ألفاظ وصيغ الطلاق
خريطة ذهنية لمسائل ألفاظ وصيغ الطلاق

الألفاظ التي وردت في القرآن تعبيرًا عن الطلاق ثلاثة: الطلاق، والفراق، والتسـريح.
الأول: لفظ الطلاق؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق:1].
والثاني: لفظ الفراق؛ كقوله تعالى: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق:2].
والثالث: لفظ التسـريح؛ في قوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ [البقرة:229]، ونحوه (السـراح) في قوله تعالى: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب:49].
واختلف العلماء في الألفاظ التي يقع بها الطلاق؛ فذهب ابن حزم إلى أنه لا يقع إلا بهذه الألفاظ الثلاثة فقط، ولم يوقع طلاقًا بغير هذه الألفاظ؛ سواء نوى الطلاق أم لم ينوه.
وهذا خلاف ما عليه جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة؛ فإنهم يوقعون الطلاق بغير هذه الألفاظ، وقد قسَّموا الألفاظ إلى صـريح وكناية:
فالصـريح: ما يقع به الطلاق، كأنت طالق، أو طلقتك، أو أنت طلاق.
والكناية: هو اللفظ الذي لم يوضع للطلاق، ولكنه يحتمله؛ كقول الزوج لزوجته: الحقي بأهلك، أو اعتدي، أو لست لي بزوجة، أو نحو هذا؛ فلا يقع به الطلاق إلا بالنية أو قرينة تدل عليه.
ويتفرع على هذا الأحكام الآتية:
(1) اعلم أن اللفظ الصـريح يقع به الطلاق ولو لم ينوه، هذا من حيث القضاء، وأما من حيث الفتيا فيصدق فيما بينه وبين الله على نيته.
مثال: لو قال لزوجته: أنت طالق، ثم ادَّعى أنه قصد طالق من وثاق -يعني ليست مقيدة بحبل ونحوه- فإن رفعت المرأة أمرها إلى القضاء حكمنا عليه بالطلاق، ولا يقبل في ذلك بنيته، وأما إن صدَّقته المرأة لدينه واعتبرت كلامه، قبل منه فتيا، ولا يفتى لهما بالطلاق[1].
(2) الدليل على أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق ما يلي[2]:
أ- أن الله تعالى ذكر الطلاق ولم يعين له لفظًا، فعلم أنه رد الناس إلى ما يتعارفونه طلاقًا، فأي لفظ جرى عرفهم به وقع به الطلاق مع النية.
ب- أن الألفاظ لا تراد لعينها، بل للدلالة على مقاصد فاعلها، فإذا تكلم بلفظ دال على معنى، وقصد به ذلك المعنى، ترتب عليه حكمه.
جـ- أن الصحابة رضي الله عنهم أوقعوا الطلاق وهم القدوة بـ: «أنت حرام»، و«أمرك بيدك»، و«اختاري»، و«وهبتك لأهلك»، و«أنت خلية»، و«قد خلوت مني»، و«أنت برية»، و«قد أبرأتك»، و«أنت مبرأة»، و«حبلك على غاربك»، و«أنت الحرج»؛ فبعضهم يجعلها ثلاثًا، وبعضهم يجعلها واحدة بائنة، وبعضهم يجعلها واحدة وهو أحق بها -يعني واحدة رجعية- وهذا ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه.
(3) اعلم -رحمك الله- أن تقسـيم الألفاظ إلى صـريح وكناية -وإن كان تقسـيمًا صحيحًا في أصل الوضع- لكنه يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فليس حكمًا ثابتًا للفظ لذاته، فرب لفظ صـريح عند قوم كناية عند آخرين، أو صـريح في زمان أو مكان، كناية في غير ذلك الزمان والمكان[3].
(4) يرى بعض الفقهاء أن لفظ الكناية لا يقع به الطلاق إلا بالنية، وهو مذهب المالكية والشافعية، ويرى بعضهم أنه يقع بالنية، أو بقرينة الحال؛ كالذي يقع في حال الخصومة، أو جوابًا لسؤالها؛ كأن تقول له: طلقني، فيقول لها: الحقي بأهلك مثلا. وهذا مذهب الحنفية، وهو إحدى الروايتين في مذهب أحمد.
صـيغة الطلاق إما أن تكون منجزة، وإما أن تكون معلقة، وإما أن تكون صـيغة قسم[4].
هي التي يقصد من إصدارها إيقاع الطلاق في الحال؛ كأن يقول الزوج لزوجته: (أنت طالق)، وقد تقدم الكلام عليها، وحكم هذا الطلاق أنه يقع في الحال إذا تحققت شـروطه.
كقوله: «الطلاق يلزمني لأفعلن كذا وكذا»، أو لا أفعل كذا، فيحلف به حضًّا لنفسه أو لغيره، أو منعًا لنفسه أو لغيره، أو على تصديق خبر أو تكذيبه.
ومن هذه الصـيغ: «عليَّ الطلاق»، فالراجح في هذه الصـيغة أنه لا يقع بها طلاق، ورجح ابن تيمية رحمه الله أنه يمين، وكفارته كفارة يمين: إطعام عشـرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصـيام ثلاثة أيام.
كقوله: (إن دخلت الدار فأنت طالق)، ويُسمَّى هذا (طلاقًا بصفة)، وله حالتان:
الأولى: أن يكون قصد صاحبه الحلف ليحمل نفسه أو غيره على فعل أو ترك، ولذا يسميه الفقهاء: (التعليق القسمى)؛ فإنه لا يريد إيقاع الطلاق، بل يكره وقوعه، فهذا لا يقع به الطلاق، ويلحق بالقسم الذي قبله.
الثانية: أن يكون قصده إيقاع الطلاق عند الصفة، فهذا يقع به الطلاق -كما يقع المنجز- متى تحققت الصفة. ومن صور هذا النوع: أن يقول: (إذا طلعت الشمس فأنت طالق)، فإنه يقع الطلاق، لكن يرى بعضهم وقوعه في الحال، ويرى آخرون وقوعه عند طلوع الشمس.
مسائل وفروع في الطلاق المعلق ونحوه:
(1) اختلف العلماء في حكم إيقاع الطلاق بصـيغة التعليق السابقة، فيرى بعضهم إيقاع الطلاق به إذا حنث أو تحقَّق الشـرط، ويرى آخرون أنه لا يقع بحال؛ لأنه لم يثبت في الكتاب والسنة فهو تعد لحدود الله.
وتوسط آخرون على التفصـيل السابق الذي ذكرته -إن قصد الطلاق عند وجود الصفة وقع، وإن قصد التهديد أو الحث على شـيء لم يقع- وهو ما رجَّحه شـيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (هذا هو الصحيح في هذا المسألة، وهو الذي تقتضـيه الأدلة، وهو اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية)[5].
(2) اعلم أنه لم يَرِدْ في أيمان الطلاق شـيء عن الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه لم يقع في زمانهم، لذلك ننصح المسلمين بعدم الحلف بأيمان الطلاق.
(3) إذا علَّق الطلاق على شـرط ولم تكن الزوجة محلًّا للطلاق وقتها لم يقع الطلاق، فإذا قال لامرأة: إذا تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها: لا يقع الطلاق؛ لأنه حين قال مقالته لم تكن محلًّا للطلاق.
(4) إذا علَّق الطلاق على شـرط، ثم أراد إلغاء الشـرط بعد مدة، فهذا لا ينفعه، بل يظل الطلاق على شـرطه.
مثاله: إذا قال لزوجته: إن كلمت فلانًا فأنت طالق -وهو يريد إيقاع الطلاق حقيقة لو كلمته- ثم مضت مدة من الزمان، فقال: أريد أن ألغي، وقد سمحت لها بالكلام معه.
فالجواب: أنه لا يملك ذلك، بل يقع الطلاق على الشـرط.
(5) لو ادَّعى أنه نوى شـرطًا في تلفظه بالطلاق، مع أنه لم يتلفظ به، قبل منه ديانة، ولم يُقبل حكمًا.
مثال: قال لزوجته: أنت طالق، ثم قال بعدها: أنا أردت: إن كلمت زيدًا، ونويت ذلك بقلبي.
فحكمه: يقع الطلاق أمام القضاء -إن حاكمته المرأة- وأما إن صدَّقته ديانة ولم تقاضه فلا يقع.
(6) وكذلك إذا طلق بناءً على سبب من الأسباب، ثم تبيَّن أن السبب غير صحيح لم تطلق.
مثاله: قيل لرجل: إن زوجتك تفعل معصـية، فذهب إلى بيته وقال لزوجته: أنت طالق، ثم تبيَّن له أنها لم تفعل هذه المعصـية: لم يقع الطلاق ديانة، وإن حاكمته وقع قضاءً.
(7) هل يقع الطلاق على الفور أو على التراخي إذا تحقق الشـرط المعلق؟
الجواب: أن هذا يرجع إلى نية المطلق أو إلى قرينة تدل عليه.
مثال ذلك: قال لزوجته: إن خرجت فأنت طالق، ثم خرجت، فهل يقع الطلاق أو لا؟
الجواب: إن كان يقصد بالخروج خروجها الآن وقع فورًا، وإن كان يقصد الخروج في وقت معين وقع في هذا الوقت، وإن قامت قرينة تدل على إرادته الخروج لشـيء ما أو لمكان ما أو في وقت ما، فلا يقع الطلاق إلا مع حصوله.
(8) هل يتكرر الحنث إذا تكرر الشـرط؟ بمعنى: إذا قال لها: إن خرجت فأنت طالق، فخرجت ووقع الطلاق، ثم راجعها، ثم خرجت بعد هذه الرجعة؛ هل يقع الطلاق مرة ثانية؟
الراجح: أنه لا يكرر الحنث، ولا يقع الطلاق مرة ثانية، إلا إذا كرر الحلف مرة أخرى.
(9) إذا فعل المحلوف عليه ناسـيا، أو جاهلًا، أو مكرهًا، أو مخطئًا، أو نائمًا، أو متأولًا، أو معتقدًا أنه لا يحنث به تقليدًا لمن أفتاه بذلك، أو مغلوبًا على عقله، أو ظنًّا منه أن امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه بناءً على أن المرأة أجنبية؛ فالصحيح في كل هذا أنه لا يحنث، وكذلك إذا حلف على شـيء يغلب على ظنه أنه كذا ثم تبين له خلافه لا يحنث.
(10) إذا علق الطلاق على سبب، ثم زال السبب، لم يحنث بفعله؛ كأن يقول لها: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، وكان سبب ذلك أن في الدار فلانًا أو فلانة، ثم بيعت الدار لآخرين فدخلتها؛ فلا يقع الحنث، وكذلك إذا قال لها: إن كلمت فلانة فأنت طالق، وذلك لأن هذه المرأة سـيئة عاصـية، ثم تابت هذه المرأة وصلحت فكلمتها؛ فلا يقع الطلاق.
(11) إذا نطق بالطلاق خطأ لا يقع طلاقه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [الأحزاب:5]، ولكن إن قامت بينة أنه أوقع الطلاق، ولم يكن تلفظه خطأ؛ لم تقبل دعواه، وأوقعنا عليه الطلاق.
(12) قال الإمام مالك رحمه الله: (إذا قال: أنت طالق البتة - وهو يريد أن يحلف على شـيء - ثم بدا له فترك اليمين؛ فليست طالقًا؛ لأنه لم يرد أن يطلقها)[6].
ومعنى ذلك أنه أراد أن يطلق زوجته على شـرط، ولكنه في أثناء الكلام لم يكمله، فقال: (أنتِ طالق البتة)، وعندما أراد أن يذكر الشـرط؛ كأن يقول: (إن فعلت كذا...) توقف عن الكلام وتراجع عن ذكر الشـرط، فهذا لا يقع طلاقه.