ثانيًا: شروط عقد النكاح:
كما أن للنكاح أركانًا، فله كذلك شـروط، وهي:
وذلك بالاسم أو بالوصف المميز عن الغير أو بالإشارة؛ فالاسم: كأن يقول: (زوجتك ابنتي فلانة)، والوصف: كأن يقول: (زوجتك كبرى بناتي) مثلًا، ويصح أن يقول: ابنتي، فقط، إذا لم يكن له إلا ابنة واحدة. والإشارة (كأن يقول: زوجتك ابنتي هذه)، ويشـير إليها.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن»، قالوا: يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت»[1]. والمقصود بالأيم في هذا الحديث الثيِّب لمقابلتها بالبكر[2]. وقد قسم العلماء إذن المرأة باعتبار حالها إلى ثلاث حالات:
(أ) البكر الصغيرة التي لم تبلغ:
فقد أجاز جمهور العلماء أن يزوجها أبوها بدون إذنها؛ لأنها لا تكاد تدري شـيئًا عن مصلحتها، وجعلوا ذلك خاصة للأب، وأما غيره من الأولياء فليس له ذلك؛ قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا زوجها من كفء)[3].
واستدل لذلك بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه «زوج ابنته عائشة رضي الله عنها رسول الله ﷺ وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين»، متفق عليه.
بينما ذهب فريق آخر من العلماء -وهم الظاهرية- إلى أنها تستأذن؛ سواء كانت صغيرة أم كبيرة، بالغة أم غير بالغة، وسواء كان الولي أباها أم غيره.
(1) قال الشافعي رحمه الله: (أستحب للأب أن لا يزوجها حتى تبلغ، لتكون من أهل الإذن؛ لأنه يلزمها بالنكاح حقوق)[4].
(2) اعلم أن الحكمة من جواز تزويج الصغيرة، أنه قد تكمن مصلحة في زواجها من كفء، فيرى الأب عدم تفويتها إلى وقت البلوغ[5].
(3) ومع جواز العقد عليها وهي صغيرة، إلا أنه لا يمكَّن منها حتى تصلح للوطء[6]، أي: ولو كان ذلك قبل البلوغ إذا كانت ممن يوطأ مثلها[7].
الراجح: أن البكر تستأذن في زواجها؛ لما تقدم من الحديث، وأنها لا تجبر على زوج، سواء كان الولي في ذلك الأب أو غيره، وقد ورد في رواية عند مسلم: «والبكر يستأذنها أبوها في نفسها»، وقد اختلف العلماء هل هذا الإذن شـرط أم مجرد تطييب لنفسها، والراجح الأول؛ وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وصوَّبه ابن تيمية[8]. قال ابن القيم رحمه الله: (والحاصل أنه لا يجوز أن تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلا برضاها، فإن وقع لم يصح العقد، وهذا مذهب الأوزاعي، والثوري، والحنفية وغيرهم، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم)[9].
قلت: ومما يؤيد هذا ما ثبت في الحديث عن جابر رضي الله عنه: «أن رجلًا زوج ابنته وهي بكر من غير أمرها، فأتت النبي ﷺ، ففرق بينهما»[10].
(1) يعتبر إذن البكر بالصمات والسكوت، وأما الثيِّب فلا بد من النطق بما يدل على الموافقة أو الرفض.
(2) قال ابن المنذر رحمه الله: (يستحب إعلام البكر أن سكوتها إذن، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمت أن صمتي إذن، لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور)[11].
(3) إذا ضحكت البكر أو بكت، فهل يدل على الموافقة، الظاهر أن هذا حسب قرينة الموقف، فالغالب أن الضحك والتبسم يدلان على الموافقة، لكنه قد يكون سخرية، وأما البكاء فقد يكون تسخطًا، وقد يكون لاعتبارات أخرى، فينظر في قرينة الحال.
(4) فلو نطقت البكر وقالت: (نعم أوافق)، فهذا لا شك أنه إذن ورضـى، وهذا مذهب جمهور العلماء، وشذ ابن حزم، فلم يعده إذنًا إلا إذا سكتت فقط أخذًا بظاهر الحديث، وهذا غريب؛ لأنها إذا أعربت عن رضاها بغير السكوت فقد تحقق المقصود، والنبي ﷺ لم يقل: إنها إذا لم تسكت لا يعتد بذلك، بل ورد في بعض روايات مسلم بلفظ: «فذلك إذنها إذا هي سكتت»، وهو يشعر بجواز عدم السكوت أي: بجواز النطق.
(5) قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقًّا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر عنه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه، كان النكاح كذلك، وأولى)[12].
(6) إذا رفضت زوجًا قد رضـيه أبواها، هل تكون عاقة؟
الجواب: لا يكون ذلك عقوقًا؛ لأن ذلك حق لها[13].
لا يجوز تزويجها بغير أن تستأمر، وذلك بالنطق (بنعم)، أو بما يدل على الموافقة، بشـرط النطق، وسواء كان الولي أبًا أو جدًّا أو غيرهما. قال الحافظ رحمه الله: (وردُّ النكاح إذا كانت ثيِّبا فزوِّجت بغير رضاها إجماع، إلا ما نقل عن الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيِّب ولو كرهت)[14].
قلت: ودليل ذلك حديث خنساء بنت خذام الأنصارية رضي الله عنها «أن أباها زوجها -وهي ثيِّب- فكرهت، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها»[15]. قال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا أن نكاح الأب ابنته الثيِّب بغير رضاها لا يجوز)[16].
(1) قال الحافظ رحمه الله: (واستدل به -يعني الحديث السابق- على أن الصغيرة الثيِّب لا إجبار عليها؛ لعموم كونها «أحق بنفسها من وليها»، وعلى أن من زالت بكارتها بوطء -ولو كان زنا- لا إجبار عليها لأب ولا غيره؛ لعموم قوله: «الثيِّب أحق بنفسها»، وقال أبو حنيفة: هي كالبكر، وخالفه حتى صاحباه)[17].
(2) قال ابن قدامة رحمه الله: (والثيِّب المعتبر نطقها هي الموطوءة في القبل؛ سواء كان الوطء حلالًا أو حرامًا)[18]. وقال: (وإن ذهبت عذرتها بغير جماع؛ كالوثبة، أو شدة حيضة، أو بإصبع، أو عود ونحوه؛ فحكمها حكم الأبكار)[19].