حجم الخط:

محتوى الدرس (179)

شروط العقد

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بالشروط

جدول 96 من أحكام البيوع

[تمهيد]

قال الصنعاني رحمه الله: (وقد جعلوا شـروط البيع أنواعًا: فمنها في العاقد؛ وهو أن يكون عاقلًا مميزًا، ومنها في الآلة -يعني: الصـيغة- وهو أن يكون بلفظ الماضـي، ومنها في المحل -يعني المعقود عليه- وهو أن يكون مالًا متقوِّمًا، وأن يكون مقدور التسليم...)[1].

وسـيأتي معنى المال المتقوِّم[2]. وسوف أبين بمشـيئة الله هذه الشـروط على النحو الآتي:

أولاً: ما يشترط في صـيغة العقد:

[تمهيد]

حدَّد بعض الفقهاء لعقد البيع صـيغًا وألفاظًا مخصوصة للإيجاب والقبول؛ كأن يكون الإيجاب والقبول بصـيغة الماضـي، وأن يكون بلفظ البيع، والحقيقة أنه لا دليل على ذلك، بل المعتبر فيه حصول التراضـي؛ سواء كان ذلك بلفظ الإيجاب والقبول، أو بالمعاطاة التي تدل على التراضـي، وسواء كان ذلك بقرينة الإشارة أو الكتابة أو نحو ذلك، والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، وقول النبي ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس»[3].

فمتى حصل هذا التراضـي بأي صفة كانت فقد حصل المراد، وهذا اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في جميع العقود[4]، ورجَّحه ابن عثيمين رحمه الله[5].

قلت: مما يدل على ذلك ما قاله ابن قدامة رحمه الله: (إن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف... ولم ينقل عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه -مع كثرة وقوع البيع بينهم- استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلًا شائعًا... ولأن الإيجاب والقبول إنما يرادان للدلالة على التراضـي، فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة والتعاطي، قام مقامهما، وأجزأ عنهما؛ لعدم التعبد فيه)[6].

الإيجاب والقبول وما يقوم مقامهما:

(1) معنى المعاطاة: المبادلة الفعلية الدالة على التراضـي (بدون ذكر صـيغة بينهما)؛ مثل شـراء الخبز ونحوه من السلع؛ فيعطي المشتري النقود ويأخذ السلعة.

(2) قد تكون المعاطاة مع آلة صماء؛ كمن يضع مبلغًا في جهاز فيخرج له الجهاز زجاجة شـراب مباحة أو تذكرة سفر أو غير ذلك، فالبيع صحيح أيضًا.

(3) هل تصح العقود عن طريق آلات الاتصال الحديثة؟

الجواب: قرر المجمع الفقهي[7] أن العقود التي تتم عن طريق البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الكمبيوتر) أو عن طريق السفارات، قرر المجمع صحة العقد وانعقاده عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه (يعني عند وصول صـيغة العقد من أحد الطرفين للآخر)، وقبوله من الطرف الآخر، واستثنوا من ذلك عقود النكاح؛ لاشتراط الإشهاد، واستثنوا كذلك الصـرف (الصـرافة)؛ لاشتراط التقابض في نفس المجلس، وكذلك (بيع السلم) لاشتراط تعجيل رأس المال[8].

(4) يعد عرض البضائع في معارض الباعة مع بيان ثمنها عليها إيجابًا، والموافقة على شـرائها قبولًا.

(5) ويدخل في ذلك أيضًا الاكتتاب في أسهم الشـركات المساهمة؛ حيث تعد نشـرة الإصدار إيجابًا، وموافقة الجهة الأخرى قبولًا.

ثانيًا: شـروط المعقود عليه (السلعة):

(1) أن تكون العين مباحة النفع بلا حاجة، وعلى هذا: إذا كانت محرمة النفع كآلات اللهو والخمر فلا يجوز بيعها؛ لأن منفعتها محرمة. وكذلك إذا كانت العين (لا نفع فيها) كالحشـرات؛ فإنه لا يجوز بيعها[9]، وأيضًا إذا كان (النفع لحاجة) لا يجوز بيعه؛ لأن المقصود النفع المطلق الغير المقيد بالحاجة، وعلى هذا فكلب الصـيد ينتفع به لحاجة الصـيد، وليس نفعًا مطلقًا، ولذلك لا يجوز بيعه، حتى لو كان بيعه لأجل الصـيد؛ وذلك لعموم نهيه ﷺ عن بيع الكلب[10].

(2) أن يكون مالكًا لها أو يقوم مقام المالك؛ فلا يتصـرف في مال غيره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، ولقوله ﷺ لحكيم بن حزام رضي الله عنه: «لا تبع ما ليس عندك»[11].

والمقصود بمن يقوم مقامه: الولي، والوصـي، والوكيل، والناظر على مال الوقف.

(3) أن يكون مقدورًا على تسليمه؛ لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر»[12].

(4) أن يكون معلومًا برؤية أو صفة عند البائع والمشتري.

ثالثًا: شـروط المتعاقدين:

(1) أن يكونا أهلًا للتعاقد؛ بأن يكون كل منهما جائز التصـرف، ومعنى الجائز التصـرف: من جمع أربعة أوصاف: أن يكون حرًّا، بالغًا، عاقلًا، رشـيدًا.

(2) ويشترط أن يكون التعاقد بينهما عن تراض من كل منهما، فلا يصح البيع من مكره بلا حق؛ وذلك لأنه لا يكره أحد على بيع ما يملكه، وأما المكره بحق؛ كالمحجور عليه بفلس إذا أبى أن يبيع؛ فإنه يجبر على البيع من أجل أن يسدد للغرماء.

مثال: رجل عليه دين وأعلن إفلاسه، فللغرماء (أصحاب الديون) أن يطلبوا من الحاكم أن يحجر على أملاكه لكي يسدد ديونهم، وفي هذه الحالة إذا امتنع عن بيع أملاكه، أكرهه الحاكم على البيع، فهذا إكراه بحق.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة