وتنقسم العقود الزراعية إلى ثلاثة أقسام رئيسة، وبيانها على النحو الآتي:
لغة: من السقي.
وشـرعًا: دفع الشجر لمن يقوم بسقيه وبتعهده، حتى يبلغ تمام نضجه، نظير جزء معلوم من ثمره. فالمساقاة إذن شـركة زراعية تشبه شـركة المضاربة.
المساقاة مشـروعة؛ بالسنة، والقياس الصحيح:
أما (السنة): فعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع»[1].
وروى البخاري أن الأنصار قالت للنبي ﷺ: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا»، فقالوا: تكفونا المئونة ونشـرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا[2].
وأما (القياس): فلأن ذلك من المصلحة، وحاجة الناس لذلك.
وصورة المساقاة: أن يدفع إليه الشجر، ويقوم الآخر بالسقي وتعهد الشجر حتى يثمر، فيقسم الثمر بينهما حسب ما اتفقا، على نسبة شائعة معلومة.
ذهب الحنابلة إلى أنها عقد جائز من الطرفين؛ يعني: يملك كل من المتعاقدين فسخه دون رضا الآخر. وذهب جمهور العلماء إلى أنها عقد لازم بين الطرفين؛ فليس لأحد الطرفين فسخ العقد ما لم يتراضـيا[3].
بيَّن النووي وظيفة عامل المساقاة، فقال: (عليه كل ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر، واستزادته، مما يتكرر كل سنة؛ كالسقي، وتنقية الأنهار، وإصلاح منابت الشجر، وتلقيحه، وتنحية الحشـيش والقضبان عنه، وحفظ الثمرة، وجذاذها، ونحو ذلك. وأما ما يقصد به حفظ الأصل، ولا يتكرر كل سنة؛ كبناء الحيطان وحفر الأنهار؛ فعلى المالك)[4].
قلت: والدليل على أن العامل عليه كل ما يتعلق بإصلاح الثمر أن الرسول ﷺ عامل أهل خيبر على أن «يعملوا فيها بأموالهم»، فدل على أن كل ذلك عليهم من أموالهم، إلا أن يتبرع صاحب الأرض، فذلك حسن.
(1) لا يجوز أن يحدد له الربح كمية من الثمر وزنًا أو كيلًا، إنما تكون على النسبة؛ كربع الثمار أو نصفها، أو نحو ذلك.
(2) لا يجوز كذلك أن يحدد لأحدهما ثمار نخل معين، بل يكون جميع الثمار على المشاع، وتقسم حسب النسبة المتفق عليها؛ فعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: «كنا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يُكري أرضه فيقول: هذه القطعة لي وهذه لك، فربما أخرجت ذه ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي ﷺ»[5].
(3) الراجح أن المساقاة تصح؛ سواء كان الشجر مما يثمر أو لا، وسواء كان الثمر مما يؤكل أو لا، وإذا كان الشجر مما ينتفع بأغصانه، فالفائدة إذن حاصلة من الطرفين.
(4) تصح المساقاة؛ سواء كان الشجر قد غرس بالفعل، فيسقيه له ويتعاهده، أو كان الشجر لم يغرس، فيغرس له ويسقيه ويتعاهده، وسواء كانت الشجرة التي غرست لم تثمر، فيتعاهدها إلى أن تثمر وتجذ ثمرتها، أو كانت قد بدأت في الثمرة، فاحتاج صاحب الشجر إلى من يسقيها ويتعاهدها، فيعامله على ذلك.
(5) إذا هرب العامل قبل أن يتم عمله؛ فعلى مذهب الحنابلة أن لصاحب الأرض الحق في فسخ العقد؛ لأن العقد غير لازم، وعلى مذهب الجمهور أنه عقد لازم؛ يرفع أمره للحاكم فيستأجر الحاكم من يتم العمل من مال العامل، وإن لم يتمكن من رفع أمره للحاكم، أشهدَ على العمل بنفسه أو الإنفاق عليه؛ لأن الإشهاد حال العذر كالحكم، هذا فى حالة أنه تمسك بحقه في العقد، وأما إن تبرع وأتم العمل متبرعًا فإن العامل يستحق أجرة عمله.
(6) إذا فسدت المساقاة لسبب يستوجب فساد العقد، كان الثمر كله لصاحب الأرض، وللعامل أجرة المثل.
(7) يجوز أن يكون عقد المساقاة مطلقًا دون أن يقيد بعدد من السنين، وفي هذه الحالة يجوز لصاحب الأرض إخراج العامل متى شاء، واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر وقال لهم: «نقركم ما شئنا». قال ابن حجر: (فيه دليل على جواز دفع النخل مساقاةً، والأرضِ مزارعةً من غير ذكر سنين معلومة، فيكون للمالك أن يخرج العامل متى شاء)[6].
لغة: مفاعلة من الزرع.
واصطلاحًا: أن يدفع أرضًا لمن يزرعها، بجزء معلوم شائع من إنتاجها، وتسمى أيضًا: المخابرة، والمحاقلة.
والفرق بينها وبين المساقاة: أن المساقاة تكون على الشجر، والمزارعة على الزرع؛ فالزرع مثل: القمح والذرة والشعير والأرز، والشجر مثل: النخيل والعنب.
الذي ذهب إليه جمهور العلماء صحة المزارعة؛ بدليل ما ثبت من حديث النبي ﷺ أنه عامل أهل خيبر، بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع.
(1) يشترط في المزارعة أن تكون على جزء معلوم مما يخرج من الأرض؛ كالثلث والربع ونحو ذلك مشاعًا، ولا يصح أن يخصص له مكانًا معينًا من الأرض ونحو ذلك، كما قيل في المساقاة.
(2) لا يشترط أن يكون البذر من صاحب الأرض، بل يجوز أن يأتي به العامل، ودليل ذلك:
أ- أن الرسول ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها، على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول الله ﷺ شطر ما يخرج منها[7]. ففي ذلك دليل على أن البذر من مال العامل، لأنه عاملهم على زراعة الأرض من أموالهم.
ب- وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه عامل الناس على أنه إن جاء بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا[8].
حكم كراء (إجارة) الأرض بالنقود:
ذهب بعض العلماء إلى منع إجارة الأرض بالنقود، وأنها لا تصح إلا بالمزارعة أو المساقاة على الوجه السابق، أو تكون منحة منه لا يتقاضـى عليها أجرًا.
وذهب جمهور العلماء إلى جواز كراء الأرض بالنقود، وهو الراجح؛ لما يلي:
(أ) عن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خديج رضي الله عنه عن كراء الأرض بالذهب والوَرِق؟ فقال: «لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ على الماذيانات وأقبال الجداول، وأشـياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلهذا زجر عنه، فأما شـيء معلوم مضمون فلا بأس به»[9].
ومعنى «الماذيانات»: ما ينبت على حافة النهر ومسايل الماء، و«أقبال الجداول»: أوائلها ورؤوسها.
(ب) عن سعد رضي الله عنه قال: كنا نكري الأرض بما على السواقي وما سعد بالماء منها، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة[10].
وأما الأحاديث الواردة في النهي عن كراء المزارع، فإن المقصود بها ما فسـره رافع بن خديج رضي الله عنه؛ بالنهي عن جعل ثمر شجر معين لأحدهما دون الآخر؛ لما يترتب على ذلك من الغرر والجهالة، فلا يجوز، وأما ما كان مشاعًا فجائز، وكذلك ما كان بالنقود.
أن يدفع الرجل أرضه لمن يغرس فيها شجرًا، ويكون الشجر بينهم. وهي قسمان:
(أ) أن يغرس الشجر وتكون «الأرض والشجر» بينهما، فهذه لا تصح إجماعًا، وإنما الأرض لصاحبها، والمعاملة تكون على الشجر فقط.
(ب) أن يغرس الشجر، ويكون «الشجر» فقط بينهما، والأرض لصاحبها، فهذه هي المغارسة الصحيحة على الراجح.
وعلى هذا؛ فالمغارسة إذا تم العقد فيها على الطريقة الأولى فهي فاسدة، ويكون جميع الغرس والشجر لصاحب الأرض، وأما العامل فله قيمة غرسه، وأجرة مثله فيما عمل.
مما سبق يتبيَّن أن المشاركات في العقود الزراعية ثلاثة:
(أ) المزارعة: أن يزارعه على الأرض بما ليس بشجر؛ كالبر والحنطة، ويكون الزرع بينهما.
(ب) المساقاة: أن يشاركه على تعهد الأشجار بجزء من الثمر، وتبقى الأشجار لصاحبها.
(جـ) المغارسة: أن يغرس له الشجر، وتكون الأشجار بينهما، أو الثمر بينهما، والأرض لصاحبها.