أحكام الفدية وجزاء الصيد
ما يعطى فداء الشـيء، ومنه فدية الأسـير.
وقد ذكرنا أن هناك محظورات للإحرام، فإذا وقع الإنسان في بعض هذه المحظورات فعليه فدية، وهي تختلف من محظور لآخر على النحو الآتي:
أقسام المحظورات بالنسبة للفدية:
الأول: ما لا فدية فيه؛ وهو عقد النكاح.
الثاني: ما فديته مغلظة؛ وهو الجماع.
الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو جزاء الصـيد.
الرابع: ما فديته فدية أذى؛ وهو بقية المحظورات.
وهي صـيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة:196] هكذا على التخيير، والمحظورات التي يجب بها فدية الأذى هي:
لما ثبت في حديث كعب بن عجرة قال: كان بي أذى من رأسـي، فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟» قلت: لا، فنزلت الآية: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ قال: «هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، نصف صاع لكل مسكين»، وفى رواية فقال له رسول الله ﷺ: «كأن هوامك تؤذيك؟» فقلت: أجل، قال: «فاحلقه، واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين»[1].
(ب) تقليم الأظفار ولبس الثياب وتغطية الرأس والتطيب:
أوجب العلماء فدية الأذى على من ارتكب محظورًا من هذه المحظورات السابقة قياسًا على حلق الرأس؛ قال الشنقيطي رحمه الله: (ولا دليل عندهم للزوم الفدية في ذلك إلا القياس على حلق الرأس المنصوص عليه في آية الفدية)[2]. وقال: (واعلم أنهم متفقون على لزوم الفدية في استعمال الطيب، ولا دليل من كتاب ولا سنة على أن من استعمل الطيب وهو محرم يلزمه الفدية، ولكنهم قاسوا الطيب على حلق الرأس المنصوص على الفدية فيه) [3].
(1) يلاحظ أن الصـيام لا يشترط أن يكون متتابعًا.
(2) الشاة تكون من الماعز أو الضأن، ذكرًا أو أنثى.
(3) الفدية على التخيير، فأيها فعل فقد أجزأ عنه.
(4) يجوز الصـيام لفدية الأذى في أي وقت، ولا يشترط في أيام الحج.
(5) يجوز ذبح الشاة حيث شاء على الأرجح، وكذا الإطعام، ولا يشترط لها أن تكون في الحرم. قال القرطبي في التفسـير: (اخْتَلَف العلماء في موضع الفدية المذكورة؛ فقال عطاء: ما كان من دم فَبِمَكّة، وما كان مِن طعام أو صـيام فحيث شاء، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي، وعن الحسن أن الدم بمكة.
وقال طاووس والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء؛ لأن الصـيام لا منفعة فيه لأهل الحرم، وقد قال الله سبحانه: ﱡﭐ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﱠ [المائدة:95] رِفقًا لمساكين جيران بيته، فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصـيام. والله أعلم.
وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء، وهو الصحيح من القول، وهو قول مجاهد. والذبح هنا عند مالك نُسُك وليس بِهَدْي لِنَصّ القرآن والسنة، والنُّسُك يكون حيث شاء، والهدي لا يكون إلاّ بِمَكة، ومِن حُجّته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه، وفيه: فأمَرَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بِرَأسِه -يعني رأس حسـين- فَحُلِق، ثم نَسَك عنه بالسّقيا، فَنَحَر عنه بعيرًا. قال مالك: قال يحيى بن سعيد: وكان حسـين خَرَج مع عثمان في سفره ذلك إلى مكة ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة. وجائز عند مالك في الهدي إذا نُحِرَ في الحرم أن يُعْطَاه غير أهل الحرم؛ لأن البُغية فيه إطعام مساكين المسلمين؛ قال مالك: ولَمَّا جاز الصوم أن يُؤتى به بغير الْحَرَم جاز إطعام غير أهل الْحَرَم. ثم إن قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ﴾ الآية. أوضح الدلالة على ما قلناه؛ فإنه تعالى لمَّا قال: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ لم يَقُل في موضع دون موضع، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه. وقال: ﴿ أَوْ نُسُكٍ ﴾ فَسَمّى ما يُذبح نُسُكا، وقد سَمّاه رسول الله ﷺ كذلك، ولم يُسَمِّه هَديا، فلا يلزمنا أن نَرُدّه قِياسًا على الْهَدْي، ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن عليّ. وأيضًا فإن النبي ﷺ لَمّا أمَرَ كَعْبًا بِالفْدِية ما كان في الْحَرَم، فَصَحّ أن ذلك كُلّه يكون خارج الْحَرَم. وقد رُوي عن الشافعي مثل هذا في وَجْه بعيد)[4]اهـ. وبِنحو هذا قال ابن عبد البر في الاستذكار والله تعالى أعلم.
(6) لا يجوز له الأكل من فدية الأذى والله أعلم.
(7) الفدية إنما تجب بحلق الرأس الذي به إماطة الأذى، وأما حلق بعض الشعرات أو بعض الرأس، فلا تجب فيه الفدية، وكذلك إذا حلق شعرًا آخر غير شعر الرأس، وقد سبق حكم المسألة[5]. قال الشنقيطي رحمه الله بعد أن ساق أقوال العلماء في حلق بعض الرأس وحلق شعر الجسد قال: (وإذا علمت أقوال الأئمة رحمهم الله في شعر الجسد، فاعلم أني لا أعلم لشـيء منها مستندًا من نص كتاب أو سنة. والأظهر أنهم قاسوا شعر الجسد على شعر الرأس بجامع أن الكل يحصل بحلقه الترفُّه والتنظُّف)[6].
(8) لو حلق شعره ناسـيًا فلا شـيء عليه.
ولا يكون ذلك إلا في الجماع، ويترتب على ذلك أمور:
الأول: فساد الحج، وفيه تفصـيل فيما يتعلق بفساد الحج، خلاصته كالآتي:
* إذا جامع قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه عند الأئمة الأربعة.
* إذا جامع بعد عرفة وقبل التحلل الأول، فسد حجه عند الثلاثة، ولم يفسد عند أبي حنيفة.
* إذا جامع بعد التحلل الأول وقبل الثاني، لا يفسد حجه عند الأئمة الأربعة.
الثاني: المضـي في فاسده، فلا يكون إفساد الحج مانعًا من إكماله.
الثالث: عليه الفدية، وهو عند الثلاثة: «بدنة»، وعند الحنفية: «شاة» إن جامع بعد الحلق، و«بدنة» إن جامع قبله، وهناك تفصـيلات في تحديد الفدية؛ راجعها في المطولات.
والمرأة كالرجل فيما يجب عليها إن كانت مطاوعة، وأما إن أكرهها فلا فدية عليها.
وأما الظاهرية؛ فقد ذهب ابن حزم إلى أنه إذا جامع المحرم بطل حجه، وليس عليه أن يتمادى في باطله، لكنه يُحْرم من موضعه، فإن أدرك تمام الحج فلا شـيء عليه غير ذلك؛ كأن يكون جماعه قبل عرفة، فإنه ينوي الحج ويدخل في النسك، وإن كان لا يدرك تمام الحج، فقد عصـى وأمره إلى الله تعالى، ولا هدي في ذلك ولا شـيء، إلا أن يكون لم يحج أو يعتمر قط، فعليه الحج والعمرة[7].
وما ذهب إليه ابن حزم قوي معتبر، لولا أنه ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما ما استدل به الأئمة لكان أرجح، لأنهم لم يذكروا دليلًا من كتاب ولا سنة. فالقول بما قال به ابن عباس هو الراجح. قال الشنقيطي رحمه الله: (اعلم أن غاية ما دل عليه الدليل: أن ذلك -يعني الجماع- لا يجوز في الإحرام؛ لأن الله تعالى نص على ذلك في قوله تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة:197]، أما أقوالهم في فساد الحج وعدم فساده، وفيما يلزم من ذلك، فليس على شـيء من أقوالهم في ذلك دليل من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون بآثار مروية عن الصحابة)[8].
قلت: من هذه الآثار ما رواه البيهقي بسنده أن رجلًا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته؟ «فأشار إلى عبد الله بن عمر، قال: اذهب إلى هذا فاسأله... فسأل ابن عمر، فقال: بطل حجه، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس، واصنع ما يصنعون، فإذا أدركت قابلًا، فحج، واهد، فرجع إلى عبد الله بن عمرو فأخبره، فقال: اذهب إلى ابن عباس فسله... فسأله، فقال له كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو، فأخبره بما قال ابن عباس، ثم قال: ما تقول أنت؟ قال: قولي مثل ما قالا»[9]. وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس أن على كل واحد منهما «بدنة»، وفي بعضها أنهما تكفيهما بدنة واحدة.
ولا يعلم لهؤلاء الصحابة مخالف، فوجب الرجوع لفتواهم، فإن كان هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فهو في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ، وإن كان ذلك عن اجتهاد منهم، فالمصـير إلى اجتهادهم أولى من اجتهاد غيرهم، وهذا ما ترجح عند الأئمة الأربعة، والله أعلم.
وأما الدليل على أنه لو جامع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني -أي قبل طواف الإفاضة- فحجه صحيح: فهو ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر، فقال: «ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه الحج من قابل»[10].