كتاب اللعان

لغة: حصول التلاعن بين شخصـين، وأصل اللعن: (الطرد والإبعاد).
واصطلاحًا: شهادات مؤكدات بالأيمان من الجانبين -الزوج والزوجة- مقرونة بلعن من الزوج، وغضب من الزوجة.
أن يقذف الرجل زوجته بالزنا -والعياذ بالله- سواء قذفها بشخص معين، أو غير معين، أو نفى نسب ولدها منه، وليس لديه شهود على هذا القذف، ولم تقر هي بما قذفها به، فشـرع في حقه اللعان.
ثبتت مشـروعية اللعان بالكتاب والسنة:
أما (الكتاب): فقد قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴿ ٦ ﴾ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿ ٧ ﴾ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿ ٨ ﴾ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [النور:6-9].
وأما (السنة): فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشـريك ابن سَحْماء، فقال النبي ﷺ: «البينة أو حد في ظهرك»، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: «البينة وإلا حدٌّ في ظهرك»، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ﴾ ، فقرأ حتى بلغ ﴿ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ ، فانصـرف النبي ﷺ يقول: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» ثم قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي ﷺ: «أبصـروها؛ فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خَدَلَّج الساقين، فهو لشـريك بن سحماء»، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ: «لولا ما مضـى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»[1]. ومعنى «أكحل العينين»: أي به سواد في أجفان العين. «سابغ الأليتين»: ضخم الأليتين -وهي مقعدته- «خَدَلَّجَ الساقين»: ضخم ممتلئ الساقين.
وفي رواية أخرى عند مسلم من حديث أنس: «وإن جاءت به أبيض سبطًا قضـيء العينين فهو لهلال بن أمية»[2]. ومعنى «سَبِطًا»: السبط: الشعر المنبسط المسترسل، «قضـيء العينين»: فاسد العينين بكثرة دمع أو حمرة.
شروط اللعان[3]:
(1) أن يكون بين زوجين؛ سواء كان قبل الدخول أو بعده، فإن كان بين أجنبيين فلا لعان، ولكن إما حد القذف على القاذف إذا لم يأت بالبينة، وإما حد الزنا على المقذوف إذا جاء بالبينة.
(2) أن يرميها بصـريح الزنا، بأن يقول: زنيت، أو زنت، أو ينفي حملها منه، وأما إن قال لها: قبَّلك فلان، أو استمتع بك فلان من غير وطء، فهذا لا يثبت به اللعان؛ لأنه لا يثبت به القذف.
(3) أن تكذبه الزوجة، فإن أقرت بما رماها به أقيم عليها الحد، وكذلك إن سكتت فلم تنكر.
(4) أن يكون الزوج بالغًا عاقلًا مختارًا غير مكره حين يرميها بالزنا.
(5) أن يكون أمام الإمام أو نائبه (يعني أمام القضاء).
(6) أن يأتي كل منهما باللعان بعد إلقائه عليه من الإمام أو نائبه، كما في حديث هلال بن أمية.
(7) استكمال لفظات اللعان الخمس، فإن نقص منها لفظة لم يصح.
(8) أن يأتي بصورته كما نص عليه القرآن، وهناك خلاف فيما إذا استبدل لفظًا بمثله في المعنى.
(9) الترتيب: أي: في لفظات اللعان، وكذلك أن يقدم الرجل على المرأة.
(10) اشترط الفقهاء كذلك الإشارة من كل واحد منهما إلى صاحبه إن كان حاضـرًا، أو تسميته ونسبته إن كان غائبًا.
(11) اشترط بعضهم أن يكون باللغة العربية، إلا لمن لا يحسنها فله أن يلاعن بلغته.
(12) ويشترط التوالي بين الكلمات، والتوالي بين الجمل.
(1) يحضـر الزوجان أما الحاكم أو نائبه (كالقاضـي)؛ لأن النبي ﷺ أمر هلال بن أمية أن يستدعي زوجته إليه، ثم لاعن بينهما.
