حجم الخط:

محتوى الدرس (15)

القاعدة الثالثة (لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل)[1]

وهذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أن الحجة القائمة على أمرٍ من الأمور لا تعتبر ولا يُعتد بها إذا عارضها احتمالٌ، وكان هذا الاحتمال مستنداً إلى دليلٍ.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الفروع المبنية على هذه القاعدة:

انبنى على هذه القاعدة عددٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو أقر شخصٌ في مرض موته لأحد ورثته بدينٍ، فإن الإقرار يعد حجةً في الأصل في ثبوت الدين، ولكن هذه الحجة قد عارضها احتمالٌ، وهو إرادة نفع بعض الورثة وحرمان الباقين، وهذا الاحتمال مستندٌ إلى دليلٍ، وهو أن الإقرار إنما حصل من هذا الشخص في مرض موته، لذلك يبطل هذا الإقرار ولا يُعتد به، وذلك لأنه لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل.

وهذا في حال ما إذا اعترض باقي الورثة على هذا الإقرار، أما إنْ رضوا فالحق لهم، ولهم إسقاطه.

2- لو وكَّل شخصٌ شخصاً آخر في بيع شيء يخصه، فباع الوكيل ذلك الشيء لقريبه، فإن البيع يعتبر حجةً على إثبات ملك الشيء المبيع في الأصل، ولكن هذه الحجة قد عارضها احتمالٌ، وهو أن يقصد الوكيل بذلك البيع نفع قريبه المشتري، وهذا الاحتمال مستندٌ إلى دليلٍ، وهو وجود القرابة بين الوكيل والمشتري، لذلك يبطل هذا البيع؛ لأنه لا حجة مع الاحتمال المستند إلى دليلٍ.

وهذا فيما إذا اعترض الموكِّل على هذا البيع، أما إنْ رضي فالحق له، وله إسقاطه.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة تمثل مفهوم المخالفة للقاعدة الكبرى، وذلك أن اليقين يزول بما هو أقوى من الشك وهو اليقين، وبيانه في هذه القاعدة: أن الحجة إذا لم يُعارضها احتمالٌ مستندٌ إلى دليلٍ فهي تفيد اليقين، فيُعمل بها، أما إذا عارضها احتمالٌ مستندٌ إلى دليلٍ فإن هذا الاحتمال في هذه الحالة يُفيد اليقين أيضاً، وهو أقوى مما تفيده الحجة، فيزول ويرتفع يقين الحجة بيقين الاحتمال المستند إلى دليل.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة:

هذه القاعدة تتحدث عن الاحتمال المستند إلى دليلٍ، فهذا الاحتمال إذا عارض الحجةَ لم تعتبر حينئذٍ، والمفهوم المخالف لذلك أن الاحتمال إذا لم يكن مستنداً إلى دليلٍ فإنه يبقى احتمالاً مجرداً لا يقوى على معارضة الحجة، فيكون بمنزلة المعدوم[2]، ففي المثالين اللذين ذكرناهما لو أن المقرَّ أقرَّ بالدين في مرض موته لغير وارثٍ فإن احتمال نفعه احتمالٌ قائمٌ، ولكنه احتمالٌ غير مستندٍ إلى دليلٍ، فلا يعتبر هذا الاحتمال ولا يُلتفت إليه، وكذا لو أن الوكيل باع لغير قريبه فإن احتمال إرادته نفع المشتري احتمالٌ قائمٌ، ولكنه احتمالٌ غير مستندٍ إلى دليلٍ، فلا يعتبر ولا يُلتفت إليه، ومن هنا جاءت القاعدة المشخِّصة لحال هذا الاحتمال، وهي قولهم: (لا عبرة بالاحتمال غير الناشئ عن دليلٍ)[3].

خاتمة فيما تبنى عليه الأحكام شرعاً

الأحكام في الشرع تُبنى في الأصل على اليقين والعلم، وقد تُبنى على الظن للضرورة المتمثلة في أمرين[4]:

أولهما: أن الأخذ باليقين يتعذر في أكثر الصور.

ثانيهما: أن الغالب في الظن الإصابة، والخطأ فيه نادرٌ، والغالب لا يُترك للنادر.

وينبني على هذا الأمر الثاني أن الشك لا يُلتفت إليه في بناء الأحكام، ويُستثنى من هذا أنه يجوز البناء على الشك في حال الضرورة والحاجة، وهذه الضرورة وتلك الحاجة تظهر في موضعين:

الموضع الأول: عند تعذر التحقق، أي: عند تعذر الحصول على اليقين، أو ما قام مقامه، فإنه يُبنى الحكم على الشك، ومثاله: أن من اتُّهم بالردة، فأنكر وأقر بالشهادتين، فإنا نحكم بصحة إسلامه مع حصول التردد في مستنده: هل هو الإسلام السابق أو الإسلام المجدَّد؟ ولكن نجعل إسلام هذا الشخص المشكوك في بقائه كالمتحقق؛ نظراً لتعذر التحقق، وقيام الحاجة إلى البناء على الشك[5].

الموضع الثاني: عند وجود المشقة المترتبة على عدم البناء على الشك، ومثاله: أنه لو شك شخصٌ بعد فراغه من العبادة في ترك مأمورٍ من مأموراتها، فإن هذه العبادة تكون صحيحةً، ويُبنى الحكم بصحتها مع الشك فيها، وذلك لأنا لو كلَّفناه إعادة هذه العبادة لشق عليه ذلك؛ فإن المسلم لو كُلِّف أن يكون ذاكراً لما أداه من العبادة لتعذر عليه ذلك ولم يُطقه، فينبغي أن يُسامح فيه[6].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة