باب الحجر

لغة: المنع والتضـييق، وسمي العقل حِجْرًا في قوله تعالى: ﴿ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ [الفجر:5]، لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب القبائح.
شـرعًا: منع الإنسان من التصـرف في ماله.
ينقسم الحجر إلى قسمين:
وهو الحجر على الصبي والمجنون والسفيه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ [النساء:5].
كالحجر على المفلس، وحجر الرهن لحق المرتهن، ونحو ذلك. والكلام هنا على القسم الأول فقط، أما القسم الثاني فقد سبق الكلام عليه في موضعه.
قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ [النساء:5].
اختلف العلماء في الحجر على السفيه الذي لا يضبط ماله ولا يحفظه؛ قال ابن المنذر رحمه الله: (أكثر علماء الأمصار يرون الحجر على كل مضـيع لماله؛ صغيرًا كان أو كبيرًا)[1].
وقد نازع ابن حزم في الحجر عليه؛ إذ لم يأت قرآن ولا سنة بالحجر عليه؛ في عتق ولا صدقة ولا وقف ولا هبة، مما هو من فعل الخيرات. وأما ما ورد في بعض الآثار من رواية بعض الصحابة من الحجر على من غبن في بيعه، فهذه في قضايا خاصة، ولم يجابوا إلى ما طلبوا، وعلى هذا فإذا بلغ الإنسان وأونس منه الرشدُ، دفع وليه ماله إليه، إلا أن يصـرفه في فسق أو فيما لا مصلحة فيه.
ولذلك كان أعدل الأقوال ما ذكره الشوكاني رحمه الله في (نيل الأوطار)؛ حيث قال: (والسفه المقتضـي للحجر عند من أثبته هو صـرف المال في الفسق، أو فيما لا مصلحة فيه ولا غرض ديني ولا دنيوي؛ كشـراء ما يساوي درهمًا بخمسمائة، لا صـرفه في أكلِ طيِّب ولُبسِ نفيس، وفاخر المشموم؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ ﴾ [الأعراف:32]، وكذا لو أنفقه في القُرَب)[2].
ومما استدلوا به على أنه لا يحجر على كل سفه ما ثبت عن أنس: «أن رجلًا كان في عقدته ضعف، وأن أهله أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله احجر عليه؟ فدعاه رسول الله ﷺ فنهاه، فقال: يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع، فقال: «إذا بعت فقل: لا خلابة»[3].
ومعنى «لا خلابة»: لا خديعة. فنرى أن رسول الله ﷺ لم يحجر عليه مع أنه كان يخدع في البيوع.
لا خلاف بين أهل العلم في أنه يحجر على الصغير ويمنع من التصـرفات؛ حفاظًا على ماله من الضـياع؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ [النساء:5]، قال عكرمة: هو مال اليتيم عندك؛ لا تؤته إياه، وأنفق عليه.
يدفع المال إلى الصبي إذا تحقق فيه شـرطان:
الأول: بلوغه.
الثاني: أن يؤنس منه الرشد.
وذلك لقوله تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ ﴾ يعني اختبروهم في حفظ أموالهم ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا ﴾ أي مبلغ الرجال والنساء بالبلوغ ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾ أبصـرتم منهم حفظًا لأموالهـم، وصلاحًا في تدبير معايشهم ﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ [النساء:6]، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: البلوغ:
يعرف البلوغ بعلامات؛ بعضها يشترك فيه الغلام والجارية، وبعضها تختص بها الجارية:
(1) خروج المني من القبل يقظة أو منامًا،
بجماع أو احتلام، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ﴾ [النور:59]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ﴾ [النور:58]، وقال ﷺ: «رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم...»[4].
(2) إنبات الشعر حول ذكر الرجل أو فرج المرأة؛
لأنه لما حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه في بني قريظة أن تُقتل مُقاتِلتُهم وتسبى ذراريهم، أمر النبي ﷺ أن يكشف عن مؤتزرهم؛ فمن أنبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت ألحقوه بالذرية؛ يعني يعد من الأطفال.
والمقصود بالشعر: الشعر الخشن، ويشترط أن يكون إنباته بنفسه لا بمعالجة، فلو زرع شعرًا، أو عالج بدهون و(كريمات) أنبتت الشعر لا يحصل به البلوغ.
(3) السن:
وهو بلوغ خمس عشـرة سنة؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: «عُرِضت على رسول الله ﷺ وأنا ابن أربع عشـرة سنة، فلم يجزني في القتال، وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشـرة سنة، فأجازني»[5]. متفق عليه. زاد في رواية عند البيهقي وابن حبان: «ورآني بلغت».
وأما ما يتعلق بحق المرأة، فيزاد على ما سبق ما يلي:
لا خلاف بين أهل العلم أنه علامة على البلوغ.
لأن الله أجرى العادة أن الولد لا يخلق إلا من ماء الرجل وماء المرأة؛ قال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴿ ٥ ﴾ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴿ ٦ ﴾ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾ [الطارق:5-7].
ثانيًا: الرشد:
الشـرط الثاني لرد المال إلى الصغير المحجور عليه بعد بلوغه هو أن يؤنس منه الرشد. والمقصود به الرشد في تصـرفاته المالية. ولكن بم يعرف الرشد؟
قال ابن عباس رضي الله عنه: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾ [النساء:6] يعني صلاحًا في أموالهم. وقال مجاهد: إذا كان عاقلًا. وذلك بأن يعطيه بعض المال، فينظر في تصـرفه فيه؛ هل يحسن التصـرف أو لا.
هل يحجر على المرأة؟
الصحيح أن المرأة كالرجل، لا يحجر عليها؛ سواء كانت ذات زوج أم غير ذات زوج، إذا كانت قد بلغت وأُونس منها رشد. وقد ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشـر النساء تصدقن ولو من حليكن»[6]، وأنه قبل صدقتهن ولم يسأل هل استأذن أزواجهن أو لا؟
وكذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن امرأته زينب وامرأة أخرى تسمى زينب سألتا رسول الله ﷺ عن الصدقة: هل يجزين أن يتصدقن على أزواجهن وأيتام لهن؟ فقال: «نعم»[7].
والمرأة من أهل التصـرف؛ قال تعالى: ﴿ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ ﴾ [الأحزاب:35]، ولا حق لزوجها في مالها، فلا يملك الحجر عليها.
وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجوز لامرأة عطية إلا بـإذن زوجها»[8] فقد قال الخطابي: (حمله الأكثر على حسن العشـرة واستطابة النفس، أو يحمل على غير الرشـيدة)[9]. قلت: وحمله ابن قُدامة على أنه لا يجوز عطيتها من ماله إلا بإذنه.
يجوز للمرأة أن تتصدق بالشـيء اليسـير من مال زوجها من غير استئذانه غير متلفة لماله؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها، وله مثله بما كسب، ولها بما أنفقت، وللخازن مثل ذلك، من غير أن ينقص من أجورهم شـيء»[10].
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، ليس لي شـيء إلا ما أدخل عليَّ الزبير، فهل عليَّ جناح في أن أرضخ مما يدخل علي؟ قال: «ارضخي ما استطعت، ولا توكي فيوكي الله عليك»[11].
وأما الأحاديث الواردة في نهي المرأة عن النفقة من مال زوجها، فهي محمولة على ما تنفقه زائدًا عن المعروف بحيث يقع فيه الإفساد[12].
الفاسق إذا كان ينفق ماله في المعاصـي؛ كشـراء الخمر وآلات اللهو، أو يتوصل بماله إلى الفساد، فهو غير رشـيد، لتبذيره وتضـييع ماله في غير فائدة، وأما إن كان فسقه لغير ذلك؛ كالكذب ومنع الزكاة وإضاعة الصلاة مع حفظه لماله، دُفع إليه ماله؛ لأن المقصود بالحجر حفظ ماله، ويعرف رشده باختباره؛ لقوله تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ ﴾ الآية، ويختبر كل إنسان حسب مستواه، وهو محل اجتهاد الأوصـياء.
ووقت الاختبار: قبل البلوغ؛ لقوله تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾ [النساء:5]، وذلك من وجهين:
الأول: أنه سماهم يتامى، ولا يكون ذلك إلا قبل البلوغ.
ثانيًا: أنه مد اختبارهم إلى البلوغ.
لكن لا يختبر إلا المراهق المميز الذي يعرف المصلحة من المفسدة.
(1) لا تصح تصـرفات المحجور عليه لحظ نفسه، فلا يصح مثلًا أن يبيع أحد لمجنون أو لصغير ولا أن يقرضهم، فإن فعل، فإن المعاملة لا تصح، وله أن يرجع بعين ماله، فيأخذ سلعته أو قرضه؛ إلا أن يكون المحجور عليه قد أتلفه قبل أن يرجع عليه، فلا ضمان على المحجور عليهم في هذه الحالة.
(2) إذا جنى أحد من هؤلاء المحجور عليهم جناية على نفس أو مال، فيلزمهم ضمان ما أتلفوه، وإن كانوا غير مكلفين؛ لأن حق الآدمي لا يفرق فيه بين مكلف أو غير مكلف.
يرى كثير من العلماء أن أولى الناس بهم (الأب)، ثم (وصـيه) ثم (الحاكم)؛ يعني أنهم لا يُدخلون الجد أو الأعمام أو الأم، أو نحو ذلك، لكن إذا رأى الحاكم الولاية لأحد هؤلاء فله أن يجعله وصـيًّا عليهم.
(1) لا يتصـرف الولي في مال المحجور عليه إلا بالأحظ له (أعني للمحجور عليه)، وعلى هذا فلا يتصـرف تصـرفًا لا فائدة فيه، أو فائدته أقل من غيرها.
(2) إذا تصـرف الولي لحق المحجور عليه وهو يظن أنه الأحظ له، ثم ظهر خلاف ذلك، فهل يضمن الولي؟
الجواب: إن كان مفرطًا في البحث والتحري ضمن، وإن لم يكن مفرطًا فلا شـيء عليه.
(3) هل للولي أن يتجر في مال المحجور عليه؟
يرى كثير من العلماء أنه يتجر له مجانًا، فإن أراد أن يجعله مضاربة، ويأخذ سهمًا من الربح، فإنه يرجع إلى القاضـي ليقدر له ما يراه مناسبًا.
(4) للولي أن يأكل من مال المحجور عليه بالمعروف إذا كان هذا الولي فقيرًا، وأما إن كان غنيًّا، فليستعفف، ويكون عمله في ماله مجانًا.
(5) يقبل قول الولي والحاكم في النفقة على المحجور عليه، لكن الولي يقبل قوله مع اليمين، والحاكم يقبل قوله بلا يمين.
(6) إذا عين الأب وصـيًّا على ابنه، وكان الوصـي في حياة الأب مستقيمًا، ثم فسق، فإننا في هذه الحالة نضم إليه رجلًا أمينًا، وإذا رأى الحاكم عَزْله عَزَله.
(1) إذا دفع المال إلى البالغ الرشـيد، ثم عاود السفه، حجر عليه على الراجح.
(2) لا يَحجر على السفيه إلا الحاكم، بخلاف المجنون، فلا يتوقف على حجر الحاكم، وأما فك الحجر عن هؤلاء، فلا يشترط فيهم إذن الحاكم، فمتى بلغ الصغير ورشد، أو عقل المجنون، فُكَّ حجره، بخلاف المفلس، فلا بدَّ من إذن الحاكم؛ لأنه محجور عليه لحظ غيره.
(3) قال الإمام أحمد رحمه الله: (والشـيخ الكبير إذا اختل عقله، حجر عليه).
(4) ويستحب أن يُشهد على الحجر؛ ليظهر أمر المحجور عليه فيتجنب الناس معاملته، فإذا تم ذلك فباع واشترى، كان باطلًا، ورُدَّ المبيع والثمن كلٌّ لصاحبه، فإن تلف شـيء فهو من ضمان المشتري، ولا شـيء على السفيه؛ لأنه تعامل معه مع علمه بالحجر عليه. لكن إن أتلف السفيه شـيئًا بغير اختيار صاحبه كالغصب والجناية، فهو من ضمان السفيه؛ لأنه لا تفريط من المالك، ولأن الصبي والمجنون لو فعلا ذلك لزمهما الضمان فالسفيه أولى.