حجم الخط:

محتوى الدرس (23)

القاعدة السادسة (درء المفاسد أولى من جلب المصالح)[1]

والكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي:

- قولنا: (درء) المراد به الدفع.

- وقولنا: (المفاسد) جمع مفسدة، وقد تقدم أن المفسدة ضد المصلحة، وهي تفيد معنى الضرر، ولذلك فإنه قد يُعبر عنها بالضرر، وقد يعبر عنها بالشر، وقد يعبر عنها بالسيئة، وقد يُعبر عنها بسببها المؤدي إليها.

- وقولنا (أولى) أي أرجح وأحق بالتقديم، ولذلك ورد في بعض ألفاظ القاعدة التعبير بلفظ (مقدَّم).

- وقولنا: (جلب) مقابلٌ للدرء، وأصله الإتيان بالشيء من موضعٍ إلى موضعٍ، والمراد به هنا: التحصيل.

- وقولنا: (المصالح) جمع مصلحة، والمصلحة هي المنفعة وزناً ومعنىً، وقد يُعبَّر عن المصلحة بالمنفعة وقد يُعبر عنها بالحسنة، وقد يُعبر عنها بسببها المؤدي إليها.

ثانياً: المعنى الإجمالي:

أنه إذا اجتمع في أمرٍ من الأمور مفسدةٌ ومصلحةٌ فإنه يجب تقديم الإتيان بالأمر على الوجه الذي يتأدى به دفع المفسدة وتجنب الإتيان به على الوجه الذي يتأدى به تحصيل المصلحة.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: شروط إعمال القاعدة:

لا بد من التنبيه إلى أن إعمال هذه القاعدة مقيدٌ بشرطين:

الشرط الأول: عدم إمكان الجمع بين دفع المفسدة وجلب المصلحة في تصرفٍ واحدٍ.

ولذلك فإنه لو أمكن دفع المفسدة وجلب المصلحة بالإتيان بالفعل على وجهٍ واحدٍ فإنه لا يُقال بتحقق إعمال هذه القاعدة.

الشرط الثاني: غلبة المفسدة على المصلحة. ولذلك فإنه لو غلبت المصلحة على المفسدة أو تساوتا - على القول بإمكان التساوي بينهما - فإنه لا يُقال في الجملة بإعمال هذه القاعدة.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الأدلة على القاعدة:

يمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بأدلةٍ كثيرةٍ منها:

1- قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ [البَقَرَة: 219].

ووجه الدلالة منها: أن الله تعالى قد بيَّن هنا أن في الخمر والميسر إثماً كبيراً، وهو مفسدةٌ، وفيهما منافع للناس، وهي مصلحةٌ، إلا أن مفسدتهما أعظم من مصلحتهما، ولما كان الأمر كذلك حرمهما الله تعالى من أجل دفع تلك المفاسد الغالبة.

2- ما ورد عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إياكم والجلوس على الطرقات» فقالوا: ما لنا بُدٌّ؛ إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: «فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها» قالوا: وما حقها؟. قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر»[2].

ووجه الاستدلال منه: أن النبي ﷺ نهى عن الجلوس في الطرقات أولاً جلوساً لا يحصل به أداء حق الطريق؛ لما فيه من مفسدة تضييق الطريق والاشتغال بأحوال من يمر فيه وما يشتمل عليه من مفاسد كالغيبة ووقوع البصر على ما يُكره أو يحرم النظر إليه، مع أنه قد يحصل بالجلوس في الطريق مصلحةٌ لمن عمل بحقه، إلا أن المفسدة أغلب لأنها أقرب في الوقوع من المصلحة هنا، فكان درء المفاسد مقدماً على جلب المصالح[3].

3- ما تقدم إيراده عن زيد بن وهبٍ قال: مررتُ بالرَّبَذَة، فإذا أنا بأبي ذرٍّ رضي الله عنه، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟. قال: كنت بالشام، فاختلفتُ أنا ومعاوية في ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التَّوبَة: 34]، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه ذاك، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أنِ اقدمِ المدينةَ، فقدمتها...، فقال: إنْ شئتَ تنحيتَ فكنتَ قريباً. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّروا عليَّ حبشيّاً لسمعتُ وأطعتُ[4].

ووجه الاستدلال منه: أن في بقاء أبي ذرٍّ رضي الله عنه في المدينة مصلحةٌ تتمثل في بثِّ علمه لطلاب العلم، وفيه مفسدةٌ تتمثل في الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة، فرجَّح عثمان جانب دفع المفسدة على جلب المصلحة[5].

4- ما ورد عن لقيط بن صبرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً»[6].

ووجه الاستدلال منه: أن مطلق المبالغة في الاستنشاق مصلحةٌ لما فيه من تحقيق أمر الشارع، وهي في حق الصائم مفسدةٌ؛ لأنها سببٌ في دخول الماء الناقض للصوم إلى جوفه، وقد نهى عنها النبي ﷺ في هذه الحالة، وفيه تقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة.

5- ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيءٍ فاتوا منه ما استطعتم»[7].

ووجه الاستدلال منه: أن النبي ﷺ قد قيَّد فعل الأمر بالاستطاعة، ولم يُقيِّد اجتناب النهي بذلك، بل أمر باجتنابه مطلقاً، فدل على أن اعتناء الشرع باجتناب المنهيات أشد من اعتنائه بفعل المأمورات، ولذلك فمتى اجتمع في أمرٍ مفسدةٌ ومصلحةٌ، وجب تقديم جانب درء المفسدة؛ لأنه من اجتناب المنهيات، وهو أولى من جلب المصلحة لأنه من فعل المأمورات.

وفي الجملة فجميع ما يذكر من أدلةٍ لمبدأ سد الذرائع، فإنه يمكن إيراده هنا.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الفروع المبنية على القاعدة:

1- لو وجب على المرأة غُسْلٌ ولم تجد سترةً من الرجال فإنه يُشرع لها تأخير الغُسْل، لأنه وإنْ كان في الغُسْل مصلحةٌ إلا أن في تكشف المرأة للغُسْل أمام الرجال مفسدةٌ أعظم، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح.

2- أن في تخليل الشعر في الوضوء والغسل للمحرم مصلحةً، وفيه مفسدةٌ وهي كونه مظنةً لإسقاط الشعر، والأخذ من الشعر محظورٌ في حال الإحرام، وهذه المفسدة أغلب، لذلك لا يشرع للمحرم تخليل شعره؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح.

3- لو أراد شخصٌ أن يبني في ملكه بناءً مرتفعاً، ويحصل بهذا البناء منع الهواء والشمس عن جاره، فقد قال بعض أهل العلم: إنه يُمنع من ذلك؛ لأن البناء وإنْ كان مصلحةً إلا أنه قد عارضه مفسدةٌ أرجح منه وهو منع الهواء والشمس عن الجار، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح.

4- لو أراد شخصٌ أن يُحدث في ملكه شيئاً كالمطبعة والمخرطة، فإنه يحصل بها ضررٌ من خلال عملها بالهزِّ أو الدق، وهذه مفسدةٌ أرجح من مصلحة انتفاعه بتلك الأعيان فيمنع من إحداثها؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح.

5- لو حفر شخصٌ بئراً قريبةً من بئر جاره، فذهب ماء بئر الجار، فإن في بقاء هذه البئر المحدثة مفسدةً أعظم من مصلحة انتفاع صاحبها بها، ولذلك قال بعض أهل العلم: إنه يلزم أن تطم هذه البئر المحدثة؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة تفيد أنه يجب أن يُسعى في إزالة الضرر حتى وإنْ قابل مصلحةً ما دام أن مفسدة العمل معه أعظم وأشد، وهذا يتفق مع مضمون عموم ما أفادته القاعدة الكبرى، حيث أفادت وجوب إزالة الضرر بمنعه قبل وقوعه أو رفعه بعد الوقوع.

المسألة السادسة: وقفات مع هذه القاعدة:

الوقفة الأولى: في ذكر قواعد أخرى تتفق مع مضمون القاعدة:

يمكن أن نجد من القواعد ما يتفق مع هذه القاعدة في مضمونها وإنْ اختلف معها في اللفظ، ومن ذلك:

1- قاعدة: «إذ تعارض المانع والمقتضي يُقدَّم المانع إلا إذا كان المقتضي أعظم»[8].

والمراد بالمانع هنا: المفسدة، والمراد بالمقتضي: المصلحة الداعية إلى الفعل.

ومعنى هذا: أنه إذا اشتمل العمل على مفسدةٍ تنفِّر وتمنع منه ومصلحةٍ تدعو إليه فإنه يُرجَّح جانب المنع؛ إذ إن درء المفاسد أولى من جلب المصالح.

وفي قولهم: «إلا إذا كان المقتضي أعظم» إشارةٌ إلى الشرط الذي تقدم ذكره في شرطي إعمال القاعدة وهو (غلبة المفسدة على المصلحة). وهذا يعني أنه لو غلبت المصلحة على المفسدة فإنه لا يُقال في الجملة بإعمال هذه القاعدة كما تقدم.

2- قاعدة: «إذا اجتمع الحلال والحرام أو المبيح والمحرِّم غُلّب الحرام»[9].

وما ذُكر من أمثلةٍ للقاعدة فهو يصلح مثالاً لهاتين القاعدتين.

الوقفة الثانية: في بيان ميزان المفاضلة في المصالح والمفاسد:

لا شك أن معرفة مراتب المصالح والمفاسد أمرٌ في غاية الأهمية؛ إذ يترتب عليه إمكان الترجيح بينها في حال التزاحم والتعارض، ولا يكون ذلك إلا عن طريق القرآن والسنة، فهما اللذان يقرران ميزان التفاضل في سائر الأعمال، ولذلك فإن تتبع نصوص الشرع واستقراءها يفيد في معرفة ما يمكن أن يُقدَّم من المصالح أو المفاسد عند التعارض، وإهمال هذه النصوص أو الجهل بها سببٌ لعدم صحة الحكم في هذه الحال؛ لأن الغالب هنا هو حصول الانحراف عن الطريق الصحيح في الموازنة والترجيح.

ولهذا فإن الذي يمكن أن يُفوَّض إليه وظيفة الموازنة بين المصالح والمفاسد في أحكام الشرع هو العالم المجتهد الذي اطلع على أدلة الشرع واستوعبها، وتشبَّع بالنظر في تعليلات أحكامه ومقاصده العامة والخاصة، ولا حظ في هذا لمن فقد هذه المنزلة اللهم إلا إذا كان في مصلحةٍ أو مفسدةٍ فرديةٍ دنيويةٍ، فربما يوكل إلى من وقعت له أو من له الخبرة بأمر الموازنة فيها.

الوقفة الثالثة: الصور التي خرجت بمراعاة شروط القاعدة:

خرج بمراعاة الشرط الثاني للقاعدة صورتان:

الصورة الأولى: غلبة المصالح على المفاسد:

والحكم في هذه الحالة أنه يجب تحصيل المصالح الغالبة الراجحة ولا عبرة بالمفاسد المرجوحة. والدليل على ذلك ما يأتي:

1- أن النبي ﷺ كان يستعمل خالد بن الوليد رضي الله عنه على الحرب منذ أسلم، مع أنه كان يفعل أحياناً ما ينكره عليه كما فعل يوم بني جُذيمة، وتبرأ النبي ﷺ من ذلك[10].

ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ قد غلَّب مصلحة تولية خالدٍ رضي الله عنه للحرب على مفسدة ما يقع فيه من تجاوزاتٍ[11].

2- أن النبي ﷺ قد رمى أهل الطائف بالمنجنيق[12].

ووجه الدلالة منه: أن الرمي بالمنجنيق فيه مفسدة قتل النساء والصبيان ممن لا يُقصدون بالقتال، وفيه مصلحة قتال الكفار وقهرهم ورد كيدهم، وهذه المصلحة أعظم، لذلك غُلِّبت على المفسدة[13].

3- ما ورد في قصة أصحاب الأخدود، وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه[14].

ووجه الدلالة منها: أن قتل النفس محرمٌ وهو مفسدةٌ، لكن مصلحة ظهور الدين وإنقاذ عددٍ كبيرٍ من الناس مصلحةٌ، وهذه المصلحة أعظم؛ لذلك غُلِّبت على المفسدة[15].

ومن أمثلة هذه الصورة ما يأتي:

1- لو أن شخصاً مات أبوه وعليه دينٌ، وقد ترك الأب مالاً فيه شبهةٌ، فإنه يجب على الولد أن يسدد هذا الدين الواجب من المال المشتبه؛ ولا يدع ذمة أبيه مرتهنةً؛ لأن السداد من المال المشتبه مفسدةٌ، وقضاء الدين مصلحةٌ، وهذه المصلحة أعظم، لذلك يُغلَّب جلب المصلحة على درء المفسدة[16].

2- أن استجداء الناس وسؤالهم المال فيه مفسدةٌ، والتكسب من المال الذي فيه شبهةٌ أو دناءة كالحجامة مثلاً فيه مصلحةٌ، وهذه المصلحة أعظم من مفسدة البقاء عالةً على الناس، لذلك يُغلَّب جانب جلب المصلحة على جانب درء المفسدة[17].

الصورة الثانية: تساوي المصالح والمفاسد:

وهذه صورةٌ شائكةٌ اختلفت مواقف العلماء في وجودها على النحو الآتي[18]:

الموقف الأول: أن هذه الصورة موجودةٌ وواقعةٌ، ويمكن فرض تحققها في تعارض الواجبات والمحرمات، أو المندوبات والمكروهات، بحيث تتساوى مصلحة الواجب مع مفسدة المحرم، ومصلحة المندوب مع مفسدة المكروه.

وقد اختلفت وجهات نظر أصحاب هذا الموقف في الحكم هنا على قولين:

القول الأول: أن درء المفسدة مقدمٌ على جلب المصلحة، فإذا تعارض فعل واجبٍ وترك محرمٍ قُدِّم ترك المحرم على فعل الواجب، وإذا تعارض مستحبٌّ ومكروهٌ قُدِّم ترك المكروه على فعل المستحب.

وممن صرَّح بالأخذ بهذا الرأي المقري[19]، وابن السبكي[20].

ويمكن أن يُستدل لهذا القول بالأدلة التي تقدمت في الاستدلال للصورة التي تمثلها القاعدة وهي صورة غلبة المفاسد على المصالح؛ فهي تدل بعمومها على أن النظر إلى جانب درء المفاسد هو الأولى في حال اجتماعها مع المصالح ما دام أن المصالح غير غالبةٍ، ومن أظهر تلك الأدلة ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم»[21]، وقد تقدم وجه الاستدلال منه، فيشمل بعمومه جانب تساوي المفسدة مع المصلحة.

القول الثاني: أن جلب المصلحة مقدمٌ على درء المفسدة، ويُفهم هذا القول من تصريح الزركشي بأنه إذا تعارض الواجب والمحظور فإنه يُقدم الواجب[22]، كما ذكر أن قول الأصوليين: (إذا اختلط الحلال بالحرام وجب اجتناب الحلال) موضعه في الحلال المباح، أما إذا اختلط الواجب بالمحرم روعي مصلحة الواجب[23].

وكلام الزركشي هنا مطلقٌ يشمل حال التساوي وغيرها.

واستدل الزركشي لهذا بأن النبي ﷺ مرَّ بمجلسٍ فيه أخلاطٌ من المشركين والمسلمين فسلَّم عليهم[24].

ووجه الاستدلال منه: أن فعل النبي ﷺ محتملٌ لتحقيق المصلحة وهي السلام على المسلمين، ومحتملٌ لتحقق المفسدة وهي ابتداء الكفار بالسلام، وهما أمران متساويان، ومع ذلك قدَّم النبي ﷺ تحصيل المصلحة على دفع المفسدة.

القول الثالث: أن الأمر يختلف بحسب الأحوال، فتارةً قد يقع ترجيح المصلحة، وتارةً قد يقع ترجيح المفسدة، وتارةً قد يُقال بالتخيير بينهما، وتارةً قد يُقال بالتوقف.

وهذا القول مال إليه العز بن عبد السلام[25]، والعلائي[26]، وتابعه الحصني[27]، وهو الذي يظهر في اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية[28].

وهذا القول الثالث هو الأقرب إلى الصواب، بحيث يختلف الحكم باختلاف الوقائع والأشخاص والأحوال، ومن أمثلة هذا: أن المعروف والمنكر المتلازمين قد يتكافآن، وحينئذٍ قد يقال بصلاحية الأمر، وقد يُقال بصلاحية النهي، وقد يُقال بعدم صلاحيتهما.

الموقف الثاني: أن تساوي المصالح والمفاسد من كل وجهٍ غير موجودٍ ولا واقعٍ، بل إما أن تترجح المفسدة وإما أن تترجح المصلحة.

وهذا الموقف اختاره ابن القيم وتبناه ولم ينسبه لأحدٍ[29].

ومما استدل به ابن القيم هنا: أن المصلحة والمفسدة إذا تقابلتا فهما مؤثران يتدافعان ويتصادمان، وحينئذٍ لا يخلو أمرهما من ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يقع أثر كلٍّ من المؤثرين، وهذا محالٌ، لأن الأثرين سيتصادمان في محلٍّ واحدٍ.

الاحتمال الثاني: أن يمتنع وجود كل واحدٍ من الأثرين، وهذا ممتنعٌ؛ لأن هذا ترجيحٌ لأحد الأمرين الجائزين بدون مرجحٍ.

الاحتمال الثالث: أن يقهر أحدهما الآخر، وحينئذٍ يصير الحكم للغالب، وهذا الاحتمال هو المتعين، فينبغي المصير إليه.

وقد اعتُرض على هذا القول بالوقوع، ومن المعلوم أن الوقوع دليل الجواز؛ فإن من الناس من تتساوى حسناته وسيئاته، فيبقى على الأعراف بين الجنة والنار؛ لتقابل مقتضى الثواب والعقاب في حقه، فإن حسناته قصرت به عن دخول النار، وسيئاته قصرت به عن دخول الجنة.

وقد أطال ابن القيم في الجواب عن هذا الاعتراض بجوابين إجماليٍّ وتفصيليٍّ راجعه إن شئت[30].

والذي يظهر رجحانه هو أن الخلاف هنا قد يؤول إلى اللفظ، وذلك أن ابن القيم الذي تبنى القول الثاني يقول بأن المصلحة أو المفسدة لا بد أن تغلب إحداهما الأخرى يظهر أن قصده بذلك أنه لا يمكن أن تُبطل إحداهما الأخرى في الواقع، ولا يقول بأنه لا يمكن تساويهما في نظر المجتهد.

وأصحاب الموقف الأول وإن قالوا بالتساوي بين المصلحة والمفسدة فالتساوي عندهم يعني التعارض والتضاد في نظر العالم بحيث لا يتبين له رجحان إحداهما على الأخرى، ولا يقولون بأن كلّاً من المصلحة والمفسدة تبطل الأخرى في الواقع.

فحصل الاتفاق - فيما يظهر - على أنه لا يمكن تساوي المصلحة والمفسدة في الواقع بحيث تبطل كلٌّ منهما الأخرى، وأن التساوي قد يقع في نظر العالم المجتهد، فعليه أن يطلب الترجيح بزيادة النظر والتأمل والتحري والتثبت حتى يصل إلى ما يرى أنه الصواب.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة