حجم الخط:

محتوى الدرس (221)

كتاب الشفعة

أحكام الشفعـة

خريطة ذهنية لأحكام الشفعة

جدول 125 كتاب الشفعة

تعريفها:

لغة: الشفعة مأخوذه من الشفع، بمعنى الضم.

ومعناها الشـرعي: انتزاع حصة الشـريك ممن انتقلت إليه بمثل ثمنها.

مثال لشـرح التعريف: رجلان شـريكان في أرض، فباع أحدهما نصـيبه لرجل آخر، فمن حق الشـريك الذي لم يبع نصـيبه أن ينتزع من المشتري ما اشتراه قهرًا، سواء وافق المشتري أم لم يوافق، لكنه يعطيه الثمن الذي اشترى به.

مشروعيتها:

ثابتة بالسنة والإجماع:

أما (السنة): فعن جابر رضي الله عنه أن الرسول ﷺ «قضـى بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصـرفت الطرق فلا شفعة»[1]. ومعني: «صـرفت الطرق»: حددت وبُيِّنَتْ.

وأما (الإجماع): فقد قال ابن المنذر: (وأجمعوا على إثبات الشفعة للشـريك الذي لم يقاسم، فيما بيع من أرض أو دار أو حائط)[2].

الحكمة من الشفعة:

شـرعت الشفعة لمنع الضـرر ودفع الخصومة، إذ لا ضـرر ولا ضـرار؛ لأن هذا الأجنبي الذي اشترى حصة الشـريك قد يُحدث ضـررًا؛ لسوء مشاركته أو غير ذلك.

استئذان الشريك في البيع:

إذا أراد الشـريك أن يبيع حصته من أرض أو دار أو بستان أو غير ذلك، فإنه يجب عليه أولًا أن يعرض على شـريكه ويستأذنه، فإن أذن له في البيع فليس له حق المطالبة بالشفعة بعد ذلك، وإن لم يأذن له، أو باع قبل أن يعرض عليه فللشـريك حق الشفعة في ذلك. قال ابن حزم: (لا يحل لمن له ذلك أن يبيعه حتى يعرضه على شـريكه أو شـركائه فيه، فإن أراد مَنْ يشـركه فيه الأخذَ له بما أعطى فيه غيره فالشـريك أحق به، وإن لم يرد فقد سقط حقه، ولا قيام له بعد ذلك إذا باعه ممن باعه. فإن لم يعرض عليه كما ذكرنا حتى باعه من غير من يشـركه فيه، فمن يشـركه مخير بين أن يمضـي ذلك البيع، وبين أن يبطله ويأخذ ذلك الجزء لنفسه بما بيع به)[3].

قلت: والدليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «قضـى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شـركة لم تقسم، رَبْعَة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شـريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به»[4]. و«الرَبْعَة»: الدار والمسكن ومطلق الأرض، و«الحائط»: البستان.

مناقشة لشروط الفقهاء في الشفعة:

أولًا: هل يشترط أن يكون المشفوع فيه عقارًا؟

المقصود بالعقار هو غير المنقول؛ كالأراضـي، والدور، والبساتين، فكل هذا يطلق عليه عقار، وأما المنقول فهو مثل الأثاث والسـيارات ونحو ذلك مما ينقل ويتحول عن مكانه، وقد اختلف الفقهاء؛ هل يشترط في الشفعة أن تكون من العقار فقط أو تصح في العقار والمنقول؟

(أ) فذهب جمهور العلماء إلى أن الشفعة لا تصح إلا في العقار وما يتصل به اتصال قرار كالفراش والبناء والأبواب، ودليلهم حديث جابر المتقدم: «الشفعة في كل شـركة لم تقسم رَبْعَة أو حائط».

(ب) وذهب الظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد، وعطاء إلى أن الشفعة في كل شـيء، وحجتهم في ذلك ما ثبت في بعض ألفاظ حديث جابر: «قضـى رسول الله بالشفعة في كل شـيء»، رواه الطحاوي بإسناد لا بأس به[5]، وروى نحوه عن ابن عباس مرفوعًا[6]، وأعل بالإرسال.

قلت: فالأرجح بذلك هو أن الشفعة تثبت في كل شـيء لا يقسم؛ لأن العلة الموجودة في الشفعة في الأرض هي نفسها في غيرها. أما إذا كانت مما تقسم فلا شفعة.

قال ابن حزم: (الشفعة واجبة في كل جزء بيع مشاعًا غير مقسوم بين اثنين فصاعدًا، من أى شـيء كان مما ينقسم أو لا، من أرض أو شجرة واحدة فأكثر، أو عبد أو أمة، أو من سـيف، أو من طعام، أو من حيوان، أو من أي شـيء بيع)[7].

ثانيًا: هل يثبت للجار حق الشفعة؟

تقدَّم في الحديث أن الشـريك أحق بالشفعة، ولكن اختلف الفقهاء في حق الجار في الشفعة:

(أ) فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه لا يثبت للجار حق الشفعة؛ لأن الشفعة فقط للشـريك، ولأنه إذا وقعت القسمة فلا شفعة كما ورد في حديث جابر المتقدم: «فإذا وقعت الحدود وصـرفت الطرق فلا شفعة»[8]. قالوا: فإذا كان الشـريك يسقط حقه في الشفعة بعد القسمة، فالجار من باب أولى لا شفعة له.

(ب) وذهب الحنفية والثوري وغيرهم إلى ثبوت الشفعة للجار؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الجار أحق بسقبه»[9]. و«السقب»: القرب والمجاورة. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر به وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا»[10].

والراجح من هذا أنه إذا وقعت الحدود وصـرفت الطرق فلا شفعة للجار؛ وذلك بأن يكون لكل منهما طريقه ومنافعه لا يشترك معه فيها غيره، وأما إن كان بينهما مشاركة في طريق وغيره فالشفعة ثابتة. قال ابن عثيمين: (فيؤخذ من هذا أنهما إن اقتسما وبقي الطريق واحدًا لم يصـرف، فالشفعة باقية، وهذا هو القول الراجح)[11].

وقال ابن القيم: (فإن الناس في شفعة الجوار طرفان ووسط؛ فأهل المدينة وأهل الحجاز وكثير من الفقهاء ينفونها مطلقًا، وأهل الكوفة يثبتونها مطلقًا، وأهل البصـرة يثبتونها عند الاشتراك في حق من حقوق الملك؛ كالطريق والماء ونحوه، وينفونها عند تميز كل ملك بطريقه، حيث لا يكون بين الملاك اشتراك، وعلى هذا القول تدل أحاديث جابر منطوقها ومفهومها، ويزول عنها التضاد والاختلاف)[12].

ثالثًا: هل تثبت الشفعة فيما لا تجب فيه القسمة؟

الأمور المشتركة منها ما يمكن قسمتها دون ضـرر على الشـريكين، ومنها ما لا يمكن قسمتها؛ لأنه لو قسم لحدث بذلك ضـرر.

مثال: أرض واسعة كبيرة، فإنها إذا قسمت لا يتضـرر أحد الشـريكين بالقسمة.

وإذا اشترك اثنان في أرض صغيرة (10م ×10م مثلًا) ففي هذه الحالة لو قسمت لوقع الضـرر على كل منهما؛ لأنهما لا ينتفعان بها.

والسؤال: هل يشترط في الشفعة أن تكون مما يمكن أن يقسم؟

الجواب: اختلف العلماء في ذلك على قولين؛ فيرى بعضهم أن الشفعة فيما يقسم فقط، وأما ما لا يقسم فلا شفعة فيه. ولكن الأرجح هو ثبوت الشفعة في كلٍّ منهما؛ سواء كان مما يقسم ومما لا يقسم، بل هي فيما لا يقسم أولى؛ لتحقق الضـرر فيها أكثر.

رابعًا: هل يشترط أن يكون المشفوع فيه خرج بعوض مالي؟

معنى السؤال أن الشـريك قد يخرج حصته بعوض؛ مالي كأن يبيع حقه، أو بعوض غير مالى؛ كأن يدفع نصـيبه صداقًا للزوجة فيعطيها حصته في أجرة العقار، ويمكن كذلك أن يخرجه بلا عوض، مثل أن يهبه، والسؤال الآن: هل الشفعة تثبت في أي وسـيلة انتقل بها الملك أو هي خاصة في المبيع فقط؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

الأول: لا شفعة إلا فيما كان بعوض مالي؛ أي: في المبيع فقط، أما إذا انتقل بعوض غير مالى؛ كالصداق، أو بلا عوض؛ كالهبة أو الصدقة، فلا شفعة فيها، وهذا مذهب الحنابلة والحنفية.

والثاني: جواز الشفعة في ذلك كله؛ وهو مذهب الشافعية والمالكية، وهو الراجح لتحقق معنى الشفعة فيه، إلا أن يكون على صورة قهريَّة كالإرث، فلا شفعة فيه. قال الشـيخ ابن عثيمين: (ولكن القول الراجح أنه إذا انتقل بغير عوض، فإن كان قهريًّا فلا شفعة، وإن كان اختياريًّا ففيه الشفعة)[13]. وبناء على هذا القول الراجح: فلو انتقل المال بالإرث فلا شفعة؛ لأنه انتقل بغير عوض على صورة قهرية. أما إذا وهب الشـريك نصـيبه، فللشـريك أن يشفع، ويكون الثمن من خلال تقدير قيمة الموهوب من لدن أهل الخبرة، فيعطى هذا المال إلى الموهوب له، وإلا فلا).

خامسًا: هل يشترط المبادرة بالشفعة؟

يرى فريق من العلماء أن الشفيع عليه أن يبادر في الأخذ بالشفعة فورًا، بعد علمه بانتقال ملك شـريكه، وإلا سقط حقه، وإلى هذا ذهب الجمهور، لكن المالكية لم يروا الفورية، لكنه يُمهل إلى سنة.

واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بقوله ﷺ: «الشفعة لمن واثبها»[14]، وبحديث: «الشفعة كحل العقال»[15]، ولكنهما حديثان ضعيفان فلا يعمل بهما.

وإذا كان الأمر كذلك، فإننا نرجع إلى الأصل، وهو ثبوت الحق للشـريك في الشفعة ما لم يثبت دليل يدل على رضاه بانتقال ملك شـريكه، والأولى أن يضـرب له أجل، فإن أراد الأخذ بالشفعة فله ذلك، وإلا سقط حقه بعد مضـي الأجل المحدد له. وكذلك يسقط حقه بالشفعة إذا رضـي بتصـرف شـريكه ببيع حصته أو هبته أو غير ذلك.

ويتفرع على حكم الشفعة ما يلي:

(1) يشترط أن يدفع الشفيع للمشتري قدر الثمن الذي وقع عليه العقد، فيأخذ الشفيع الشفعة بمثل الثمن إن كان مثليًّا، أو بقيمته إن كان متقومًا.

(2) إذا عجز عن دفع الثمن، سقطت الشفعة.

(3) يشترط أن يأخذ الشفيع جميع الصفقة، فإن أراد أن يأخذ بعض حصة شـريكه التي باعها سقط حقه في الكل.

(4) إذا كانت الشفعة بين أكثر من شفيع، وكانوا مختلفين في سهامهم، فإن لكل واحد منهم حقه في الشفعة بقدر سهمه، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. ويرى الحنفية وابن حزم أنها بالتساوي بينهم؛ لاستوائهم في سبب استحقاقها.

(5) هل الشفعة تورث؟

ذهب مالك والشافعي إلى أنها تورث، ولا تبطل بالموت، وأن الحق ينتقل إلى الورثة. وقال الحنفية: لا يورث حق الشفعة، حتى لو كان الميت قد طالب بها، ما لم يصدر حكم من الحاكم بها. وعند أحمد: لا تورث إلا أن يكون الميت طالب بها؛ سواء صدر حكم حاكم له بذلك أم لا.

Adobe Systems


شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة