ لما ثبت في الحديث: «لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين»[9].

ولا يعني هذا أنه يحرم عليها تغطية وجهها ويديها، إنما المحظور لبس هذا النوع من الملابس (وهو النقاب للوجه والقفازان لليدين)، لكنه يجوز لها أن تغطي وجهها بغير النقاب؛ بأن تسدل الثوب من رأسها، وسواء في ذلك مس وجهها أو لم يمس؛ لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان الركبان يمرون بنا، ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من على رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه)[10]، وكذلك يجوز لها تغطية يديها بغير القفازين؛ كأن تجعلهما تحت خمارها، أو تطيل أكمامها بحيث تغطيهما.

خامسًا: الطيب:

سواء كان لبدنه أو لثوبه؛ لقوله ﷺ في الذي وقصته دابته فمات: «ولا تحنطوه»، ولقوله ﷺ للمحرم: «ولا يلبس شـيئًا مسَّه الزعفران ولا الورس»[11].

وأما شم الطيب؛ فإن كان بغير قصد، فلا شـيء فيه، وإن كان بقصد التلذذ فحرام. وأما إذا أصابه شـيء من طيب الكعبة، فلا شـيء عليه.

سادسًا: عقد النكاح أو الخطبة:

سواء كان على الذكور أو الإناث؛ لقوله ﷺ: «لا يَنْكِح المحرم ولا يُنْكِح ولا يخطب»[12]، فلا يتولى عقد النكاح لنفسه ولا لغيره، وكذلك لا يجوز له أن يخطب ما دام مُحرِمًا.

فروع في نكاح المُحرِم:

(1) إذا تم عقد النكاح في حال إحرام أحد الزوجين أو إحرام الولي، فالعقد فاسد، ولا يحتاج إلى فسخه بطلاق؛ لأنه لم ينعقد أصلًا، ولا يصح هذا الزواج.

(2) ما الحكم إذا عقد المحرم النكاح وهو لا يدري أنه حرام؟ الجواب: لا إثم عليه، لكن العقد لا يصح.

(3) ما الحكم لو دخل بمعقودته وولد أولادًا بعد إحلاله؟ الجواب: لا بد من تجديد العقد، والأولاد شـرعيون ينسبون له؛ لأن الوطء كان وطأ بشبهة.

(4) يجوز مراجعة زوجته المطلقة وهو محرم، ما دامت في العدة؛ لأن هذا ليس عقد نكاح، وإنما استدامة نكاح، وأما بعد انقضاء العدة، فلا يصح؛ لأنه عقد جديد لا يصح إلا بولي وصداق جديد.

(5) يجوز للمُحرِم أن يَشْهد على عقد النكاح لغير المحرمين؛ لأن الشاهد لا يتناوله حديث: «لا يَنْكِحُ المحرم ولا يُنْكِحُ».

سابعًا: الجِماع:

وهو أشد المحظورات، فإن جامع زوجته وهو محرم، ترتب على ذلك أمور يأتي بيانها في أحكام الفدية[13].

ثامنًا: المباشرة:

لقوله تعالى: ﱡﭐ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، و«الرفث»: مقدمات الجماع، ومنها: المباشرة. فإن أنزل فهو آثم، ولكن لا يفسد الحج، وهذا الحكم أورده أهل العلم.

تاسعًا: الصيد:

لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:95]. والمقصود بالصـيد المنهي عنه: صـيد الحيوان البري، وأما الحيوان البحري (وهو الذي يعيش في البحر) فجائز صـيده للمحرم؛ لقول تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة:96].

فروع في الصيد للمُحرِم:

(1) الصـيد إن كان مأكولًا ففيه الفدية، وإن كان غير مأكول فيحرم صـيده، ولكن لا فدية فيه. (وسـيأتي أحكام جزاء الصـيد)[14].

(2) اعلم أن الحيوان غير المأكول أقسام: فمنه ما أمر بقتله؛ كقوله ﷺ: «خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور»[15]. ومنه ما نهي عن قتله؛ كالنمل والنحلة والهدهد، فهذا لا يقتل. ومنه ما سكت عنه، فإن كان مؤذيًا ألحق بالأول، وإن كان غير مؤذ ففيه خلاف. فيجوز للمحرم وغيره قتل الأسد والسباع والخنازير والقمل والبراغيث والذباب؛ صغار ذلك أو كباره.

(3) لو كان معه حيوان إنسـي، ثم هرب، ولم يتمكن منه إلا بالصـيد، فلا شـيء عليه.

(4) لو صال[16] عليه حيوان، ولم يستطع أن يدفعه إلا بالقتل، قتله، ولا شـيء عليه.

(5) إذا صاد المحرم صـيدًا، فهذا الصـيد بمنزلة الميتة؛ لا يحل له أكله ولا يحل لغيره أكله.

(6) أما إذا صاد الحلال -يعني غير المحرم- فإنه يجوز للمحرم الأكل منه، إلا إذا كان المحرم دل عليه، أو أعان عليه، أو كان الحلال إنما صاده لأجل المحرم.

(7) ويجوز للمُحرِم أكل الصـيد إذا كان صاده قبل أن يحرم وظل معه بعد إحرامه، وإنما الذي يحرم عليه ابتداء الصـيد.

(8) لو صاد المُحرِم صـيدًا، فانتزعه منه حلال، لكان ملكًا للحلال، ولا يمكن للمُحرِم تملكه حتى بعد إحلاله. راجع أحكام فدية جزاء الصـيد[17].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة