رابعًا: شركة المفاوضة:
المقصود بشـركة المفاوضة أن يشتركا في جميع أنواع الشـركة، أو أن يشترك اثنان فأكثر بالمساواة؛ مالًا ودَينًا وربحًا -وبعضهم لا يشترط التساوي في الدين- وأن يكون ذلك في عموم التجارات، ويرون أن كلًّا منهما وكيل عن الآخر، ويتحمل كل منهما عن الآخر الخسارة؛ فهذا النوع جائز عند الحنفية والحنابلة والمالكية، إلا أن الحنابلة قسموا هذا النوع من الشـركات إلى قسمين: قسم جائز وآخر غير جائز. قال ابن قدامة: (أحدهما: أن يشتركا في جميع أنواع الشـركة؛ مثل أن يجمعا بين شـركة العنان والوجوه والأبدان، فيصح ذلك. الثاني: أن يدخلا بينهما في الشـركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما؛ من ميراث، أو يجده من ركاز أو لقطة، ويلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر؛ من أرش جناية، وضمان غصب، وقيمة متلف، وغرامة الضمان، أو كفالة، فهذا فاسد)[1].
قلت: فالمفاوضة على المعنى الأول هي: أن يفوض كل منهما الآخر في كل نوع من أنواع الشـركات، فشـركة المفاوضة إذن جامعة لكل أنواع الشـركات.
تقسم أرباح الشـركة على حسب ما يتفقان عليه؛ سواء كان ذلك في شـركة العنان، أو الأبدان، أو الوجوه، أو المفاوضة؛ فيجوز أن يجعلا الربح بنسبة رأس المال، ويجوز أن يكون الربح مناصفة تفاضل رأس المال، أو العكس؛ يكون لأحدهما أكثر من نصـيب الآخر مع المساواة في رأس المال؛ وذلك لأنه ربما يكون أحدهما أخبر وأمهر من الثاني، فيكون لذلك اعتبار في الأرباح، وهذا واضح بالنسبة لشـركة العنان والوجوه.
وكذلك الحال في شـركة الأبدان؛ فيجوز أن توزع الأرباح بالتساوي بينهما، ويجوز المفاضلة؛ لأنها تنعقد على العمل، وقد يكون أحدهما أنشط أو أخبر.
وأما الخسارة فهي توزع على المشتركين بنسبة رأس المال؛ فإن كان المال بينهما نصفين فالخسارة توزع بينهما بالتساوي، وإن كانت رءوس الأموال ثلثًا وثلثين فالخسارة بنسبة 1: 2، والله أعلم. ومعلوم أن هذا الكلام ينطبق على شـركة المفاوضة؛ لأنها جامعة لجميع الشـركات.
وسـيأتي الكلام عن المضاربة وأنواعها وطريقة توزيع الأرباح والخسائر.
وهذه التقسـيمات التى سبق ذكرها مما تعارف عليه العلماء، وخلاصة ما تقدم أنه يحق للرجل أن يشارك غيره في شـراء شـيء وبيعه، ويكون الربح بينهما، أو يعمل هو وآخر في شـيء كذلك.
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بشركة المضاربة

أن يشترك أحد الجانبين بمال، ويقوم الآخر بالعمل، والربح بينهما على حسب الاتفاق، وتسمى أيضًا (القراض).
جائزة بالإجماع. ودليل مشـروعيتها: أن النبي ﷺ أقر ما كان يتعامل عليه الناس بالمضاربة، وضارب ﷺ في مال خديجة رضي الله عنها.
وكان حكيم بن حزام رضي الله عنه يشترط على الرجل إذا أعطى ماله مقارضة يضارب له به أن: «لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في بطن سـيل، فإن فعلت شـيئًا من ذلك؛ فقد ضمنت مالى»[2]. وروى الشافعي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى مال يتيم مضاربة[3].
(1) رأس المال يشترط أن يكون نقدًا في المضاربة عند جمهور العلماء، وجوز المالكية والظاهرية أن يعطيه عروضًا ويقول له: بعها بالنقود وضارب بها.
(2) تنقسم المضاربة إلى مضاربة مطلقة ومضاربة مقيدة؛ فالأولى أن يعطيه المال ولا يعيِّن له الزمان ولا المكان الذي يضارب فيه ولا نوع العمل، والثانية: هو أن يعيِّن له شـيئًا من ذلك؛ كأن يقول له: ضارب بمالي هذا في تجارة كذا، أو في سوق كذا.
(3) لا يجوز أن يشترط صاحب المال على المضارب أن يتحمل الخسارة؛ لأن الخسارة إنما تكون على رأس المال، ويكون المضارب قد خسـر جهده وعمله.
(4) عقد المضاربة غير لازم، أي: يجوز أن يفسخ بطلب أحد الشـركاء أو بانتهاء المدة. قال ابن حزم: (وأيهما أراد ترك العمل فله ذلك، ويجبر العامل على بيع السلع مؤجلًا)[4]. وهو كلام متفق عليه بين العلماء.
قلت: وتبطل المضاربة أيضًا بموت أحدهما.
(5) لا يجوز أن يخصص لأحدهما ربح مقدر، بل يكون الربح جزءًا مشاعًا كما تقدم، كما لا يجوز أن يخصص لأحدهما ربح صنف معين. قال ابن المنذر: (وأجمعوا على إبطال القراض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معدودة)[5].
(6) إذا فسدت المضاربة، فيرى كثير من الفقهاء أن الربح كله يكون لصاحب المال، ويكون للمضارب أجرة المثل.
(7) لا يجوز للمضارب بمال إنسان أن يضارب بمال أحدٍ آخر؛ إذا كان سـيضـر بالمضاربة الأولى، أو لم يرض صاحب المال الأول بذلك، فإن رضـي، أو كانت المضاربة ليس بها ضـرر بالأولى جاز.
(8) إذا تلف بعض المال، ولم تكن الأرباح قد قسمت؛ فتجبر الخسارة من الربح، وأما إذا كانت الأرباح قسمت، ثم تلف من رأس المال شـيء؛ فتكون الخسارة منه (أي من رأس المال).
أن أي خسـران يكون قبل القسمة أو قبل فسخ الشـركة، فهو خسارة من الربح، وأما بعد الفسخ فهو من رأس المال.
مثال: ربح ألف جنيه، ثم خسـر خمسمائة جنيه قبل أن تقسم الأرباح، فتخصم الخسارة من الربح، ويكون باقي الربح خمسمائة جنيه، يوزع عليهما حسب ما اتفقا.
وأما إذا قسم الربح (ألف الجنيه)، ثم خسـر بعد ذلك خمسمائة جنيه، خصمت هذه من رأس المال، ولا يتحمل المضارب شـيئًا.
هل الأفضل المشاركة، أو تصـرف الإنسان لنفسه؟
الجواب: لا يُجزم بواحدة منهما؛ فقد يحتاج إلى المشاركة فيكون ذلك أفضل، ولكن إذا لم يظهر له ترجيج فالأفضل الانفراد بماله، حتى لا يكون عليه تضـييق في التصـرف.