حجم الخط:

محتوى الدرس (291)

خامسًا: حد الحرابة وحكم البغاة

معنى الحرابة:

لغة: الحرابة من الحَرْب - بسكون الراء - ضد (السِّلْم)، أو من (الحَرَب) - بفتح الراء - أي: السلب.

واصطلاحًا: هي كل فعل يُقصد به أخذُ المال على وجه تتعذر معه الاستغاثة عادة.

وقيل: هي البروز لأخذ مال، أو القتل، أو الإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة، اعتمادًا على القوة، مع البعد عن الغوث. ويقال لهم: (قطاع الطرق).

حكمها:

الحرابة حرام، ومن كبائر الذنوب، وقد أوجب الله فيها الحد؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة:33].

وثبت الإجماع على أن من قتل وأخذ المال وجب إقامة الحد عليه، ولا يسقط بعفو ولي المقتول ولا بعفو المأخوذ منه المال، ونقل الإجماع على ذلك ابن المنذر رحمه الله.

شروط المحاربة:

[تمهيد]

هناك شـروط في القاطع للطريق، وفي المقطوع عليه ليثبت الحد.

أولًا: شـروط القاطع (المحارب):

يشترط في قاطع الطريق أن يكون عاقلًا، بالغًا، فأما الصبي والمجنون فلا حد عليهما.

مسألة: اختلف أهل العلم: هل يشترط أن يكون قاطع الطريق ذكرًا؟

الجواب: اشترط الحنفية ذلك، وعلى هذا فالمرأة عندهم لا يقام عليها حد الحرابة، وأما الجمهور فإنهم يرون أن المرأة كالرجل في إقامة الحد، وهذا هو القول الراجح؛ لعموم الآية في إقامة الحد على المحاربين، فإنها لم تفرق بين رجل وامرأة.

الاشتراك في الحرابة واختلاف طرق القتل:

(1) إذا اشترك جماعة في قطع الطريق، وفيهم صبي أو مجنون؛ فالراجح أنه لا يسقط الحد عنهم، وإنما يسقط عن الصبي والمجنون فقط، وهذا قول الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة، خلافًا للحنفية الذين ذهبوا إلى أن هذه شبهة تدرأ الحد عن الجميع.

(2) إذا اجتمع محاربون، فباشـر بعضهم قطع الطريق، وكان بعضهم رِدْءًا لهم؛ أي: عونًا لهم، ولم يباشـروا القطع، فالراجح أن المُعِين يحد كالقاطع لوجود المحاربة، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، خلافًا للشافعية.

(3) هل يشترط حمل السلاح في قطع الطريق؟

الجواب: الراجح أنه لا يشترط ذلك، بل يكفي القهر والغلبة وأخذ الأموال.

(4) اشترط جمهور الفقهاء أن يأخذ قاطع الطريق المال مجاهرة، وأما إن أخذه خفية فإنه يكون سارقًا، ويقام عليه حد السـرقة.

(5) إذا احتال عليه حتى قتله غِيلة، فالذي ذهب إليه مالك، واختاره شـيخ الإسلام؛ أن هذا يكون حده حد الحرابة، ولا يكفي فيه القصاص.

ثانيًا: شـروط المقطوع عليه:

(1) أن يكون معصوم الدم؛ وهو المسلم، والذمي، والمستأمن، والمعاهد، وأما الحربي فليس بمعصوم الدم والمال.

(2) أن تكون يده صحيحة على المال؛ بأن كان مالكًا له، أو يده يد أمانة أو يد ضمان، وأما إذا كان سارقًا للمال فلا يجب الحد على القاطع.

ثالثًا: شـروط المقطوع فيه:

اشترط بعض الفقهاء عند الحنفية -وهو مذهب الحنابلة- أنه يشترط لإقامة حد الحرابة أن يكون قطع الطريق خارج العمران.

والصحيح ما عليه جمهور العلماء من المالكية والشافعية وغيرهم، وهو مذهب الظاهرية؛ أنه لا يشترط أن يكون خارج العمران، فمتى فقد الغوث كان ذلك قطعًا عليهم، والآية لم تنص على هذا القيد، بل قد تكون المحاربة إذا وجدت في العمران أعظم خوفًا وأكثر ضـررًا.

أحكام قطع الطريق (عقوباتهم):

تقدَّم بيان العقوبة في آية المائدة: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة:33].

لكن هل هذه العقوبات على التخيير أو أنها على قدر الجناية؟ فيه خلاف:

القول الأول: أنها على قدر الجناية، وهذا قول جمهور العلماء؛ من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، ودليلهم: ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسـير الآية قال: (المعنى: أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا مع القتل إن قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصـروا على أخذ المال، أو ينفوا من الأرض إن أرعبوا ولم يأخذوا شـيئًا ولم يقتلوا)[1].

ومع اتفاق أصحاب هذا القول على أن العقوبة للتنويع، إلا أنهم اختلفوا في كيفية هذا التنويع على النحو الآتي:

مذهب الحنفية: إن قتلوا معصومًا ولم يأخذوا مالًا قتلوا، وإن أخذوا المال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا وأخذوا المال كان الإمام بالخيار؛ إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم قتلهم أو صلبهم، وإن شاء لم يقطع وإنما يقتل أو يصلب.

ومذهب الشافعية والحنابلة: إن أخذوا المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخافوا نُفُوا من الأرض.

وبهذا نعلم أنهم اختلفوا في الصورة الثالثة؛ وهي: إذا أخذوا المال وقتلوا، واتفقوا في صورة أخذ المال فقط، وكذلك في صورة القتل فقط.

القول الثاني: أن العقوبة في جميع الحالات للتخيير، ومرجعها إلى اجتهاد الحاكم ونظره ومشورة الفقهاء، بما يراه أتم للمصلحة وأدفع للفساد، إلا أنه إذا قتل فلا بد من قتله.

ويتفرع على ذلك المسائل الآتية:

(1) اختلف العلماء في وقت الصلب؛ فعند الحنفية والمالكية: أن قاطع الطريق يصلب حيًّا، ثم يقتل مصلوبًا قبل نزوله؛ بأن يطعن بحربة.

وقال الشافعية والحنابلة: الصلب يكون بعد القتل؛ لأن في صلبه حيًّا تعذيبًا له وتمثيلا به.

وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجمع بين القتل والصلب؛ لأن الله أوجب عليه حكمًا واحدًا لا حكمين، بل الإمام مخير بين قتله، وبين صلبه، وعلى هذا فعنده أنه يصلب حتى ييبس ويموت، أو يقتل.

(2) اختلف العلماء في حقيقة النفي؛ فيرى بعضهم أن المقصود به الحبس حتى تظهر توبتهم، ويرى بعضهم أن المقصود به الإبعاد إلى بلد آخر بأن يشـردوا في البلاد.

قلت: المرجع في ذلك إلى الإمام، فقد يكون في نفيه إلى بلاد أخرى فساد وشـر بوجوده فيهم، فيكون السجن أنفع وأتم للمصلحة، وهذا اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية[2].

(3) إذا أخذ المحاربون المال، وأقيم عليهم حد الحرابة، فهل يضمنون المال؟

الراجح: نعم، يضمنون المال؛ لأنه حق لآدمي، وهذا مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.

(4) إذا تاب قاطع الطريق قبل قدرة السلطان عليه؛ سقط حكم الحرابة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:34].

فصل: في أحكام البغاة

تعريف البغي:

لغة: التعدي.

واصطلاحًا: الامتناع من طاعة من تثبت إمامته (الحاكم) في غير معصـية، بمغالبة، ولو تأولًا.

وقيل: هم الخارجون على إمام، ولو غير عدل، بتأويل سائغ، ولهم شوكة، ولو لم يكن فيهم مطاع.

حكمه:

يحرم الخروج على الإمام ولو كان غير عدل؛ لقوله ﷺ: «من نزع يده من طاعة إمامه، فإنه يأتي يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت مِيتةً جاهلية»[3].

أحكام البغاة:

قتالهم واستتابتهم:

البغاة إذا لم يكن لهم منعة ولا شوكة، فإن للإمام أن يأخذهم ويحبسهم حتى يتوبوا.

وإن كان لهم منعة وشوكة وتأهبوا للقتال، فإن الإمام يدعوهم إلى التزام طاعته، والرجوع إلى الجماعة، فإن أبوا قاتلهم أهل العدل حتى يهزموهم.

ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ، قال: «فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله»[4].

ويتفرع على قتالهم ما يأتي:

(1) ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من أدبر منهم لا نقتله، ولا نقتل أسـراهم، ولا نجهز على جريحهم، وخالف في ذلك الحنفية، والراجح قول الجمهور.

(2) اتفق الفقهاء على أن البغاة لا يضمنون ما أتلفوه حال القتال من نفس ومال؛ لأنهم قاتلوا بتأويل القرآن، ولأن في تضمينهم تنفيرًا لهم عن الرجوع إلى الطاعة.

(3) اتفق الفقهاء كذلك على أنه لا إثم ولا كفارة على أهل العدل بقتلهم أهل البغي، ولا يضمنون ما أتلفوه كذلك.

(4) أما الجرائم التي يرتكبها البغاة في غير الحرب، فالراجح ما ذهب إليه الشافعية؛ أن حكم البغاة في ضمان النفس والمال وما يستوجب الحد في غير حال الحرب؛ حكم أهل العدل.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة