حجم الخط:

محتوى الدرس (224)

كتاب الغصب

أحكام الغصب

خريطة ذهنية لأحكام الغصب

جدول 128 كتاب الغصب

معنى الغصب:

لغة: أخذ الشـيء ظلمًا أو قهرًا جهارًا.

شـرعًا: الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق.

وهذا التعريف شامل لجميع الحقوق؛ سواء كان التعدي على مال منقول كالحيوان، أو عقار كالأرض والدور، ويشمل الاعتداء على المنافع، وسائر الاختصاصات؛ كحق الاحتجار (أي: إحياء الأرض الموات بوضع الأحجار على حدودها).

تحريم الغصب:

ثبت تحريم الغصب بالقرآن والسنة والإجماع:

أما (القرآن): فقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29].

وأما (السنة): فقوله ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»[1].

وقوله ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»[2].

وقوله ﷺ: «من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا، فإنه يُطَوَّقه يوم القيامة من سبع أرضـين»[3].

وأما (الإجماع): فقد أجمع المسلمون على تحريم الغصب، وهو معصـية من الكبائر، حتى ولو كان المغصوب شـيئًا يسـيرًا.

ضمان الغاصب:

(1) الغاصب يضمن ما غصبه؛ سواء كان المغصوب عقارًا (كالدور والأراضـي)، أو منقولًا (كالحيوان والأثاث)، وسواء كان عينًا أو منفعة.

(2) الراجح أن الغاصب يضمن زوائد المغصوب ونماءه، سواء كان منفصلًا أو متصلًا به، فمن النماء المنفصل: ثمرة الشجرة وولد الحيوان، ومثال المتصلة: السِّمَن للدابة، فكل ذلك إذا تلف ضمنه الغاصب.

مثال: غصب شاة، ثم أنتجت هذه الشاة، فمات الأولاد، فعلى الغاصب أن يرد الشاة، ويضمن ما مات من أولادها.

مثال آخر: غصب شاة، فسمنت عنده، ثم هزلت، فعليه رد الشاة، ويضمن السمن الذي فقدته.

(3) اختلف العلماء في ضمان منفعة المغصوب، والراجح ضمانه كذلك؛ لأنه عطَّل على صاحبها هذه المنفعة، فلو أنه غصب دارًا، فعليه أن يرد الدار وأجرة المثل، سواء آجره الغاصب أو لم يؤجره.

أحكام الغصب:

يتعلق بالغصب هذه الأحكام:

(أ) الإثم؛ لأن ذلك معصـية لقوله ﷺ: «من غصب شبرًا من أرض طوقه الله تعالى من سبع أرضـين يوم القيامة»[4].

(ب) وجوب رد المغصوب: يجب رد العين المغصوبة ما دامت قائمة؛ لقوله ﷺ: «لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًّا، وإن أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها إليه»[5].

ومع وجوب رد المغصوب، فإن مؤنة الرد على الغاصب.

(جـ) ضمان المغصوب إذا هلك، أو تلف عند الغاصب؛ سواء كان بفعله أو بغير فعله، أي أن عليه تعويض صاحب الحق. وطريقة الضمان أن يرد مثله إن كان المال مثليًّا، فإن لم يكن مثليًّا رد قيمته.

ملاحظات متعلقة بما سبق:

(1) الغاصب يجب عليه رد ما زاد من نماء فيما غصبه، لا يحل له منه شـيء؛ لأنه مال صاحبه، فإن هلك هذا النماء أو تلف ضمنه أيضًا، ووجب عليه أن يرد مثله إن كان مثليًّا، أو قيمته إن لم يكن مثليًّا، ولا يحل للغاصب من هذا النماء شـيء؛ لقولهﷺ: «ليس لعِرْق ظالم حق»[6]. ومعنى «لعِرْق ظالم»: هو الرجل يغرس في غير أرضه بغير إذن صاحبها.

(2) اختلف الفقهاء في حساب القيمة؛ هل تقدر يوم غصبه أو يوم رده، والراجح أنه يحسب بأعلى قيمة وصل إليها، حتى لو نقص الثمن عن ذلك؛ قال ابن حزم: (لأنه حين زاد ثمنه كان فرضًا عليه رده إلى صاحبه بجميع صفاته، فكان لازمًا أن يرده إليه وهو يساوي تلك القيمة، فإذا لزمه ذلك ثم نقصت قيمته فإنه لا يسقط رد ما لزمه رده)[7].

قلت: وهذا القول هو مذهب الشافعية، واختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية، والشـيخ عبد الرحمن السعدي، والشـيخ ابن عثيمين رحمهم الله.

(3) إذا بنى الغاصب في الأرض، أو غرس فيها زرعًا، فإنه يلزمه قلع الزرع أو هدم البناء وتسوية الأرض، ودفع أرش نقصها (ومعنى (الأرش) الفرق بين قيمة الأرض قبل الغصب وقيمتها بعد الغصب؛ لأن الأرض إذا زرعت نقصت قيمتها عما كانت، فعليه دفع هذا الفرق)، وعليه أيضًا أن يدفع قيمة أجرة الأرض مدة غصبه لها.

(4) إذا غصب نَوًى فزرعه، فإن الزرع لصاحب النوى لأنه ملكه، ولو غصب شـيئًا فخلطه بغيره مما لا يتميز؛ كأن يغصب زيتًا فيخلطه بزيت يملكه؛ فإن لم تنقص القيمة فهما شـريكان بقدر مالهما، وإن نقصت القيمة بهذا الخلط ضمنها الغاصب، وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه.

وإن كان خلطه بما يتميز عنه، وجب على الغاصب تخليصه حتى لو كلفه ذلك مؤنة كثيرة، ويمكن أن يقال: للقاضـي في ذلك نظر حيث المصلحة والمفسدة، فقد يأمر الغاصب بتعويض صاحب المال مثل ما اغتصبه باعتبار أنه لما خلطه صار كالمال التالف، وقد يأمر بتخليصه.

تصرفات الغاصب:

إذا تصـرف الغاصب في المغصوب ببيع أو إجارة أو غير ذلك، فكل هذه التصـرفات باطلة. فلو غصب دارًا وباعها، فالبيع باطل، ولا تنتقل الملكية للمشتري، وعلى المشتري أن يرجع على الغاصب باسترداد ما أخذه منه. ولو أجر دارًا مغصوبة فالإجارة باطلة، فلو أجرها بأقل مما تستحقه ضمن الغاصب الفرق، ولو أجرها بأكثر مما تستحق أعطى المالك ما تستحقه، ويعطيه الزيادة أيضًا، وليس للغاصب حق؛ لقوله ﷺ: «ليس لعِرْق ظالم حق»[8].

مثال: غصب شقة إيجارها يساوي ألف جنيه شهريًّا، فأجرها بخمسمائة جنيه، فيلزمه أن يرد الشقة لصاحبها، ويرد الأجرة الحقيقية (ألف جنيه)، ولا يقال: إنه أجرها بخمسمائة، وأما لو أجرها مثلًا بألف وخمسمائة، فإنه يعطي للمالك الألف والخمسمائة، وليس له حق في شـيء.

وهناك قول آخر: وهو أن تصـرفات الغاصب صحيحة لكنها موقوفة على إجازة المالك، أو يقال: إذا كان يلحق في إبطالها مشقة فإننا نمضـي التصـرف للضـرورة[9].

مسألة: إذا جهل الغاصب صاحبه:

إذا جهل الغاصبُ صاحبَ الشـيء المغصوب تصدق به عن صاحبه، على أن يضمن إذا ظهر صاحبه وطالبه به، بمعنى أنه إذا تصدق لأنه جهل صاحبه، ثم ظهر بعد حين وجاءه صاحب الشـيء المغصوب يطالبه به، فإنه يخيره بين أن يوافق على هذه الصدقة، وبين أن يعطيه غيرها وتكون الصدقة للغاصب، وهذا الحكم يقال في كل مال جهل صاحبه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة