ثانيًا: الكفـارات

الكفارة مشتقة من (الكَفْر) أي: الستر، فهي ستارة للذنب الحاصل بسبب الحنث في اليمين.
الكفارة مشـروعة بالكتاب والسنة والإجماع:
أما (الكتاب): فقد قال تعالى: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ [المائدة:89].
وأما (السنة): فقول النبي ﷺ: «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فأتِ الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك»[1].
وأما (الإجماع): فقد أجمع المسلمون على مشـروعية الكفارة في اليمين[2].
تجب الكفارة بالحنث في اليمين؛ سواء أكان في طاعة، أو في معصـية، أو في مباح. ولا خلاف بين أهل العلم أن الكفارة تجب بعد الحنث، لكنهم اختلفوا: هل تجزئه لو قدمها قبل الحنث؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنها تجزئ، وذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تجزئ، وعند الشافعية لا تجزئ بالصوم، وتجزئ فيما عداه.
والراجح من ذلك قول الجمهور؛ لما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير»[3]، فذكر الكفارة قبل الحنث، وتقدَّم في الحديث السابق تقديم الحنث قبل الكفارة.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ [التحريم:2]؛ قال الشـيخ ابن عثيمين: (يكفر عنه قبل الحنث، ويسمى «تحلة»؛ لأن الإنسان تحلل من حين كفَّر... ولهذا نقول: أداء الكفارة قبل الحنث «تحلة»، وبعد الحنث «كفارة»)[4].
إذا حنث في اليمين، فإن الواجب في الكفارة الآتي:
(أ) هو مخير بين إطعام عشـرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة؛ يختار أيها شاء، وهذا بإجماع العلماء.
(ب) فإن عجز، ولم تتوفر لديه القدرة المالية لأداء واحد من الخصال السابقة، لزمه صوم ثلاثة أيام.
وقت الكفارة وترتيبها وعلى من تجب:
(1) الكفارة واجب مطلق، ليس لأدائها وقت محدد، فيجوز أن يؤديها بعد الحنث مباشـرة، أو في أي وقت في العمر، ولكن الأولى المسارعة.
(2) لا ينتقل إلى الصـيام إلا بالعجز، لكنهم اختلفوا: هل المقصود بالعجز وقت الحنث، أو وقت أداء الكفارة؟
فالمعتبر عند الحنفية والمالكية وقت الأداء، أي: وقت الكفارة؛ فلو حنث وكان موسـرًا، ثم أعسـر وأراد أن يكفر جاز له الصوم.
وأما الحنابلة والظاهرية فالمعتبر عندهم وقت الحنث؛ فلو كان موسـرًا وقت الحنث وجب عليه الإطعام أو الكسوة أو العتق، ولا ينتقل إلى الصـيام بعد ذلك حتى لو أعسـر.
تنبيه: لو كان معسـرًا وشـرع في الصوم، ثم أيسـر؛ لم يلزمه الرجوع إلى العتق، أو الإطعام، أو الكسوة.
(3) حكم الكفارة عام: في حق العبد، والحر، والرجل، والمرأة، والمسلم، والكافر؛ لأن الله تعالى ذكر الكفارة والأصل في التشـريع أن يكون عامًا لجميع المكلفين، فدخل الكل في عمومه، إلا أن الكافر لا يصح منه التكفير بالصـيام؛ لأنه عبادة، وهو ليس من أهل العبادة.
أولًا: الإطعام:
قال الله تعالى: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ [المائدة:89]، ويتعلق بذلك ما يلي:
نصت الآية على إطعام عشـرة مساكين، فالراجح أنه لا بد أن يراعى العدد، كما هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وقد ذهب أبو حنيفة إلى جواز أن يطعم مسكينًا واحدًا عشـرة أيام، والراجح قول الشافعي وأحمد؛ لظاهر النص.
(2) مقدار الطعام ونوعه:
اختلف العلماء في تقدير الطعام؛ هل هو مقدر أو لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه مقدر بالشـرع، ثم اختلفوا في هذا التقدير، فيرى أبو حنيفة أنه صاع من تمر، أو شعير، أو دقيق، أو نصف صاع من قمح، ومذهب الشافعي أنه يجزئ المد، وهو قول الحنابلة.
وأما الإمام مالك فقد ذهب إلى أن الإطعام غير مقدر بالشـرع، بل يرجع فيه إلى العرف، وهو قول ابن حزم، واختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الأرجح؛ لأن الله أطلق الإطعام ولم يقدره. قال ابن تيمية: (والمختار أن يرجع في ذلك إلى عرف الناس وعادتهم، فقد يجزئ في بلد ما أوجبه أبو حنيفة، وفي بلد ما أوجبه أحمد، وفي بلد آخر ما بين هذا وهذا على حسب عادته؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ )[5].
(3) هل المقصود تمليك الطعام للفقير أو تحقيق الإطعام بالفعل؟
ذهب الجمهور: (المالكية، والشافعية، والحنابلة) إلى أنه لا بد من تمليك الطعام للفقراء؛ لأنه مال وجب للفقراء فوجب تمليكهم إياه كالزكاة، وعلى هذا فلا يجزئ لو غداهم أو عشاهم.
وذهب الحنفية -ورواية عن مالك ورواية عن أحمد، ورجحه ابن تيمية ونقله عن أكثر السلف- إلى أنه يجزئه أن يطعمهم بأي وجه كان؛ لأن المقصود حقيقة الإطعام وهو إباحته لهم، وهذا يجزئ بالتملك، ويجزئ كذلك بأن يغديهم أو يعشـيهم، وهذا القول هو الأرجح؛ لأن لفظ (إطعام) في الآية مطلق، لم يقيد بالتمليك.
تنبيه: الراجح في ذلك أنه يجزئه وجبة واحدة، وكذلك إذا أخرج الطعام (قوتًا) فيجزئه ما يكفي وجبة واحدة.
(4) هل تجزئ القيمة؟
لا يجوز عند جمهور العلماء إخراج قيمة الطعام والكسوة؛ عملًا بنص الآية: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ ، وخالف الحنفية؛ فأجازوا إخراج القيمة، والراجح قول الجمهور[6].
(5) المدفوع إليهم الطعام:
يدفع الطعام لمن توفرت فيهم الشـروط الآتية:
(أ) أن يكونوا مساكين: فلا يدفع لغيرهم، ولفظ المسكين عام يشمل (الفقير) و(المسكين)، إذ المقصود المحتاجون؛ سواء كان احتياجهم ظاهرًا، أو غير ظاهر.
(ب) أن يكونوا مسلمين: وهذا هو قول الجمهور، وأجاز الحنفية والظاهرية دفعه إلى الذمي؛ لدخوله في اسم المساكين، والآية لم تنص على تخصـيصه بالإسلام.
(جـ) أن يكونوا ممن يأكل الطعام:
القول الأول: لا يجوز دفعها لطفل لم يطعم، وهذا مذهب المالكية وهو قول لأبي حنيفة ورواية عن أحمد[7]؛ وذلك باعتبار أن الطعام إباحة لهم لكي يطعموه.
القول الثاني: يجوز دفعها له، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة وقول لأبي حنيفة[8]، وهذا قول أكثر الفقهاء، وذلك باعتبار أن الطعام تمليك لهم.
والراجح هو القول الأول؛ لأن المقصود سد الحاجة والجوع بالطعام، فإذا كان لم يطعم فلا حاجة له في ذلك.
ويمكن ترجيح القول الثاني بأن يقال: يطعم هذ الصغير بما يناسبه لأن لفظ (الطعام) يدخل فيه الشـراب؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ [البقرة:249]، وحديث زمزم: «إنها طعام طعم»، والصغير الذي لم يطعم يمكن أن يشـرب ما يقوم مقام الطعام؛ من اللبن ونحوه، والله أعلم.
ثانيًا: الكسوة:
ويصدق على ما يطلق عليه اسم الكسوة، وأن يكون ذلك على سبيل التمليك للمساكين.
ولم تحدد الكسوة بقدر، والراجح من ذلك ما يستر عامة البدن؛ بحيث يسمى لابسها مكتسـيا، وهذا يختلف حسب اختلاف البلاد وعاداتهم؛ لأن الله أطلق في الآية، ولم يقيدها بشـيء.
تنبيه:
مذهب المالكية، والشافعية، والظاهرية لا يجزئ أن يطعم بعض المساكين ويكسو بعضهم، بل إما أن يطعمهم جميعًا أو يكسوهم جميعًا؛ لنص الآية.
ومذهب أحمد وأبي حنيفة أن ذلك يجزئ؛ لأن كلا من الإطعام والكسوة مقصود للشارع، والتخيير بين الإطعام والكسوة من باب التيسـير على المكلف
ثالثًا: عتق رقبة:
اشترط جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- في عتق الرقبة أن تكون مؤمنة، وجعلوا هذا الشـرط أيضًا في عتق الرقبة في كفارة الظهار، وكفارة الجماع في رمضان. وأما الحنفية فقد ذهبوا إلى عدم اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في هذه الكفارات.
ومنشأ الخلاف بينهم أن الله أوجب في كفارة القتل الخطأ (عتق رقبة مؤمنة) فوصفها بالإيمان، ولم يذكر هذا الشـرط في كفارة الظهار، أو كفارة اليمين، وكذلك لم يوجب النبي ﷺ ذلك في كفارة الجماع في رمضان، فحمل الجمهور المطلق على المقيد، وجعلوا الشـرط عامًّا في جميع الكفارات. وأما الحنفية فلم يحملوا المطلق على المقيد، بل جعلوا كل نص على حدة.
قلت: وما ذهب إليه الحنفية قوي؛ لأن ما ذهب إليه الجمهور معترض: قال الشـيخ ابن عثيمين: (الحكم مختلف؛ ففي كفارة القتل: عتق وصـيام بدون إطعام، وفي كفارة الظهار: عتق وصـيام وإطعام، وكذلك في كفارة الجماع في نهار رمضان، وأما كفارة اليمين فواضح الاختلاف: طعام وكسوة وصـيام؛ يعني مع العتق)[9].
ثم ذهب الشـيخ إلى أن الأفضل عتق رقبة مؤمنة؛ لأن ذلك أبرأ للذمة، وأحوط للشبهات، أما إذا أعتق الرجل في هذه الكفارات رقبة غير مؤمنة، فلا نلزمه بإعادة الكفارة ونغرمه. وهذا القول فيه نظر، وهو مخالف لقول جمهور العلماء، وبيان ذلك أن (الرقبة) عند الإطلاق ينبغي أن تحمل على (المسلمة) ما لم يدل دليل على خلاف ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ [البقرة:177] فهي في المسلمين فقط كما تقدم في أبواب الزكاة.
رابعًا: الصوم:
قال تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴾ [المائدة:89]؛ أي: أنه إذا لم يجد رقبة، ولا إطعاما، ولا كسوة؛ فالكفارة في حقه صـيام ثلاثة أيام.
يخطئ كثير من الناس ويظنون أنه بمجرد الحنث وجب عليه صـيام ثلاثة أيام، ولكن الصحيح أنه لا يجب عليه الصوم إلا إذا كان معسـرا عن العتق، والإطعام، والكسوة.
وهل يجب الصـيام متتابعًا؟
القول الأول: عدم وجوب التتابع في صـيام كفارة اليمين مع كونه الأفضل، وهذا مذهب المالكية والشافعية في الأظهر من مذهبهم وهو مذهب أهل الظاهر، وأحمد في رواية[10].
القول الثاني: وجوب التتابع في صـيام كفارة اليمين، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وكذلك الشافعية في أحد القولين، ونقل بعضهم أن هذا قول لجمهور[11]؛ قال ابن عبد البر ؒ: (وأما صـيام الثلاثة أيام في كفارة اليمين لمن لم يجد ما يكفر به من إطعام عشـرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة: فجمهور أهل العلم يستحبون أن تكون متتابعات، ولا يوجبون التتابع إلا في: الشهرين اللذين يصامان كفارة لقتل الخطأ، أو الظهار، أو الوطء عامدًا في رمضان)[12].
الراجح في ذلك القول الأول؛ لأن الله أطلق في الآية، ولم يقيدها بكونها متتابعات؛ وأما ما استدل به أصحاب القول الآخر بقراءة ابن مسعود: (فصـيام ثلاثة أيام متتابعة) فهي لا تصح إسنادا. ولو صحت فلا يجب العمل بها.