(2) ويستحب أن يكون بمحضـر جماعة من المسلمين، وأن يتلاعنا قيامًا؛ لأن النبي ﷺ قال لهلال: «قم فاشهد أربع شهادات....» إلخ.
(3) ويبدأ اللعان بالزوج، فيقوم ويقول: (أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي من الزنا)، ويقول ذلك أربع مرات، ويكفي أن يقول: «فيما رميتها به»، ولا يشترط قوله: (من الزنا).
(4) وبعد الأربع الشهادات يوقفه الحاكم، ويأمر رجلًا أن يضع يده على فيه حتى لا ينطق بالخامسة، ثم يعظه ويقول له: اتق الله فإنها الموجبة، عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، كل شـيء أهون من لعنة الله. ثم يأمر الرجل فيرفع يده عن فيه، فإن رآه يمضـي قال له: قل: (وأن لعنة الله عليَّ إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا).
(5) ثم يأمر المرأة بالقيام، ويقول لها: قولي: (أشهد بالله إن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا)، وتشـير إليه، تقول ذلك أربع مرات، ثم يوقفها بعد الرابعة، ويعظها كما تقدَّم مع الزوج، ويأمر امرأة أن تضع يدها على فيها، فإن رآها تمضـي على ذلك قال لها: قولي: (وأن غضب الله عليَّ إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنا).
إذا تم اللعان ترتب عليه ما يلي:
(أ) سقوط الحد عن الزوجين، فلا يقام على الزوج حد القذف ولا يعزر، ولا يقام على الزوجة حد الزنا.
فإن نكل الزوج عن اللعان أقيم عليه حد القذف، وإن نكلت الزوجة أقيم عليها حد الزنا في مذهب مالك والشافعي، وأما أبو حنيفة فقال: لا تحد، بل تحبس حتى تلاعن أو تقر بالزنا، وإن صدقته أقيم عليها الحد، وهذا مذهب أحمد أيضًا[4].
(ب) تثبت الفرقة بين الزوجين، ولا يحتاج إلى تفريق الحاكم، ولا إلى إيقاع الطلاق، بل متى وقع اللعان وقعت الفرقة بينهما.
(جـ) وتحرم عليه تحريمًا مؤبدًا، فلا يحل له أن يتزوجها أبدًا، حتى لو تزوجها غيره، ومع أنها محرمة عليه تحريمًا مؤبدًا؛ فإنه لا يكون محرمًا لها، فلا يحل لهما الخلوة، ولا يحل له النظر إليها، ولا السفر بها.
(د) انتفاء الحمل سواء نفاه الزوج وقت اللعان أم لا؛ لأن لعانه ينفي حملها، وفي هذه الحالة ينسب الولد للأم فقط، ويتعلق بهذا الحكم ما يلي:
(1) إن كان حملها سابقًا على ما رماها به، وعلم أنها زنت وهي حامل، فالولد له قطعًا، ولا ينفى عنه بلعانه، ولا يحل له أن ينفيه في لعانه؛ لقوله ﷺ: «الولد للفراش»[5]، وزناها لا يزيل حكم لحوقه به.
(2) وأما إن لم يُعلم حملها حال زناها الذي قذفها به، فهذا ينظر فيه:
فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من الزنا الذي رماها به، فالولد له، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر من الزنا الذي رماها به، نُظر: إن كان استبرأها (أي حاضت) قبل هذا الوقت، انتفى عنه الولد بمجرد اللعان؛ سواء نفاه أو لم ينفه، وإن لم يكن استبرأها ففيه احتمال أن يكون الولد منه، وأن يكون من الزنا. قال ابن القيم رحمه الله: (فإن نفاه في اللعان انتفى، وإلا لحق به؛ لأنه أمكن كونه منه ولم ينفه)[6].
(1) المسألة السابقة لا يعتمد فيها على شَبَهِ المولود، وإلحاقة بالشَّبَه، ولا بإجراء بحوث الجينات؛ لأن حكم اللعان قضـى على كل هذه القرائن، ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ قال: «إن جاءت به على كذا وكذا فلا أراه إلا صدق عليها، وإن جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا كذب عليها»، فجاءت على النعت المكروه، ومع هذا فلم يحكم على المرأة بالزنا، ولم يقم عليها الحد.
(2) إذا لاعنها وهي حامل، ونفى حملها؛ لا يحتاج إلى الملاعنة مرة أخرى بعد وضعها خلافًا لمن رأى ذلك؛ لأن هلال بن أمية نفى حملها، فنفاه عنه النبي ﷺ وألحقه بأمه.
(3) وإن استلحق الولد لحق به، أي: إذا اعترف بأن الحمل منه، فهو له، ولا يملك نفيه بعد ذلك، وكذلك إذا ولدت امرأته ولدًا فسكت عن نفيه ألحق به.
(4) إذا قذف الرجل امرأته بالزنا برجل بعينه، ثم لاعنها سقط الحد عنه لهما -أعني: للزوجة، ولمن رماها به- وأما إذا لم يلاعن، فيقام عليه حد القذف، وهل يقام عليه الحد مرتين (من أجل رميه للزوجة ورميه لمن زنا بها)، أو يقام عليه حد واحد؟ محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنه يقام عليه حد واحد؛ لأن النبي ﷺ قال لهلال: «البينة وإلا حد في ظهرك»، ولم يقل: حدان. وهذا بخلاف ما لو رمى أجنبية بالزنا برجل سمَّاه، فإنه إن لم يأت بالشهود حُدَّ حدين.
(5) اختلف العلماء في وقت الفرقة بين المتلاعنين، فرأى بعضهم أنها تحصل بمجرد القذف، وهذا قول ضعيف، وهو مخالف لرأي الجمهور الذين رأوا أنها لا تكون إلا (بعد اللعان)، ثم اختلفوا على ثلاثة مذاهب:
الأول: أنها تكون بعد لعان الزوج وحده، وهو قول الشافعي.
الثاني: أنها لا تحصل إلا بلعانهما جميعًا؛ لما ثبت في الحديث عن سهل قال: «مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما»[7]، ومعلوم أنهما لا يكونان متلاعنين إلا بعد لعانهما جميعًا، وهذا قول مالك وأهل الظاهر.
الثالث: أنها لا تحصل إلا بعد لعانهما، وتفريق الحاكم بينهما؛ لما ثبت في بعض روايات الحديث: «فرق رسول الله ﷺ بينهما»، وقال: «لا يجتمعان أبدًا»[8]، وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد.
(6) الصحيح أن الفرقة فسخ للنكاح، وأنها توجب التحريم المؤبد، فلا يجتمعان أبدًا؛ لما تقدَّم من الحديث، حتى لو أكذب نفسه بعد ذلك، فإنها لا تحل له على القول الراجح.
(7) في حكم صداق المرأة الملاعنة:
إن كان بعد الدخول فلا يسقط صداقها، بل تأخذه كاملًا؛ لما ثبت في الصحيحين قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: «حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها»؛ قال: يا رسول الله، مالي؟ قال: «لا مال لك، إن كنت صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فهو أبعد لك منها»[9].
وأما إن كان اللعان قبل الدخول؛ ففيه قولان للعلماء؛ بعضهم يرى سقوط المهر، وبعضهم يرى سقوط نصفه، والله أعلم، وأما السكنى والنفقة فالظاهر أنه لا نفقة لها ولا سكنى في جميع الحالات.
(8) انقطاع نسب الولد من جهة الأب، وهذا قول الجمهور، فلا يدعى ولدها لأب، هذا إذا لم يستلحقه بل نفاه، كما تقدم.
وفي هذه الحالة يلحق الولد بأمه فقط، ويتعلق بذلك ما يلي:
أ- لا يجوز أن ترمى المرأة بالزنا، وكذلك لا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه حد القذف، وهذا قول جمهور الأمة، وهو الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصـريحة.
ب- عصبة الولد انتقلت إلى أمه وعصباتها، فإذا مات حازت الميراث كله؛ لما ثبت في الحديث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ: «أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها»[10].