حجم الخط:

محتوى الدرس (178)

كتاب البيوع

أحكام البيوع

خريطة ذهنية لأحكام البيوع

جدول 95 كتاب البيوع

معنى البيع:

لغة: المبادلة، أو تمليك مال بمال.

شـرعًا: تمليك مال بمال بالتراضـي. وقال ابن مفلح: (تمليك عين مالية أو منفعة مباحة على التأبيد بعوض مالي، غير ربا ولا قرض). وحدَّه بعض الشافعية بقوله:(عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد).

شرح التعريف:

معنى المعاوضة: المبادلة، ومعنى (مالية): كل عين مباحة النفع؛ كالذهب والفضة، وكالأطعمة، والعقارات، وغير ذلك، ومعنى (ملك المنفعة)؛ كمن يشتري ممرًّا في دار غيره؛ كي يتمكن من الوصول إلى الشارع، فهذا يقال له: اشترى المنفعة، ولم يشترِ الممر ذاته، ومعنى (على التأبيد) أن ملكية الشـيء تنقل إليه نقلًا مؤبدًا ليس لأحد أن ينتزعها منه، وله حق التصـرف فيها كيف شاء.

فعلى هذا يكون معنى التعريف: (مبادلة) بين البائع والمشتري، وهذه المبادلة قد تكون «سلعة»، وقد تكون (منفعة)، وقد تكون نقدًا بنقد، لكن لا يدخل فيها الربا، ولا القرض.

ويترتب على تعريف عقد البيع ما يلي:

(أ) لا يدخل في المعاوضة: الربا، والقرض.

(ب) ويشمل جميع البيوع: فيشمل (البيع المطلق)، وهو بيع العين (السلعة) بالنقد، ويشمل (الصـرف): وهو بيع النقد بالنقد (بيع العملات)، ويشمل (المقايضة): وهو بيع العين بالعين (يعني: بيع السلعة بالسلعة).

(ج) عقد البيع ملزم للجانبين: البائع والمشتري.

(د) يتحقق برضا الطرفين، ولا يشترط فيه الإعلان كما هو الحال في عقد النكاح، فمتى تم بينهما التراضـي ولو سـرًّا فالعقد صحيح.

(هـ) البيع ناقل للملكية، فتنتقل ملكية البائع للمشتري، وملكية المشتري للبائع.


مشروعية البيع:

البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، وقال تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة:282]، وغير ذلك من الآيات.

وأما السنة: فعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا»[1]، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في أبواب البيوع.

وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز البيع في الجملة، والحكمة تقتضـيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبًا، وصاحبه قد لا يبذله له، ففي تشـريع البيع وسـيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج[2].

أفضل المكاسب:

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب، قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل، وتعقَّبه النووي بحديث المقدام الذي في الباب[3]، وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زراعًا فهو أطيب المكاسب؛ لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي والدواب؛ لأنه لا بد فيه في العادة أن يوكل منه بغير عوض. قلت -القائل ابن حجر رحمه الله: وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبي ﷺ وأصحابه، وهو أشـرف المكاسب؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى، وخِذلان كلمة أعدائه، والنفع الأخروي. قال: [أي النووي]: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا. قلت: -أي: الحافظ- وهو مبني على ما يحدث فيه من النفع المتعدي، ولم ينحصـر النفع المتعدي في الزراعة، بل كل ما يعمل باليد فنفعه متعد؛ لما فيه من تهيئة أسباب ما يحتاج الناس إليه، والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والعلم عند الله تعالى)[4].

فضل الاكتساب:

في الاكتساب والعمل فوائد كثيرة؛ أذكر منها:

(أ) فيه معنى التوكل على الله وطلب الفضل منه، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10].

(ب) يستعان به على الإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة:267].

(جـ) يتعفف به الإنسان عن ذل السؤال؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يحتطب أحدكم حُزمة على ظهره، خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه»[5].

(د) الانشغال به عن البطالة واللهو: قال الحافظ رحمه الله: (ومن فضل العمل باليد: الشغل بالأمر المباح عن البطالة واللهو وكسـر النفس بذلك)[6].

(هـ) في العمل قوة للأمة؛ لكثرة إنتاجها، وإغناء أفرادها، فيعود ذلك عليهم بالاستقرار النفسـي، والرعاية الصحية، واستغنائها عن أعدائها، والمهابة لها في أعينهم، وغير ذلك من الحكم والفوائد التي تعود على الأمة.

العمل سنة الأنبياء والصحابة رضي الله عنهم:

اعلم -رحمك الله- أن الاحتراف والتكسب قام به خير الخلق، وهم أنبياء اللـه صلوات الله وسلامه عليهم، ثم من بعدهم أصحاب النبي ﷺ، وقد تكاثرت الآيات والأحاديث في بيان ذلك:

قال تعالى عن داود عليه السلام: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [الأنبياء:80]، وقال تعالى: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10].

وعن المقدام رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»[7].

وثبت في الحديث أن نبي الله زكريا كان نجارًا[8].

وعمل موسى عليه السلام أجيرًا عشر سنين؛ كما قال الله تعالى حكاية عن الرجل الصالح: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿ ٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص:27، 28].

وقد تاجر النبي ﷺ في مال خديجة كما هو معلوم من سـيرته ﷺ، وسئل ﷺ: أكنت ترعى الغنم؟ قال: «وهل من نبي إلا وقد رعاها؟»[9].

وأما ما ورد عن عمل الصحابة رضي الله عنهم فمنه ما يلي:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أصحاب رسول الله ﷺ عُمَّالَ أنفسِهم، فكان يكون لهم أرواح، فقيل لهم: لو اغتسلتم؟»[10]، ومعنى «أرواح» أي: لهم روائح بسبب عملهم وعرقهم.

وعنها رضي الله عنها قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق قال: «قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسـيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف للمسلمين فيه»[11].

ومعنى الحديث أن أبا بكر كان صاحب حرفة يكتسب منها، فلما ولي الخلافة شغل عن حرفته لأمر المسلمين، ففرض له حاجته من بيت مال المسلمين يأكل منه هو وآله، وقوله: «وأحترف للمسلمين فيه»، أي: أنظر في أمورهم وتمييز مكاسبهم وأرزاقهم.

وعن أبي موسـى الأشعري رضي الله عنه أنه استأذن على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يؤذن له -وكأنه كان مشغولًا- فرجع أبو موسـى... الحديث، وفيه قال عمر رضي الله عنه: «أخفي على هذا[12] من أمر رسول الله ﷺ؟ ألهاني الصفق بالأسواق» يعني: الخروج إلى التجارة[13].

وعن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهم عن الصـرف، فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ، فسألناه عن الصـرف، فقال: «إن كان يدًا بيد، فلا بأس، وإن كان نسـيئًا فلا يصلح» [14]. و«الصـرف»: هو مبادلة النقد بالنقد، ويعرف الآن ببيع العملة، وسـيأتي بيان أحكامه في أبواب الربا.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة؟ وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخواني من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصُّفَّة، أعي حين ينسَوْن، وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه: «إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضـي مقالتي هذه، ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول»، فبسطت نمرة عليَّ، حتى إذا قضـى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسـيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شـيء[15].

وعن أنس رضي الله عنه قال: «قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد ذا غنى، فقال لعبد الرحمن: أقاسمك مالي نصفين وأزوجك، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فما رجع حتى استفضل أقطًا وسمنًا، فأتى به أهل منزله...» الحديث[16].

وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: كنت قينًا في الجاهلية، وكان لي على العاص ابن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، قال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﷺ، فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث، قال: دعني حتى أموت وأبعث، فسأوتي مالًا وولدًا فأقضـيك، فنزلت: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ﴿ ٧٧ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا [17] [مريم:77- 78]. و«القَيْنُ»: الحَدَّاد.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كانت زينب -يعني بنت جحش رضي الله عنها - امرأة صناعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله»[18].

وغير ذلك من الآثار والأحاديث الدالة على عملهم رضي الله عنهم.

آداب البيع والشراء:

ينبغي للبائع والمشتري أن يتخلقا بالآداب الشـرعية والأخلاق الإسلامية، وسوف أسوق هنا بعض هذه الآداب والأخلاق، بما يسـره الله لي من جمعه وترتيبه، وهذه الآداب هي:

(1) إخلاص النية:

فعليه أن يخلص نيته في طلب الرزق؛ لإعفاف نفسه، والنفقة على من يعولهم، وإعزاز المسلمين بكثرة ثرواتهم، ونحو ذلك مما يؤجر عليه العبد، ولا يكون همه جمع الأموال تكثرًا وبطرًا وأشـرا وإعجابًا.

(2) الأخذ بالأسباب:

وذلك بالدراسة الجيدة؛ لإتقان مهنة العمل الذي يريد أن يعمل فيه، ومعرفة إيجابياته وسلبياته، ومشاورة أهل الخبرة فيه، واتخاذ أحسن السبل التي في مقدوره لتحصـيل أحسن النتائج؛ لقوله ﷺ في الحديث: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شـيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشـيطان»[19].

(3) التوكل على الله:

وقد تقدم في الحديث السابق قوله ﷺ: «واستعن بالله»، فمن أخذ بالأسباب، عليه ألَّا يكون اعتماده على هذه الأسباب، بل توكله واستعانته بالله ، فليعلق قلبه بربه لتحصـيل الرزق: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3].

(4) عدم الانشغال عن الطاعات:

بل عليه مداومة التقوى، وهي من أقوى الأسباب في تحصـيل الرزق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿ ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2، 3].

وقد أثنى الله على المؤمنين بقوله: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37]. وذم آخرين بقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة:11].

وقال سلمان الفارسـي رضي الله عنه: «لا تكونن -إن استطعت- أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منه؛ فإنها معركة الشـيطان، وبها ينصب رايته»[20].

(5) طلب الرزق الحلال:

قال تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:100]. وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا [البقرة:168].

وثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «إن روح القدس نفث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»[21].

(6) اجتناب الشبهات:

فعن النعمان بن بشـير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس؛ فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيها، وإن لكل ملك حِمًى، وإن حمى الله محارمُه، ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلَحت صلح الجسد كله، وإذا فسَدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»[22].

وورد الذَّمُّ فيمن لا يبالي من أين أصاب المال: من حل أو حرام؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عـن النبي ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه؛ أمن الحلال أم من الحرام»[23].

(7) تعلم أحكام البيع والشـراء:

وهذا على الوجوب؛ لقوله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»[24]، فعليه أن يعرف صحيح العقود من فاسدها حتى لا يقع في الشبهات والحرام، ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف بالسوق، ويضـرب بعض التجار بالدرة، ويقول: «لا يبيع في سوقنا إلا من تفقَّه، وإلَّا أكل الربا، شاء أم أبى».

(8) السماحة في البيع والشـراء:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضـى»[25]. قال الحافظ رحمه الله: (فيه الحض على السماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحة، والحض على ترك التضـييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم)[26].

(9) تجنب الصخب بالأسواق:

أي رفع الصوت في المعاملة، فهذا يتنافى مع الوقار، وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقد سئل عن وصف رسول الله ﷺ في التوراة؛ فقال: «أجل، إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمَّيتك المتوكل، لا فظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السـيئة بالسـيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا»[27].

(10) إنظار الموسـر، والعفو عن المعسـر:

قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ [البقرة:280].

عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شـيئًا؟ قال: كنت آمر فتياني أن يُنظروا ويتجاوزوا عن الموسـر -وفي رواية: أُنظر الموسـر، وأتجاوز عن المعسـر- قال: فتَجاوز الله عنه»[28]. قال الحافظ رحمه الله: (فإذا أعسـر المديون وجب إنظاره، ولا سبيل إلى ضـربه ولا إلى حبسه)[29].

تنبيه: اختلف العلماء في تحديد الموسـر والمعسـر على أقوال، وأرجحها أن ذلك راجع إلى العرف؛ فمن كان حاله إلى مثله يعد يسارًا، فهو موسـر، وعكسه بعكسه، وهذا الذي اعتمده الحافظ في الفتح، ولنحوه نحا الشافعي حيث قال: (قد يكون الشخص بالدرهم غنيًّا مع كسبه، وقد يكون فقيرًا مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله).

(11) الصدق والأمانة:

على التاجر أن يكون صادقًا أمينًا، وليحذر الكذب والكتمان مع من يتعامل معهم من الشـركاء والعملاء؛ فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»[30].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ مر على صُبْرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني»[31].

قال عقبة بن عامر رضي الله عنه: (لا يحل لامرئ يبيع سلعة يعلم أن بها داء إلا أخبره)[32].

(12) عدم إنفاق السلعة بالحلف الكاذب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلف مَنْفَقة للسلعة مَمْحَقة للبركة»[33].

وورد في بعض الروايات: «الحلف الكاذب». ومعنى «مَنْفَقة»، أي: يكثر المشترون ويرغبون في سلعته، «مَمْحَقة» من المَحْق، وهو النقص والإعطال.

وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم»، فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»[34]. ومعنى «المسبل» الذي يطيل ثوبه أسفل الكعبين، والكعبان: هما العظمان الناتئان على جانبي القدم.

(13) الإكثار من الصدقات:

وذلك لكي يطهر المال مما قد يشوبه من شـيء من الإثم.

عن قيس بن أبي غرزة رضي الله عنه قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ -ونحن نسمى السماسـرة- فمر بنا رسول الله ﷺ فسمَّانا باسم هو أحسن منه؛ فقال: يا معشـر التجار، إن الشـيطان والإثم يحضـران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة»[35]. قال الخطابي رحمه الله: (السمسار: أعجمي، وكان كثيرٌ ممن يعالج البيع والشـراء فيهم عجمًا، فتلقنوا هذا الاسم عنهم، فغيره رسول الله ﷺ إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله: «فسمَّانا باسم هو أحسن منه»)[36].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة