حجم الخط:

محتوى الدرس (140)

الكفاءة

معنى الكفاءة:

المساواة والمماثلة، ومنه قوله ﷺ: «والمسلمون تتكافأ دماؤهم»[1]. وقد تنازع العلماء في هذه الكفاءة التي لا بد أن تتحقق بين الزوجين على النحو الآتي:

(1) الكفاءة في الدين:

والراجح أن الكفاءة المشترطة هي الكفاءة في الدين فحسب، وهي محل اتفاق بين العلماء؛ قال ابن حجر رحمه الله: (واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه، فلا تحل المسلمة لكافر أصلًا)[2]. وقال ابن القيم رحمه الله: (والذي يقتضـيه الحكم اعتبار الدين في الكفاءة أصلًا وكمالًا؛ فلا تزوج عفيفة لفاجر، ولم يتعدّ القرآن والسنة في الكفاءة أمرًا وراء ذلك)[3].

قلت: والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة:

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [التوبة:26].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].

وبعد أن ذكر الله المحرمات من النساء قال: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ [النساء:24]، ولم يشترط حسبًا ولا مالًا، وقال تعالى: ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3].

وأما السنة: فقوله ﷺ: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب»[4].

وقال ﷺ: «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا»[5].

وعن أبي حاتم المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»[6].

فهذه الأحاديث العامة المطلقة تبين كفاءة الدين، ولم تشترط شـيئًا آخر، وعلى هذا فيجوز للفقير أن يتزوج الثرية الغنية، وللعبد أن يتزوج الحرة، شـريطة أن يكون عفيفًا مسلمًا، ولغير القرشـي أن يتزوج القرشـية، وقد دلت السنة العملية في حياة النبي ﷺ على هذا:

فقد زوَّج النبي ﷺ زينب بنت جحش (القرشـية) لزيد بن حارثة (مولاه).

وزوَّج فاطمة بنت قيس (الفهرية القرشـية) لأسامة بن زيد؛ ابن مولاه زيد[7].

وتزوَّج (بلالُ بن رباح) بأخت (عبد الرحمن بن عوف)[8].

وتزوَّج سالمٌ مولى أبي حذيفة: بنتَ أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة[9].

وتزوَّج المقدادُ بن الأسود مولى الأسود بن عبد يغوث: ضُباعةَ بنت الزبير الهاشميَّة[10].

وزوَّج النبي ﷺ رجلًا فقيرًا لا يملك إلا إزارًا بالمرأة التي جاءت تهب نفسها لرسول الله ﷺ[11].

وكل هذه الأحاديث صحيحة، وقد تقدم بعضها.

(2) الكفاءة في الأمور الأخرى غير الدين:

اعتبر الجمهور في الكفاءة مع الدين أمورًا أخرى، وهي: النسب، والحرية، والحرفة. وزاد الحنفية والحنابلة: اليسار (المال).

أما المالكية فالكفاءة عندهم في الدين، والسلامة من العيوب فحسب.

والذي يترجح من الأدلة أن الكفاءة في الدين فقط هي الشـرط المعتبر في النكاح؛ فلا تتزوج من كافر، ولا تتزوج من زان إلا أن يتوب، وكذلك لا يتزوج الزانية إلا أن تتوب[12]. وأما المال والحسب والصنعة فهي لا تشترط في الكفاءة، وليست شـرطًا في النكاح، وعلى هذا فلو رضـيت المرأة الغنية الحسـيبة ووليها القريب منها بتزويجها من الفقير المولى، فالنكاح صحيح.

ولكن هل للمرأة وأوليائها أن ينظروا ويراعوا في الاختيار الأمور الأخرى غير الدين؟ أعني إذا جاء الكفء المسلم فهل للمرأة وأوليائها أن يعتبروا الأمور الأخرى ليبدوا رأيهم بالقبول أو الرفض؟

الراجح أن لهم اعتبار ذلك، فالشـرط الوحيد: (الدين)، لكن هذا لا يمنع حقهم أن ينظروا في مصلحة موليتهم، من باب الكمال وحُسن الاختيار؛ ودليل ذلك:

(1) حديث فاطمة بنت قيس أنها جاءت تستشـير النبي ﷺ وقد خطبها معاوية وأبو جهم رضي الله عنهما، ولا شك أن الكفاءة في الدين هنا موجودة فضلًا عن شـرف الصحبة، ولكن النبي ﷺ قال لها: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضـرَّاب للنساء»[13].

(2) عن بريدة رضي الله عنه قال: خطب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فاطمة، فقال رسول الله ﷺ: «إنها صغيرة»، فخطبها عليٌّ فزوجها منه[14]. قال السندي في حاشـيته على النسائي: (قوله: «فخطبها عليٌّ»، أي عقب ذلك بلا مهلة، كما تدل عليه الفاء، فعلم أنه لاحظ الصغر بالنظر إليها، وما بقي ذاك بالنظر إلى علي، فزوَّجها منه، ففيه أن الموافقة في السن أو المقاربة مرعية لكونها أقرب إلى المؤالفة، نعم قد يترك ذاك لما هو أعلى منه، كما في تزويج عائشة رضي الله عنها)[15].

(3) قوله ﷺ: «لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر»، وهذا يشعر بمراعاة رغبتها في خاطبها، ولا يلزمها الموافقة على من خطبها لمجرد كونه مسلمًا، بل لها النظر في أمرها، فلو كانت هذه الأمور غير معتبرة، لكان يجب على الفتاة أن توافق على كل مسلم خطبها، وهذا لم يقل به أحد.

أحكام وتنبيهات على الكفاءة:

(1) خلاصة ما تقدم: أن الكفاءة في الدين هي الشـرط الوحيد في النكاح، وأما ما عدا ذلك فليس بشـرط، لكن لكل من الزوجين وأولياء الزوجة حرية الاختيار بمن يناسبها ويقارنها، وتحسن معه العشـرة، وتتحقق معه دواعي الاستقرار والانسجام في الأسـرة، وتجنب دواعي الشقاق والضـرر والتنغيص، لكنها إن تنازلت عمن يناسبها من حيث الحسب والصنعة والمال ونحو ذلك، فزواجها صحيح لا شـيء فيه.

(2) من المنكرات الشائعة اختيار الفسقة، وتقديمهم على المؤمنين المتقين، ويكون الدافع لاختيارهم وترشـيحهم كثرة أموال هؤلاء الفسقة أو مناصبهم، وربما كانوا أصحاب وظائف محرمة، ومعرضـين عن طاعة الله عز وجل ، ومضـيعين لأوامره، وهؤلاء الأولياء سـيسألون أمام الله عز وجل عن تضـييعهم لبناتهم؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى سائلٌ كلَّ راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضـيعه؟ حتى يسأل الرجلَ عن أهل بيته»[16].

(3) قال الشـيخ محمد بن إسماعيل المقدم -حفظه الله-: (اعلم أن الفقهاء الذين تشددوا في اشتراط الكفاءة وتوسعوا فيه، قالوا: الرجل العالم هو كفء لكل امرأة، مهما كان سنها، وإن لم يكن له نسب معروف؛ وذلك لأن شـرف العلم دونه كل نسب وكل شـرف؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، وقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ سئل: من أكرم الناس؟ فقال: «يوسف بن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم»، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فأكرمهم عند الله أتقاهم»، قالوا: وليس عن هذا نسألك، فقال: «عن معادن العرب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)[17].

(4) قال ابن رشد رحمه الله في (بداية المجتهد): (ولم يختلف المذهب -أي المالكي- أن البكر إذا زوَّجها الأب من شارب الخمر، وبالجملة من فاسق، أن لها أن تمنع نفسها من النكاح، وينظر الحاكم في ذلك فيفرِّق بينهما، وكذلك إذا زوجها ممن ماله حرام، أو ممن هو كثير الحلف بالطلاق)[18].

(5) ينبغي للمرأة أن تختار صاحب الخلق والدين، ولو كان فقيرًا، بل إنها لو كانت غنية واختارته لدينه، واستعملت مالها في الدعوة إلى الله عز وجل لكانت مثابة عند الله، ولكان لها أسوة بأم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.

(6) ذهب أهل العلم إلى منع المرأة من الزواج من مبتدع؛ كالرافضـي والجهمي ونحوهم، وقد سئل شـيخ الإسلام ابن تيمية عن الرافضـي ومن يقول: لا تلزمه الصلوات الخمس؛ هل يصح نكاحه؛ من الرجال والنساء؟ فأجاب: (لا يجوز لأحد أن يُنكِح مَوليَّتَه رافضـيًّا، ولا من يترك الصلاة)[19].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة