حجم الخط:

محتوى الدرس (199)

باب القرض

معناه:

لغة: القطع.

وشرعًا: هو المال الذي يعطيه المقرض للمقترض ليرد مثله إليه عند قدرته عليه.

مشروعيته:

والقرض جائز بالسنة والإجماع.

أما (السنة): فعن أبي رافع أن النبي ﷺ استسلف من رجل بَكْرًا، فقدمت على النبي ﷺ إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضـي الرجلَ بَكْرَه، فرجع إليه أبو رافع، فقال: يا رسول الله لم أجد فيها إلا خِيَارًا رَباعيًا، فقال: «أعطه؛ فإن خير الناس أحسنهم قضاء»[1]. و«البكر»: هو الفتي من الإبل كالغلام من الآدميين، و«الرباعي»: ما أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة.

وأما (الإجماع): فقد قال ابن قدامة رحمه الله: (وأجمع المسلمون على جواز القرض)[2].

فضيلته وحكمه:

القرض مندوب إليه في حق المقرض، مباح للمقترض، وقد وردت في فضـيلته جملة من الأحاديث:

(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من نفَّس عن مسلم كُربة من كُرب الدنيا، نفَّس الله عنه كُربة من كُرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسـر على مُعسـر، يسـر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»[3].

(2) عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقة مرة»[4].

من أحكام القرض:

(1) قال الإمام أحمد رحمه الله: (ليس القرض من المسألة؛ لأن النبي ﷺ كان يستقرض).

(2) من أراد أن يستقرض، فليعلم من يسأله القرض بحاله، ولا يغره من نفسه، إلا أن يكون الشـيء اليسـير الذي لا يتعذر رد مثله.

(3) قال الإمام أحمد رحمه الله: (إذا اقترض لغيره ولم يعلمه بحاله لم يعجبني، وقال: ما أحب أن يقترض بجاهه لإخوانه، قال القاضـي أبو يعلى: يعني: إذا كان من يقترض له غير معروف بالوفاء، لكونه تغريرًا بمال المقرض وإضـرارًا به، أما إذا كان معروفًا بالوفاء لم يكره، لكونه إعانة له وتفريجًا لكربه).

من يصح منه القرض؟

لا يجوز عقد القرض إلا ممن يجوز له التصـرف؛ لأنه عقد تمليك، والمقصد منه: الإرفاق والإحسان إلى المقترض، ويصح بأي صـيغة تدل عليه.

على أي شيء يكون القرض؟

يجوز قرض المكيل، والموزون، والأطعمة، والحيوان، والثياب، وكل ما كان من عروض التجارة، وكذا الأموال. ويجب رد المثل عند الأداء، فإن تعذر المثل رد القيمة.

وما كان من الأمور التي يتسامح فيها، فلا يشترط فيها الوزن والكيل؛ كقرض الخبز والخمير؛ فعن معاذ بن جبل أنه سئل عن استقراض الخبز والخمير؟ فقال: (سبحان الله! إنما هذا من مكارم الأخلاق، فخذ الكبير وأعط الصغير، وخذ الصغير وأعط الكبير، خيركم أحسنكم قضاء، سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك).

لكنه يحرم عليه أن يشترط عليه أن يزيده، أو يعطيه الأجود، أو يقصد بقرضه ذلك.

القرض بشرط الزيادة أو المنفعة:

كل قرض شـرط فيه أن يزيده فهو حرام، وكذلك إن طالبه بهدية، ولا فرق في هذه الزيادة بين أن تكون في القدر أو الصفة.

لكنه إن زاده عند الأداء من غير شـرط ولا مواطأة، فذلك جائز؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كان لي على رسول الله ﷺ دين، فقضاني وزادني»[5].

ويتعلق برد القرض ما يلي:

(1) إذا شـرط عليه أن يعطيه القرض في بلد آخر، وكان لحملة مؤنة، لم يجز؛ لأنها زيادة، فإن لم يكن لحملة مؤنة، فجائز.

(2) إن أعطاه هدية في مدة القرض، فلا يقبلها، وأما إذا أهداه بعد الوفاء، فلا مانع من ذلك، فإن كان بينهما عادة بالتهادي في مناسبة ما، فأهداه كعادته، ولم تكن الهدية بسبب القرض، جاز له قبول الهدية، سواء كان ذلك قبل الوفاء أو بعده.

(3) إن قضاه في بلد آخر من غير شـرط، جاز، وكذلك إذا كتب له به حوالة (وتسمى في لغة الفقهاء سُفْتَجَة) لشخص آخر عليه مال له، فإنه يجوز أن يستوفي الحق منه.

استحباب التعجيل بقضاء الدين:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: «هل ترك لدينه من قضاء؟» فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: «صلوا على صاحبكم»، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن توفي وعليه دين، فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا، فلورثته»[6].

وفي مسند الإمام أحمد أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن أخيه؛ مات وعليه دين، فقال: «هو محبوس بدينه، فاقض عنه»، فقال: يا رسول الله، قد أديت عنه، إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة، فقال: «أعطها؛ فإنها محقة»[7].

تحسين النية في الدين:

ينبغي لمن يقترض من الناس أن يكون ناويًا الأداء محتاجًا لقرضه، ولا يكون مقصوده من ذلك إتلاف أموال الناس؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله»[8]. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (ظاهره أن الإتلاف يقع له في الدنيا، وذلك في معاشه أو في نفسه... وقيل: المراد بالإتلاف عذاب الآخرة... وفيه الترغيب في تحسـين النية، والترهيب من ضد ذلك)[9].

وعلى هذا فيحرم مماطلة الغني الواجد لما يسد به الدين لصاحب الحق؛ لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فَلْيَتْبَع»[10]، وسـيأتي شـرح هذا الحديث في كتاب الحوالة.

إنظار المعسر والتجاوز عنه:

قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:280].

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مات رجل، فقيل له: ما كنت تقول؟ قال: كنت أبايع الناس، فأتجوَّز عن الموسـر وأُخفِّف عن المعسـر، فغفر له»[11].

الاستعاذة من الدين:

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة، ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم»، فقال له قائل: ما أكثرَ ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم؟ قال: «إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف»[12]. ومعنى «المأثم»: الإثم، و«المغرم»: الدين.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة