أركان الوصية:
ركن الوصـية الإيجاب بأي لفظ يدل على الوصـية؛ كأن يقول: أوصـيت لفلان بكذا، أو أعطوا فلانًا بعد موتي كذا. وتنعقد باللفظ، وبالكتابة، وبالإشارة المُفهِمة لمن لا يقوى على النطق والكتابة كالأخرس، لكن إن كان قادرًا على الكتابة فالأولى أنها لا تنعقد إلا بالكتابة.
وأما القبول فإن الجمهور ينظرون فيه حسب الجهة الموصـى لها؛ على النحو الآتي:
(أ) فإن كانت لشخص معين فيرون أنه لا بد من القبول، إلا أن يكون هناك مانع[1]، ولا يصح قبوله إلا بعد الموت، أما قبل الموت فلا يصح قبول ولا رد. ولا يشترط أن يكون القبول متصلًا بالموت، فلو قبل بعد الموت بمدة صحت الوصـية.
(ب) وأما إن كانت الوصـية لجهة فركنها الإيجاب فقط؛ كأن يوصـي لمسجد، أو للفقراء، أو نحو ذلك.
(1) إذا قبل الوصـية بعد موت الموصـي ثبت مِلْكه؛ سواء قبضها أم لم يقبضها.
(2) إذا مات الموصـى له في حياة الموصـي بطلت الوصـية؛ لأنه لا يتحقق القبول بسبب موته.
(3) إذا مات الموصـي (صاحب الوصـية) أولًا، ثم مات الموصـى له قبل أن يقبلها أو يردها، انتقل الموصـى به (المال) إلى ملك ورثته (يعنى ورثة الموصـى له).
(4) إذا أوصـى لجنين أو لصغير أو محجور عليه، فالقبول يكون لمن له ولاية عليه.
(5) الجهات الموصـى إليها: يقوم بتسلم الوصـية من يمثلها؛ كالجمعيات والمستشفيات، فيتسلم الوصـية إدارتها.
(6) تقدم أنه لا يشترط القبول فورًا بعد الموت، ولكن هل لذلك حد محدد؟ يرى الشافعية أن للوارث أن يطالب الموصـى له بالقبول أو الرد، فإن امتنع بعد مطالبته فيعد امتناعه ردًّا للوصـية؛ لأن فيه دفعًا للضـرر عن الورثة[2].
(7) يجوز أن يقبل بعض الوصـية ويرد بعضها، ويجوز إذا أوصـى لجماعة أن يقبل بعضهم ويرد بعضهم، إلا إذا اشترط الموصـي عدم التجزئة فإنه يجب العمل بالشـرط.
أولًا: إذا حدد الموصـي موعدًا للملكية؛ كأن يقول مثلًا: أوصـيت لفلان بكذا يمتلكه بعد شهر من الوفاة، ففي هذه الحالة لا بد أن يراعى هذا الشـرط، فلا تثبت الملكية إلا بعد مرور الشهر بعد الوفاة.
ثانيًا: وأما إذا لم يحدد موعدًا للملكية، فيكون الحكم كالآتي:
(أ) إن قبل الموصـى له الوصـية عقب الوفاة مباشـرة، ثبت الملك له من وقت الموت.
(ب) أما إذا لم يقبل مباشـرة؛ كأن قبله بعد شهر مثلًا فقد اختلف الفقهاء؛ فرأى الشافعية والحنفية وهو المشهور من مذهب المالكية أن الملكية تثبت له من حين الوفاة أيضًا، ويرى الحنابلة وبعض المالكية أن الملكية تثبت له من حين القبول.
والراجح: هو الرأي الأول؛ لأن القبول شـرط لثبوت الملك وليس لصحة الوصـية، وعلى هذا فإن حكم المال في المدة التي بين الوفاة وقبول الموصـى له يكون موقوفًا؛ فإن قبل الوصـية كان المال له ونماؤه له كذلك، وإن لم يقبل الوصـية كان المال للورثة - أعني ورثة الموصـي - وكذلك نماؤه يكون لهم، أي: أن المال يكون من التركة.
شروط الموصي والموصى له[3]:
أولًا: شـروط الموصـي (صاحب الوصـية):
(1) يشترط في الموصـي أن يكون أهلًا للتبرع، وهو البالغ العاقل الحر، رجلًا كان أو امرأة، وتصح من المسلم والكافر.
قال ابن حجر: (ووصـية الكافر جائزة في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع)[4]. فلا تصح من المجنون والمعتوه والمغمى عليه، ولا تصح من السكران، وهذا مذهب الجمهور، وخالف الشافعية فأجازوا وصـية السكران بمعصـية، ولم يجيزوا وصـية السكران بغير معصـية، كمن شـرب دواء مسكرًا.
والراجح كذلك صحة وصـية المحجور عليه لسفه أو لفلس؛ لأنها لا تنفذ إلا بعد الوفاة، وفي حالة السفه ليس في الوصـية ضـرر على الغير، وفي حالة الفلس لا ضـرر على الغرماء أيضًا؛ لأنها لا تنفذ إلا بعد وفاء الديون لهم.
واختلفوا في صحة الوصـية من الصبي المميز، فمنعها الحنفية والشافعية في الأظهر، وصححها مالك، وأحمد، والشافعي في قول، وروى مالك في الموطأ أثرًا عن عمر أنه أجاز وصـية غلام لم يحتلم[5]، وقيد مالك صحتها بما إذا عقل ولم يخلط.
(2) يشترط أن يكون الموصـي مالكًا للموصـى به.
(3) يشترط أن يكون راضـيا مختارًا.
(4) يشترط لنفاذ الوصـية ألَّا يكون الموصـي مدينًا دينًا يستغرق جميع ماله، فيتوقف نفاذ الوصـية على أصحاب الحق؛ فإن أجازوها نفذت، وإن لم يجيزوها بطلت.
ثانيًا: شـروط الموصـى له:
الحالة الأولى: إذا كان الموصـى له شخصًا:
فيشترط ما يلي:
(1) أن يكون موجودًا (حقيقة أو تقديرًا)[6].
(2) أن يكون معلومًا (سواء كان شخصًا كزيد، أو نوعًا كأبناء فلان)، فلو قال: أوصـيت لأحد رجلين؛ لم تصح.
(3) يشترط أن يكون الموصـى له أهلًا للتملك والاستحقاق، فلو أوصـى لدابة؛ فيرى بعضهم عدم صحة الوصـية؛ لأن الدابة لا تملك، والراجح جوازها؛ لأن مقصوده: لعلفها.
(4) ألا يكون الموصـى له قاتلًا للموصـي، أي: أن القتل يمنع صحة الوصـية؛ سواء أجازه الورثة أم لا على الصحيح، وهذا رأي الثلاثة، وأما الشافعية فيرون جواز الوصـية والهبة للقاتل، بخلاف الإرث. واختلف المانعون في القتل المانع من الوصـية على النحو الآتي:
الحنابلة قالوا: هو القتل بغير حق؛ سواء كان عمدًا أم خطأ، وسواء كان مباشـرة أو تسببًا.
الحنفية قالوا: القتل الصادر من البالغ العاقل عدوانًا بغير حق أو عذر شـرعي، سواء كان عمدًا أو خطأ، بشـرط أن يكون مباشـرا لا متسببًا.
أما المالكية: فيرون جواز الوصـية للقاتل إذا علم الموصـي بمن قتله ولم يغير الوصـية، أو كانت الوصـية بعد الضـرب، وأما إذا أوصـى له ثم قتله؛ فإن الوصـية تبطل، وذلك بأن يكون القتل قصدًا وعمدًا، وأما القتل الخطأ فلا يبطل الوصـية.
ملحوظة: لا يشترط اتحاد الدِّين بين الموصـي والموصـى له، فتجوز وصـية المسلم لغير المسلم والعكس، بشـرط ألا يكون الموصـى له حربيًّا، ويرى بعض العلماء أن المرتد لا تصح له الوصـية؛ لأنه يجب قتله، ويصـرف ماله في بيت مال المسلمين.
(5) يشترط ألا يكون الموصـى له وارثًا، إلا إذا أجازه بقية الورثة بعد موت الموصـي، على أن يكون الوارث الذي يجيز الوصـية من أهل التبرع؛ فلا يصح من صغير أو معتوه...
ويرى بعض الفقهاء أن الوصـية باطلة عمومًا، وأما إجازتهم لها فليس تنفيذًا للوصـية، إنما هو حق لهم، أي: أنهم يهبونه مختارين من عند أنفسهم، وهذا رأي المالكية والظاهرية.
الحالة الثانية: إذا كان الموصـى له جهة:
يشترط أن تكون الجهة عامة (كالمستشفيات)، أو الشخص المعنوي (كالفقراء والمساكين)، ويشترط ألا تكون الجهة معصـية، أو كفرًا، أو يستعان بها على ذلك.
ثالثًا: شـروط الموصـى به (المال الذي أوصـى به):
(1) أن يكون مالًا؛ سواء كان نقدًا كالدراهم، أو عينًا كالعقارات، أو منافع، كسكنى الدار وزراعة الأرض.
(2) أن يكون المال متقومًا في عرف الشـرع، يعني: يباح الانتفاع به، فلا تجوز الوصـية بالخمر والخنزير، ولا الوصـية بلهو، وتصح بما فيه نفع مباح ككلب صـيد.
(3) أن يكون قابلًا للتمليك وإن كان معدومًا وقتها، كأن يوصـى بثمر نخله الذي لم يوجد بعد، وتجوز بالمجهول وبما لا يقدر على تسليمه؛ كالطير في الهواء، وتجوز الوصـية بالمشاع والمقسوم.
(4) أن يكون الموصـى به مملوكًا للموصـي وقت الوصـية، فلا يصح أن يوصـي بمال غيره.
(5) لا تنفذ الوصـية إذا كان عليه ديون تستغرق جميع ماله، إلا إذا أجازها الدائنون.
(6) لا تنفذ الوصـية إذا كانت زائدة على الثلث إذا كان للموصـي وارث، فما زاد على الثلث يوقف على إجازة الورثة، على أن تكون هذه الإجازة بعد الوفاة، وأن يكون المجيز من أهل التبرع.