حجم الخط:

محتوى الدرس (126)

26- ثم يرجع فيبيت بمنى أيام التشريق:

يبيت بمنى ثلاثة أيام إن تأخر، وأما إن تعجل فيبيت يومين؛ لقوله تعالى: ﴿ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا [البقرة:202]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أفاض[1] رسول الله ﷺ حين صلى الظهر، ثم رجع إلى (منى)، فأقام بها أيام التشـريق الثلاث؛ يرمي الجمار حين تزول الشمس بسبع حصـيات كل جمرة، ويكبر مع كل حصاة تكبيرة، يقف عند الأولى وعند الوسطى ببطن الوادي، فيطيل المقام، وينصـرف إذا رمى الكبرى، ولا يقف عندها»[2]. ويتعلق بذلك مسائل:

أولًا: معنى المبيت بمنى:

ليس المقصود الاضطجاع والنوم، وإنما المقصود المكث بها، على أي صفة كان؛ سواء كان مضطجعًا، أو نائمًا، أو واقفًا، أو جالسًا، وإن كان الأفضل النوم اقتداء برسول الله ﷺ.

ثانيًا: حكم المبيت بمنى:

ذهب الجمهور إلى أن المبيت بمنى (واجب)، ودليلهم: «أن رسول الله ﷺ رخص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى»[3]، وهذا يدل على أن غيرهم يجب عليهم المبيت، ولا يرخص لهم ترك المبيت، وكذلك قوله ﷺ: «خذوا عني مناسككم»، وقد بات النبي ﷺ بمنى، وهذا الرأي هو الراجح، والله أعلم.

وذهب الأحناف إلى أنه سنة، وهو ما رجَّحه ابن حزم في «المحلى».

ثالثًا: وقت المبيت بمنى:

لم تفصل النصوص وقت المبيت من الليل، والراجح أنه متى فعل ما يسمى بياتا بمنى؛ في أول الليل أو آخره أو الليل كله أو بعضه أن ذلك كله يجزئه. قال مجاهد رحمه الله: (لا بأس بأن يكون أول الليل بمكة، وآخره بمنى، أو أول الليل بمنى وآخره بمكة).

قال ابن عثيمين رحمه الله: (ولكن ليعلم أن المبيت في منى ليس بذلك المؤكد كالرمي مثلًا... ولهذا يخطئ بعض الناس -فيما نرى- فإذا قيل له: رجل لم يبت في منى ليلة واحدة، قال: عليه دم)، ثم يقول الشـيخ مستعجبًا: (عليه دم بليلة واحدة؟!).

رابعًا: ماذا عليه إذا لم يبت بمنى؟

يرى جمهور العلماء أن عليه الدم؛ لأنه ترك واجبًا من واجبات الحج، ويرى ابن حزم وغيره أنه أساء ولا شـيء عليه، وهذا الخلاف مبني على الخلاف السابق في حكم المبيت بمنى. وهذا الحكم إنما هو لمن ترك المبيت الأيام الثلاثة، أما من ترك المبيت ليلة مثلًا، فلا نلزمه بدم؛ لأنه أتى بجنس المبيت، وإن كان فاته الأكمل.

خامسًا: يرخص لذوي الأعذار ترك المبيت:

في الحديث: «أن رسول الله ﷺ رخص لعمه العباس أن يبيت بمكة من أجل السقاية»[4]، وقد ذهب ابن عثيمين رحمه الله إلى أن هذه الرخصة تشمل الذين يشتغلون أيضًا بمصالح الحجيج؛ كرجال المرور، والأطباء في المستشفيات، ومن يقومون بصـيانة أنابيب المياه، ونحوهم.

27- ويرمي الجمرات الثلاثة كل يوم:

وهذه الجمرات على الترتيب هي: الجمرة الصغرى، والوسطى، والكبرى (وهي جمرة العقبة)، وأما ما يتعلق بهذا الرمي فبيانه كما يلي:

(أ) وقت الرمي:

يبدأ وقت الرمي في أيام التشـريق بعد زوال الشمس (أي: وقت صلاة الظهر)، كما تقدم في حديث عائشة.

ولكن متى ينتهي وقت الرمي؟ ذهب كثير من العلماء إلى أن آخر وقت الرمي حتى غروب شمس كل يوم من الأيام الثلاثة؛ لأنه عبادة نهارية فتنتهي بالنهار.

والراجح أن النبي ﷺ لم يحدد ذلك، بل ثبت في «صحيح البخاري» أن رجلًا قال: رميت بعدما أمسـيت، قال ﷺ: «لا حرج»[5]، ولم يستفصل النبي عن أي وقت المساء، فدل ذلك على الجواز مطلقًا، وعليه فمن تيسـر له الرمي بالنهار كان أولى، وإلا فلا حرج عليه لو رمى مساء. والله أعلم.

(ب) ترتيب الرمي:

يبدأ الرمي بالجمرة الأولى وهي الجمرة الصغرى، وهي الأقرب إلى مسجد الخيف؛ فيرميها بسبع حصـيات يكبر مع كل حصاة، ثم يستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو دعاءً طويلًا. ثم يأتي الجمرة الوسطى فيرميها كذلك بسبع حصـيات، ويقف للدعاء كذلك، ثم يأتي جمرة العقبة فيرميها كذلك ويجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه إن أمكن، ولا يقف عندها للدعاء، بل ينصـرف. ويفعل كذلك في اليوم الثاني والثالث.

(جـ) حكم من ترك رمي الجمرات:

الذي عليه جمهور العلماء أن رمي الجمرات واجب، وأنه إذا ترك رمي الجمرات يكون عليه دم.

(د) أحكام الرمي:

(1) صفة الرمي وصفة الحصـى تقدم بيانها عند رمي جمرة العقبة[6].

(2) لا يجوز أن يرمي قبل الزوال، فمن فعل فإنه لا يجزئه على الراجح.

(3) يجب الترتيب برمي الجمرة الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى؛ لفعله ﷺ كذلك مع قوله: «خذوا عني مناسككم».

(4) يجوز لأصحاب الأعذار ممن يقومون على خدمة الحجيج أن يجمعوا رمي يومين في يوم واحد؛ فعن عاصم بن عدي رضي الله عنه قال: «رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما»[7]. ومعنى «رخص لهم في البيتوتة» أي: في ترك المبيت بمنى.

قال ابن القيم رحمه الله: (وإذا كان النبي ﷺ قد رخص لأهل السقاية، وللرعاء في البيتوتة، فمن له مال يخاف ضـياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضًا لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء، والله أعلم)[8].

ويلاحظ أنه إذا جمع رمي يومين مثلًا، فعليه أن يرميهم بالترتيب؛ فيرمي الصغرى بسبع حصـيات، ثم الوسطى بسبع حصـيات، ثم الكبرى بسبع حصـيات عن اليوم الأول، ثم يعود فيرميهم كذلك مرتبة عن اليوم الثاني، ولا يجزئه أن يرمي كل واحدة بأربع عشـرة حصاة مجتمعة عن اليومين.

28- ومن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه:

والمقصود باليومين: الحادي عشـر والثاني عشـر من شهر ذي الحجة، ويشترط لمن أراد أن يتعجل أن يخرج من منى قبل الغروب، فإن جلس إلى الغروب لزمه المبيت الليلة الثالثة، وهي ليلة الثالث عشـر من ذي الحجة.

وإذا عزم على الخروج وحمل متاعه، لكنه تأخر في المسـير حتى غابت الشمس لعذر؛ كزحام الطريق مثلًا، فلا شـيء عليه، وليستمر في الخروج؛ لأنه حبس بغير اختياره.

29- فإذا عزم على الرحيل طاف طواف الوداع:

عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض»[9].

حكمه:

طواف الوداع واجب على من أراد الخروج من مكة؛ للحديث السابق، ولا يستثنى من ذلك إلا الحائض، بشـرط أن تكون طافت قبل ذلك طواف الإفاضة؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله ﷺ، ما أرى صفية إلا حابستنا، قال: «ما شأنها؟» قلت: حاضت، قال: «أما كانت طافت قبل ذلك؟» قلت: بلى، ولكنها حاضت، قال: «فلا حبس عليها، فلتنفر»[10].

والقول بوجوب طواف الوداع هو مذهب الجمهور، وذهب مالك، وداود، وابن المنذر إلى أنه سنة، لا شـيء في تركه.

والمشهور عند أهل العلم أن عليه دمًا إذا ترك طواف الوداع، وقد استدلوا بأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «من ترك شـيئًا من نسكه أو نسـيه، فليهرق دمًا»[11].

مسائل في طواف الوداع:

(1) إذا تأخر بعد طواف الوداع لشـراء شـيء في طريقه، أو لانتظار رفقة، فلا شـيء عليه.

(2) ليس في طواف الوداع رمل ولا اضطباع[12]، ولا يلزمه أن يلبس ملابس الإحرام، بل يطوف بملابسه العادية.

(3) من البدع رجوع بعض الناس عن الكعبة القهقرى (أي الرجوع إلى الخلف) مودعين البيت، ويقفون عند الباب ويكبرون ثلاثًا قائلين: السلام عليك يا بيت الله، فهذا كله لا دليل عليه، بل عليه الخروج لوجهه لا يتكلف صفة معينة؛ لأن خير الهدي هدي محمد ﷺ.

(4) إذا أخَّر طواف الإفاضة، ثم أراد الخروج من مكة، أجزأه طوافه الأخير عن طواف الوداع مع طواف الإفاضة؛ بشـرط إحضار النية لطواف الإفاضة، أو للطوافين معًا.

ولا ينوِ الوداع فقط، حتى لو كان متمتعًا يحتاج إلى السعي بعد هذا الطواف فلا بأس بذلك، ولا يلزمه طواف آخر؛ لأن هذا الفصل -أعني بالسعي- قبل الانصـراف لا يضـر، ومعلوم أن النبي طاف للوداع، ثم صلى صلاة الفجر وقرأ بسورة الطور، ولم ينقل أنه أعاد طواف الوداع مع هذا الفاصل.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة