حجم الخط:

محتوى الدرس (222)

كتاب العارية

أحكام العاريـة

خريطة ذهنية لأحكام العارية

جدول 126 كتاب العارية

معنى العارية:

إباحة المالك منافع ملكه لغيره بلا عوض على غير وجه التملك.

شـرح التعريف: إذا أعطى إنسان لآخر شـيئًا ينتفع به ثم يردُّه إليه، أي أن هذا الشـيء لا يفنى بالاستعمال، فيسمى هذا الصنيع: (عارية)، كمن يعير غيره أدوات المنزل، أو يعيره سـيارته، ونحو ذلك، وأما إذا كان الإعطاء يفنى فلا تسمى عارية، بل (منحة)، مثل أن يعطيه تمرًا يأكله، وعلى هذا فالعارية تختلف عن (الهبة)؛ لأن الهبة: تمليك للعين، وأما (العارية): فهي إباحة للانتفاع بالعين فقط ثم ردها لصاحبها.

مشروعيتها:

العارية من أعمال البر، وهي ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع:

أما (القرآن): فقد قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

وأما (السنة): ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة يقال له: المندوب، فركبه، فلما رجع قال: «ما رأينا من شـيء، وإن وجدناه لبحرًا»[1]. قال الأصمعي رحمه الله-: يقال للفرس: بحر، إذا كان واسع الجري، أو لأن جريه لا ينفد، كما لا ينفد البحر.

وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أدرُعًا، فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة»[2]، وفي ولفظ: «بل عارية مؤداة»[3].

وقد ذم الله من يمنعون إعارة غيرهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿ ٦ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:6، 7]. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «هو العواري: القدر والدلو والميزان»[4]، وهذا المعنى هو الثابت عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وأم عطية، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، ولا يعلم عن الصحابة خلاف ذلك.

وأما (الإجماع): فقد أجمعت الأمة على جواز العارية واستحبابها[5].

شروط العارية:

(1) أن يكون المعير (صاحب العارية) أهلًا للتبرع، وعلى هذا فولي مال اليتيم لا يعير مال اليتيم؛ لأنه غير مالك له.

(2) أن يكون النفع مباحًا، وعلى هذا فلا يجوز إعارة ما فيه نفع محرم.

(3) أن تكون العين المنتفع بها باقية بعد الانتفاع.

(4) القبض من المستعير؛ لأن الإعارة عقد تبرع، فلا تثبت إلا بالقبض كالهبة.

انعقاد العارية:

تنعقد العارية بكل ما يدل عليها من الأقوال والأفعال.

حكم الإعارة وآثارها:

قال الشـيخ ابن عثيمين: (العارية بالنسبة للمستعير جائزة، ولا تعد من السؤال المذموم؛ لجريان العادة بها، أما بالنسبة للمعير فإنها سنة، وهذا هو الأصل، وقد تجب أحيانًا)[6].

ثم ذكر مثالًا تجب فيه الإعارة: لو طلب منك شخص في برد شديد أن تعطيه رداءً يلتحف به، وجب عليك أن تعطيه. وقال ابن حزم: (والعارية جائزة، وفعل حسن، وهي فرض في بعض المواقع)، إلى أن قال: (ومن سألها إياه محتاجًا، ففرض عليه إعارته إياه إذا وثق بوفائه، فإن لم يأمنه على إضاعة ما يستعير أو على جحده فلا يُعِرْه شـيئًا)[7].

وأما عن الأثر المترتب على الإعارة: فقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الإعارة (تمليك المنفعة) للمستعير، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الإعارة (إباحة الانتفاع) فقط.

والفرق بين الرأيين أن القول الأول يبيح للمستعير أن يعير العارية لغيره، لأنها تمليك له، وعلى القول الثاني لا يباح له أن يعيرها لغيره، وهذا هو الراجح، والله أعلم؛ لأنه في الحقيقة لم يملكه ذلك، إنما ملكه أن ينتفع هو فقط، فلا يباح أن يعيره لغيره إلا بإذنه، ويكفي أن يحصل الإذن بحسب العرف. واتفق جميع المذاهب على أنه لا يجوز له إجارة العارية.

ضمان العارية:

اختلفت آراء المذاهب في حكم العارية؛ هل هي مضمونة أو أمانة؟ والفرق بينهما أنها إن تلفت؛ فإن قلنا: إنها مضمونة وجب عليه أن يرد مثلها إن كان لها مثل، أو قيمتها إن لم يكن لها مثل، وإن قلنا: إنها أمانة فلا يجب عليه شـيء، إلا إذا كان التلف بسبب تفريط أو تعدٍّ منه.

فيرى الحنفية أن يد المستعير على العارية يد أمانة لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تقصـير.

وذهب الشافعية إلى أن يده يد ضمان إذا تلفت بغير الاستعمال المأذون فيه، وأما إن تلفت بالاستعمال المأذون فيه فلا ضمان.

وذهب الحنابلة إلى أنها مضمونة مطلقًا؛ سواء تعدى أم لم يتعد.

وذهب المالكية إلى أن العارية إن كانت مما يخفى كالثياب فعليه الضمان مطلقًا، إلا إذا أتى ببينة، وإن كان مما لا يخفى كالعقار فلا ضمان.

والخلاصة: أنه إن فرط في حفظها ضمنها باتفاق العلماء، وإن لم يفرط ففيه النزاع المذكور، فعند الحنفية: لا ضمان عليه، وعند الشافعية والحنابلة عليه الضمان بقيمتها يوم تلفت، وعند مالك إذا تلفت بسبب معلوم ومعه بينة فلا ضمان، وإن ادعى التلف بسبب خفي لم يقبل منه.

قال الخطابي: (وقد اختلف الناس في تضمين العارية؛ فروي عن علي، وابن مسعود رضي الله عنهما: سقوط الضمان فيها، وقال شـريح والحسن وإبراهيم: لا ضمان فيها، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه. وروي عن ابن عباس، وأبي هريرة أنهما قالا: هي مضمونة، وبه قال عطاء والشافعي، وأحمد بن حنبل. وقال مالك بن أنس: ما ظهر هلاكه كالحيوان ونحوه غير مضمون، وما خفي هلاكه من ثوب ونحوه فهو مضمون)[8].

والراجح: أنه غير ضامن، وأن يده يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتعدي؛ لما ثبت أن النبي ﷺ لما استعار من صفوان أدرعًا قال له صفوان: أعارية مضمونة أم عارية مؤداة؟ قال: «بل عارية مؤداة»، فدل ذلك على أنها من باب الأمانات التي يجب ردها، ولا تضمن إلا بالتعدي.

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «العارية ليست بيعًا ولا مضمونة، إنما هو معروف إلا أن يخالف فيضمن»[9].

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «العارية بمنزلة الوديعة، ولا ضمان فيها إلا أن يتعدى»[10].

وهذا مذهب الحنفية، وابن حزم، ورجحه الشـيخ ابن عثيمين.

ملاحظات:

(1) وأما الحديث الذي استدلوا به على ضمان العارية بلفظ: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»[11]، فهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية الحسن عن سمرة، فهو منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة[12]، وأما ما ورد في بعض طرق حديث صفوان أن الرسول ﷺ قال له: «بل عارية مضمونة»، فكل طرقه ضعيفة، ولو صحت فإنها لا تقاوم الرواية التي ذكرناها وهي قوله: «عارية مؤداة»؛ لأن هذه أصح إسنادًا، ولأنه فرَّق فيها بين العارية المضمونة والمؤداة، حيث سأله: «أعارية مضمونة أم عارية مؤداة»؟ قال: بل عارية مؤداة.

(2) إذا تلفت العارية بتفريطه أو تعديه، فعليه الضمان بمثلها إن كان لها مثل، أو قيمتها إن كانت لا مثل لها، وتقدر القيمة يوم تلفها، لا يوم إعارتها.

استرداد العارية:

أولًا: يجب رد العارية لصاحبها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا [النساء:58]، وللمعير أن يسترد عاريته؛ لأنها ملكه وهو أحق بها، لكن إن كان في استردادها ضـرر بالمستعير أجل حتى يتقي ضـرره.

ثانيًا: تكاليف رد العارية على المستعير، أي: أنها إذا احتاجت إلى تكاليف في حملها ونقلها فهي على المستعير.

ثالثًا: إذا استعيرت العارية فتلفت فيما استعيرت لأجله فلا ضمان عليه، فإذا استعار مثلًا سـيارة فتلف الإطار (الكوتش) فلا ضمان، ولو استعار منشفة (فوطة) فذهب خملها فلا ضمان؛ لأنها تلفت فيما استعيرت له.

ملحوظة: إذا استعار كتابًا فكتب في حواشـيه، فهل يضمن الكتاب؟

الجواب: نعم؛ لأن هذا إتلاف على صاحبه، وتعد بغير حق.

رابعًا: هناك حالات تنقل فيها العارية من الأمانة إلى الضمان، وهي:

(أ) إذا ضـيعها ولم يحافظ عليها حتى سـرقت بتفريط منه.

(ب) إذا استعملها استعمالًا غير مألوف عادة.

(جـ) إذا خالف في شـرط شـرطه عليه المعير.

خامسًا: حكم ما حازه المستعير في وقت الإعارة من منافعها: كحلب الشاة، والانتفاع بصوفها، أو نتاجها، وثمار شجرة ونحوه، وأجرة سـيارة منحه أجرتها، ونحو ذلك؛ فكل هذه تكون حقًّا للمستعير، ولا يحل للمعير مطالبته بها.

من أنواع الإعارات:

(أ) إعارة الثوب:

يجوز أن يستعير الإنسان من غيره ما يتجمل به، ولا يكون ذلك من باب المتشبع بما لم يعط؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ أمر النساء أن يخرجن لمصلى العيد، فقيل له: إحدانا ليس لها جلباب، قال: «لتلبسها صاحبتها من جلبابها»[13].

وثبت أيضًا أن كعب بن مالك لما بُشـر بالتوبة أعطى ثوبه للبشـير، واستعار ثوبين غيرهما[14].

وقد كان لعائشة رضي الله عنها درع قطري على عهد رسول الله ﷺ، قالت: «فما كانت امرأة تقيَّن بالمدينة إلا أرسلت إليَّ تستعيره»[15]. ومعني: «تقين»: تزين.

قال الحافظ: (وفي الحديث أن عارية الثياب للعروس أمر معمول به مرغب فيه، وأنه لا يعد من التشبع)[16]، وقوله: إنه لا يعد من المتشبع؛ إشارة إلى حديث النبي ﷺ: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور»[17].

(ب) منيحة العنز:

والمقصود بها أن يعطي الرجل صاحبه ناقة أو شاة، ينتفع بحلبها ووبرها زمنًا، ثم يردُّها.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «نعم المنيحة اللقحة الصفي منحة، والشاة الصفي، تغدو بإناء وتروح بإناء»[18]، ومعني «اللِّقْحة» الناقة ذات اللبن القريبة العهد بالولادة، «الصَّفِيُّ»: الكريمة الغزيرة اللبن. «بإناء» أي: باللبن؛ يعني: تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشـي.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أربعون خصلة -أعلاهن منيحة العنز- ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة»[19]. قال حسان -راوي الحديث-: فعددنا ما دون منيحة العنز؛ من رد السلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق، ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشـرة خصلة.

(جـ) إعارة ما لا يضـر المعير:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره»[20]، قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضـين، والله لأرمين بها بين أكتافكم.

اختلف العلماء في معنى هذا الحديث:

فقيل: هو على الندب، وقيل: على الإيجاب، وهو ظاهر الحديث، ورجح الأولون الندب؛ لأنه لو كان واجبًا لما أعرضوا عنه، ويدخل في هذا المعنى كل ما ينتفع به المستعير، ولا ضـرر فيه على المعير، فإنه لا يحل منعه، وإذا منعه قضـى الحاكم به.

ثبت عن يحيى المازني أنه قال: كان في حائط جدي ربيعٌ لعبد الرحمن بن عوف؛ فأراد أن يحوله إلى ناحية من الحائط، فمنعه صاحب الحائط، فكلم عمر بن الخطاب، فقضـى لعبد الرحمن بن عوف بتحويله[21]، ومعنى «الربيع» النهر الصغير.

(د) من أنواع العارية:

الدار يبيح له سكنها، والدابة يبيح له ركوبها، والأرض يمنحه إياها ليزرعها، وإطراق الفحل لتحمل الإناث، والثياب ليلبسها، والأشجار ليأكل ثمارها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة