حجم الخط:

محتوى الدرس (22)

القاعدة الثالثة: (إذا تعارض مفسدتان رُوعي أعظمُهما ضرراً بارتكاب أخفهما)[1]

القاعدة الرابعة: (يُختار أهون الشرين)[2]

والكلام على هاتين القاعدتين في عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدتين:

أولاً: المعنى الإفرادي:

- أما لفظ (تعارض) فالتعارض هو التقابل بين الشيئين على سبيل التمانع.

- وأما لفظ (مفسدتان) فتثنية مفسدة، والمفسدة ضد المصلحة، وهي تفيد معنى الضرر[3].

- ولفظ (روعي) يعني نُظر ولُوحظ.

- ولفظ (الشرين) يعني الضررين. وقد ورد في عبارةٍ أخرى للقاعدة (يُختار أخف الضررين)[4].

ثانياً: المعنى الإجمالي:

إذا تقابل ضرران ولم يقع أحدهما بعد وكان أحدهما أعظم من الآخر وأشد في نفسه فإنه يُرتكب الضرر الأخف والأهون لإزالة الضرر الأشد[5].

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الدليل على القاعدتين:

يمكن أن يُستدل لهاتين القاعدتين بعموم الأدلة المتقدمة في القاعدة السابقة؛ وذلك أنه لا فرق في مراعاة شدة الضرر وخفته بين أن يكون الضرر واقعاً أو متوقعاً.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدتين:

1- لو أن شخصاً به جرحٌ إذا سجد سال دمه وإنْ لم يسجد لم يسلْ، فإنه يُشرع له أن يُصلي بدون سجودٍ؛ لأنه قد تقابل في حقه ضرران: إما ترك السجود، وإما الصلاة مع الحدث، والصلاة مع الحدث أعظم ضرراً من ترك السجود، فيُراعى الضرر الأعظم بارتكاب الضرر الأخف، كما أن ترك السجود يدفع عنه ضرراً وهو سيلان الدم فيُختار أهون الشرين.

2- لو أن شيخاً كبيراً لا يستطيع القراءة في الصلاة قائماً، ويستطيع القراءة قاعداً، فإنه يُشرع له أن يُصلي قاعداً؛ لأنه قد تقابل في حقه ضرران: إما أن يترك القراءة في الصلاة، وإما أن يترك القيام، وترك القراءة في الصلاة أعظم ضرراً من ترك القيام، فيُراعى الضرر الأعظم بارتكاب الضرر الأخف، ويُختار أهون الشرين.

3- أنه إذا لم يمكن القيام ببعض ما تدعو إليه الضرورة من الطاعات كالأذان والإمامة وتعليم القرآن والفقه إلا بأخذ الأجرة عليها فإنه يُشرع دفع الأجرة وأخذها على هذه الأعمال؛ لأن في ترك القيام بمثل هذه الأمور ضرراً أعظم من ضرر أخذ الأجرة عليها، فيُراعى أعظم الضررين بارتكاب أخفهما، ويُختار أهون الشرين.

4- أنه إذا لم يمكن إنقاذ الجنين في بطن الأم الحامل إلا بشق بطنها وكانت حياته مرجوَّةً، فإنه يجوز شق بطنها في هذه الحالة، وخاصةً في هذا الزمان الذي تيسرت فيه العمليات الجراحية؛ لأن الضرر في موت الولد أعظم من الضرر في شق بطن الأم، فيُراعى أعظم الضررين بارتكاب أخفهما، ويُختار أهون الشرين.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: علاقة هاتين القاعدتين بالقاعدة الكبرى:

هاتان القاعدتان تمثلان إحدى صور مفهوم المخالفة لقاعدة (الضرر لا يُزال بمثله) التي هي قيدٌ لقاعدة (الضرر يُزال) كما تقدم في القاعدة السابقة.

تنبيه: ذهب بعض العلماء والباحثين إلى أن القواعد الثلاث:

(الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف) و(إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما) و(يُختار أهون الشرين) بمعنىً واحدٍ[6]، وهذا ظاهرٌ من تأمل نصوص القواعد الثلاث.

إلا أن الشيخ أحمد الزرقا V قد مال إلى التفريق بينها، ووجه الفرق بينها: أن تخصص القاعدة الأولى، أي قاعدة (الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف) بما إذا كان الضرر الأشد واقعاً وأمكن إزالته بالضرر الأخف كما في الأمثلة المسوقة فيها.

وتخصيص قاعدة (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما) وقاعدة (يُختار أهون الشرين) بما إذا تعارض الضرران ولم يقع أحدهما بعد.

وقال: «وهذا أحسن من دعوى التكرار؛ إذ التأسيس أولى من التأكيد إذا أمكن، وإلى هذا التخصيص يُشير التعبير بــ(يُزال) في الأولى، وبــ (تعارض) في الثانية»[7].

القاعدة الخامسة (يُتحمل الضرر الخاص لدفع ضررٍ عام)[8]

والكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أنه إذا تقابل ضرران وكان أحدهما عامّاً والآخر خاصّاً، فإنه يُرتكب الضرر الخاص لإزالة الضرر العام.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الدليل على القاعدة:

يمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بما ورد عن زيد بن وهبٍ قال: مررتُ بالرَّبَذَة[9] فإذا أنا بأبي ذرٍّ رضي الله عنه، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟. قال: كنت بالشام، فاختلفتُ أنا ومعاوية في ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التَّوبَة: 34]، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه ذاك، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أنِ اقدمِ المدينةَ، فقدمتها فكثر الناس عليَّ، حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرتُ ذلك لعثمان، فقال لي: إنْ شئتَ تنحيتَ فكنتَ قريباً. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّروا عليَّ حبشيّاً لسمعتُ وأطعتُ[10].

ووجه الاستدلال منه: أن انتقال أبي ذرٍّ رضي الله عنه إلى الربذة ضررٌ خاصٌّ به؛ لما يترتب عليه من حرمانه من المكث في المكان الذي يرغبه، وفي بقائه في الشام أو المدينة ضررٌ عامٌّ؛ لما يترتب عليه من حدوث المنازعة للإمام، فرجَّح عثمانُ جانب دفع الضرر العام على جانب دفع الضرر الخاص، واحتمل أبو ذرٍّ ذلك أيضاً.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:

1- لو أن لشخصٍ جداراً قد مال على الطريق العام وُيخشى سقوطه على المارِّين فإنه يُشرع إجباره على هدم هذا الجدار، لأنه وإنْ كان فيه ضررٌ في هدمه، إلا أنه ضررٌ خاصٌّ، وما يقع بالمارِّين ضررٌ عامٌّ، ويُتحمل الضرر الخاص لدفع ضررٍ عام.

2- لو وُجد مفتٍ ماجنٌ[11] أو مبتدعٌ، أو طبيب جاهلٌ، أو مكارٍ[12] مفلسٌ ونحوهم، فإنه يُشرع الحجر عليهم، لأنه وإن كان فيه ضررٌ على كل واحدٍ منهم، إلا أنه ضررٌ خاصٌّ، وما يقع للناس من إفساد دينهم، وتضييع أرواحهم وأموالهم ضررٌ عامٌّ، فيُتحمل الضرر الخاص لدفع ضررٍ عامٍّ.

3- لو أن بعض التجار عمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام، فحبسه عنهم بقصد إغلائه عليهم[13] فإنه يجب على ولي الأمر أن يأمره بالبيع إزالةً للضرر عن عامة الناس، ويجوز لولي الأمر في هذه الحالة أن يُسعِّر على التاجر فيُكرهه على البيع بقيمة المثل؛ لأنه وإنْ كان فيه ضرر على التاجر، إلا أنه ضررٌ خاصٌّ، وما يقع بالناس من الحاجة إلى الطعام مع غلاء سعره ضررٌ عامٌّ، فيُتحمل الضرر الخاص لدفع ضررٍ عامٍّ.

4- أن الكفار قد يتترسون بأسرى المسلمين في حال الحرب وقد يؤدي ذلك إلى إضرارٍ بالمسلمين لو تركوا رميهم، فيجوز الرمي إليهم في هذه الحالة وإنْ كان فيه ضررٌ على أسرى المسلمين؛ ويُتحمل الضرر الخاص لدفع ضررٍ عامٍّ.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة تمثل إحدى صور مفهوم المخالفة لقاعدة (الضرر لا يُزال بمثله) التي هي قيدٌ لقاعدة (الضرر يُزال)؛ وذلك أنه إذا كان الضرر لا يُزال بمثله فإن مفهوم المخالفة من ذلك أنه يُزال بما هو أقل منه، ومن صور ذلك كون أحد الضررين خاصّاً، وقد أفادت هذه القاعدة أنه ينبغي احتماله لتقع به إزالة الضرر العام.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة