القاعدة الكبرى الخامسة (العادة محكَّمةٌ)[1]
الكلام في هذه القاعدة يمكن أن يكون من خلال المسائل الآتية:
المسألة الأولى: مكانة هذه القاعدة:
هذه القاعدة من أجلِّ قواعد الشرع، وتظهر مكانتها من خلال أمرين:
القاعدة الكبرى الخامسة: العادة محكَّمةٌ
أولهما: أن هذه القاعدة من القواعد ذات الأثر الواسع في أحكام الفقه، حيث ترتبط هذه القاعدة بتحكيم العرف الذي يعد مستنداً لكثيرٍ من الأحكام العملية في شتى أبواب الفقه، وله سلطانه في الكشف عن كيفية تطبيق الأحكام على اختلاف الأحوال.
ثانيهما: أن لهذه القاعدة صلةً بعلم أصول الفقه، وذلك باعتبارها من أدلة الفقه، أو أنها تشبه أدلة الفقه؛ من حيث إنها يُقضى بها في جزئياتها كأنها دليلٌ على ذلك الجزئي، ومن حيث صلتها بالاستدلال، حيث يعد تحكيم العوائد من أدلة الشرع عند بعض العلماء، أو أنها كاشفةٌ عن حكم الشرع عند بعضهم الآخر.
المسألة الثانية: صياغة هذه القاعدة:
بالرغم من وجود التطبيق العملي المبكر لأحكام هذه القاعدة إلا أن ذكرها بهذه الصيغة في مدونات القواعد الفقهية قد تأخر كثيراً، على أننا نلحظ أنه قد ورد ذكر هذه القاعدة بألفاظٍ تشير إلى مضمونها باعتبارها قاعدةً لدى الكرخي في أصوله، فقد ورد فيها قوله: «الأصل أن جواب السؤال يجري على حسب ما تعارف كل قوم في مكانهم»[2]، ثم وردت عند بعض العلماء الإشارة إلى مضمونها بألفاظٍ متقاربةٍ تنحو منحى الخبر المحض، كقولهم: «الرجوع إلى العرف في مسائل كثيرةٍ[3]، وكقولهم: «الرجوع إلى العادة»، ونحوه[4].
وبحسب الواقع فإن السيوطي هو أول من ذكر هذه القاعدة بالصيغة المعتمدة لدينا، ثم تتابع العلماء بعد ذلك في إيرادها على نحو ما ذكر.
على أنه يجدر التنبيه إلى أن لفظ هذه القاعدة بالصيغة المعتمدة لدينا قد ورد في مدونات أصول الفقه قبل ورودها في مدونات القواعد الفقهية، وإن لم يكن قصدهم من إيرادها تشخيص قاعدةٍ فقهية؛ حيث ورد في قول إمام الحرمين أبي المعالي الجويني في كتابه (البرهان في أصول الفقه): «والجملة في ذلك أن التواتر من أحكام العادات، ولا مجال لتفصيلات الظنون فيها، فليتخذ الناظرُ العادةَ محكَّمةً»[5].
المسألة الثالثة: معنى القاعدة:
أولاً: المعنى الإفرادي:
هذه القاعدة تدور حول لفظي (العادة) و(محكَّمة).
- فأما لفظ (العادة) فهو لفظٌ مفردٌ يُجمع على عاداتٍ وعوائد، وهي في اللغة مأخوذة من العَوْد، وهي تعني التمادي في الشيء والاستمرار فيه حتى يصير سجيةً. وهذا المعنى يقتضي وجود التكرار في الأمر مرةً بعد أخرى.
وقد وقع الاختلاف في تعريف العادة في الاصطلاح بحسب النظر إلى مرادفتها للعرف أو اختلافها عنه، ولعل أحسن ما يُقال فيها أنها: تكرر الأمر مرةً بعد أخرى تكرراً يخرج عن كونه واقعاً بطريق الاتفاق.
وهذا التعريف يجعل العادة شاملةً لكل متكررٍ من قولٍ أو فعلٍ مما يتكرر للفرد أو الجماعة، وشاملاً لكل ما ينشأ عن اتجاهٍ عقلي وتفكيرٍ، أو عن سببٍ طبيعيٍّ، أو عن قصدٍ وإرادةٍ ناشئةٍ عن الأهواء والشًهوات وفساد الأخلاق مما يسمى بفساد الزمان.
وعلى هذا لا فرق بين العادة والعرف في المعنى كما هو واقع استعمال الفقهاء، خاصةً وأنه لا وجه للتفرقة بينهما في بناء الأحكام.
وإن كان بعضهم قد يُفرِّق بينهما إلا أن واقع هذا التفريق فيه شيءٌ من التباعد؛ حيث يجعل بعضهم العادة أعم لكونها تشمل العادة الفردية وعادة الجمهور الكثير، ويقصر العرف على عادة الجمهور الكثير في أمرٍ ناشئٍ عن التفكير.
وعلى هذا فعادة الفرد والعادة الناشئة من سببٍ طبيعيٍّ كإسراع النضج في البلاد الحارة لا يسمى عرفاً.
على أنه في مقابل ذلك يجعل بعضهم العرف أعم لكونه يشمل الأقوال والأفعال، ويقصر العادة على جانب الأفعال فقط[6].
فعلى كلا النظرين يكون بين العادة والعرف عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ.
وبالنظر في التعريف المختار للعادة نجد أنها تشمل ثلاثة أمورٍ:
الأمر الأول: ما يعتاده الفرد من الناس في شئونه الخاصة، كعادته في أكله وشربه وحديثه، ويسمى هذا العادة الفردية.
الأمر الثاني: ما تعتاده الجماعة والجماهير من الناس مما ينشأ في الأصل عن اتجاهٍ عقليٍّ وتفكيرٍ، وهو ما يعنيه لفظ (العرف) عند بعضهم.
الأمر الثالث: الأمر المتكرر الناشئ عن سببٍ طبيعيٍّ، كإسراع البلوغ ونضج الثمار في البلاد الحارة.
- وأما لفظ (محكَّمة) فهو في اللغة اسم مفعولٍ من التحكيم، وهو مأخوذٌ من الحكم، وهو يعني المنع والفصل والقضاء، ومعنى كون الشيء محكَّماً: أن الأمر قد جُعل وفُوِّض إليه.
وأما في الاصطلاح فهي تعني: أنها المرجع عند النزاع.
وقد تفاوتت مواقف العلماء في تحقيق مناط هذه المرجعية، فبعضهم يرى أن العادة دليلٌ من أدلة الأحكام، وعليه قدماء علماء الحنفية والمالكية، وهو ظاهر عبارة الشيخ أحمد الزرقا.
وبعضهم يرى أن العادة لا تصلح دليلاً لإثبات حكمٍ شرعيٍّ، ونسب بعضهم هذا الرأي إلى جمهور الأصوليين، وأرجع هذا الرأي إلى ما فهمه من كلامهم في مباحث التخصيص؛ حيث لم يجوِّزوا تخصيص النص بالعادة والعرف[7].
ويمكن التقريب بين هاتين الوجهتين بالقول: إن أصحاب الاتجاه الأول يعنون به كون العادة والعرف مرجعاً للإثبات عند الاختلاف مع عدم وجود الدليل النقلي في المسألة، وهذا في الظاهر لا ينكره أصحاب الاتجاه الثاني.
وأصحاب الاتجاه الثاني يعنون به عدم الاعتماد على العادة والعرف كدليلٍ مستقلٍّ في بناء الأحكام بدون النظر إلى موافقة الدليل النقلي أو مخالفته وقد يعنون به عدم قدرة العادة والعرف الحادث على تخصيص النص، وهذا في الظاهر لا ينكره أصحاب الاتجاه الأول.
فحصل مما تقدم أن تحكيم العادة يعني كونها مرجعاً عند النزاع بحيث تكون معتمداً في الإثبات أو النفي.
على أنه يجدر التنبيه إلى أن إطلاق هذه العبارة في الظاهر مقيَّدٌ في الواقع بشروطٍ للإعمال سيأتي الكلام عنها.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن العادة- بحسب معناها المتقدم- تُجعل مرجعاً يُفوَّض إليه إثبات الأحكام أو نفيها.
المسألة الرابعة: الأدلة على القاعدة[8]:
دلَّ على القاعدة أدلةٌ كثيرةٌ من القرآن والسنة تفيد بمجموعها تسويغ الاحتجاج بالعادة، والرجوع إليها في بناء الأحكام، ومنها:
1- قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ ﴾ [البَقَرَة: 233].
ووجه الاستدلال منه: أن الله تعالى علَّق أمر النفقة على الزوجة على المقدار المتعارف عليه، فتعطى الزوجة من النفقة ما تُعطاه مثلها في العرف، وينبغي للزوج أن لا يُقصِّر عن إعطائها مقدار نفقة مثلها في العرف والعادة، وهذا دليلٌ على إعمال العادة والالتفات إليها في بناء الأحكام.
2- قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ ﴾ [المَائدة: 89].
ووجه الاستدلال منه: أن الله تعالى علَّق أمر كفارة اليمين إذا كانت إطعاماً بكونه من أوسط طعام الأهل، وفي هذا إحالةٌ على العادة، فإن الوسط هنا غير مقدَّرٍ تحديداً، وإنما مرجعه إلى ما يكون وسطاً في العادة، وهذا دليلٌ على إعمال العادة والالتفات إليها في بناء الأحكام.
3- ما ورد من أن هنداً بنت عتبة J قالت: يا رسول الله: إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذته منه وهو لا يعلم؟. فقال الرسول ﷺ: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»[9].
ووجه الاستدلال منه: أن الرسول ﷺ أباح لها أن تأخذ من مال زوجها كفايتها من النفقة، وقيَّد ذلك بأنه على ضوء العرف، أي على مستوى عادتها وعادة زوجها، وهذا دليلٌ على إعمال العادة والالتفات إليها في بناء الأحكام.
4- قوله ﷺ: «المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة»[10].
ووجه الاستدلال منه: أن أهل المدينة لما كانوا أهل زراعة اعتُبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة لما كانوا أهل متاجر اعتُبرت عادتهم في مقدار الوزن، والمراد بذلك فيما يُطلب تقديره شرعاً، كنُصُب الزكوات، ومقدار الديات، وزكاة الفطر، والكفارات، ونحو ذلك، وهذا دليلٌ على إعمال العادة والالتفات إليها في بناء الأحكام.
5- ما ورد أن ناقةً للبراء بن عازب رضي الله عنه دخلت حائطاً فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل[11].
ووجه الاستدلال منه: أن النبي ﷺ قد قضى في التضمين على ما جرت به عادة الناس، فإن عادتهم إرسال مواشيهم بالنهار للرعي، وحبسها بالليل للمبيت، وعادة أهل المزارع أن يكونوا في مزارعهم بالنهار دون الليل، وقضاء النبي ﷺ بموجب ذلك دليلٌ على اعتبار العادة وبناء الأحكام عليها.
المسألة الخامسة: مجال تحكيم العادة وإعمال القاعدة[12]:
بناءً على ما تقدم فإن العادة تُحكَّم في أمرين:
الأمر الأول: إنشاء حكمٍ جديدٍ وتأسيسه، ولا بد أن تكون العادة هنا ملائمةً لأحكام الشريعة، بأن تتفق مع نصوص الشريعة ولا تخالفها بأي وجهٍ، والعادة هنا تستند في الواقع إلى المصلحة، فدليل المصلحة يعد دليلاً على العادة، غير أن العادة تكتسب قوةً باتفاق المسلمين على العمل بها ومن ضمنهم العلماء.
الأمر الثاني: في ضبط أمرٍ حكم فيه الشرع، وذلك أن الأمور التي أطلق الشرع الحكم فيها ولم يضبطها، ولم يرد في اللغة ما يضبطها، يُرجع في ضبطها إلى العادة والعرف، وفي هذا يقول ابن السبكي: «واشتهر عند الفقهاء أن ما ليس له ضابطٌ في اللغة ولا في الشرع يُرجع فيه إلى العرف»[13].
المسألة السادسة: أقسام العرف والعادة[14]:
تنقسم العادة والعرف أقساماً متعددةً باعتباراتٍ مختلفةٍ:
التقسيم الأول: تقسيم العادة والعرف من حيث الموضوع: وتنقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين:
القسم الأول: العادة اللفظية أو العرف اللفظي، ومعناه: أن يشيع بين الناس استعمال بعض الألفاظ أو التراكيب في معانٍ معيَّنةٍ، بحيث تصبح تلك المعاني هي المفهومة والمتبادرة إلى الأذهان عند إطلاق تلك الألفاظ من غير حاجةٍ إلى قرينةٍ أو علاقةٍ عقليةٍ.
ومن أمثلة هذا، ما يأتي:
1- إطلاق لفظ (البيت) في بعض البلاد مثل تونس بمعنى (الغرفة)، وإطلاق لفظ (الدار) في بعض البلاد كالكويت بمعنى (الغرفة) أيضاً، وفي أغلب البلدان يستعمل هذان اللفظان وهما (البيت، والدار) بمعنى جميع البيت وجميع الدار.
2- إطلاق لفظ (الولد) على الذكر دون الأنثى، مع أن للفظ الولد معنىً خاصّاً في اللغة، فهو يطلق على الذكر والأنثى.
القسم الثاني: العادة العملية أو العرف العملي، ومعناه: اعتياد الناس على بعض الأفعال، والمراد بذلك: الأفعال في الأمور العادية، وفي المعاملات.
فمن أمثلته في الأمور العادية: اعتياد بعض الناس تعطيل بعض أيام الأسبوع عن العمل، أو لبس أنواعٍ مخصوصةٍ من اللباس، أو أكل أنواع معيَّنة من الأكل.
ومن أمثلته في المعاملات:
1- اعتياد الناس عند شراء الأشياء الثقيلة أن يكون حملها على البائع.
2- اعتياد الناس تقسيط الأجور السنوية إلى قسطين أو أكثر.
3- اعتياد بعض الناس تعجيل جزءٍ من المهر، وتأجيل الباقي إلى ما بعد الطلاق، أو الوفاة.
التقسيم الثاني: تقسيم العادة والعرف من حيث الشيوع والانتشار.
وتنقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين:
القسم الأول: العادة العامة أو العرف العام، ومعناه: أن يكون العمل في أمرٍ من الأمور فاشياً في جميع البلاد وبين جميع الناس.
ومن أمثلته: جريان عقود الاستصناع في كثيرٍ من الحاجات واللوازم التي يحتاجها الناس، كالأطعمة والألبسة والأحذية والبنيان ونحو ذلك.
القسم الثاني: العادة الخاصة أو العرف الخاص، ومعناه: أن يكون العمل مقتصراً على مكانٍ أو بلدٍ دون بقية البلدان، أو يكون مقتصراً على فئة من الناس دون غيرها.
والأعراف الخاصة كثيرة ومتنوعة نظراً لكثرة البلدان وتعدد فئات الناس، ومن أمثلته:
1- استعمال لفظ (البيت) أو (الدار) بمعنى (الغرفة)، فإن هذا الاستعمال مقتصرٌ على بلادٍ معينة، كما سبق بيان ذلك.
2- دفع جزءٍ من أجرة العامل عند بدء العمل، وتقسيط الباقي على مراحل العمل، فإن ذلك عملٌ خاصٌّ ببعض فئات الناس.
ومما ينبغي التنبيه إليه: أنه لا تعارض بين هذين التقسيمين، فقد يكون العرف اللفظي عامّاً، وقد يكون خاصّاً، ومثله العرف العملي، وكذلك العرف العام قد يكون لفظيّاً وقد يكون عمليّاً، ومثله العرف الخاص.
المسألة السابعة: التعارض في العادة والعرف:
للتعارض في العادة والعرف أحوالٌ يقتضي كلٌّ منها أحكاماً تخصه، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: تعارض العرف اللفظي مع استعمال الشرع[15]: وهذا التعارض له حالتان:
الحالة الأولى: أن لا يُعلِّق الشرع باللفظ أحكاماً، فيقدم العرف اللفظي على استعمال الشرع.
مثال ذلك: ألفاظ (البساط، والسقف، والسراج) فاستعمالها في الشرع بمعنى الأرض، والسماء، والشمس، ولم يعلِّق بها أحكاماً في معانيها الخاصة المعروفة.
ولذلك فمن حلف لا يجلس على بساطٍ أو تحت سقفٍ أو في ضوء سراجٍ، فإنه لا يحنث بالجلوس على الأرض وإن سماها الله بساطاً، ولا يحنث بالجلوس تحت السماء وإن سماها الله سقفاً، ولا يحنث بالجلوس في ضوء الشمس وإن سماها الله سراجاً.
الحالة الثانية: أن يُعلِّق الشرع باللفظ أحكاماً، وفي هذه الحالة يقدم استعمال الشرع على العرف.
مثال ذلك: لفظ (الصلاة) استعمله الشرع في الصلاة المعروفة وعلَّق به أحكاماً، وله معنىً في العرف وهو (مطلق الدعاء)، فيقدم هنا استعمال الشرع.
ولذلك فمن حلف لا يصلي، فإنه يحنث بالصلاة الشرعية المعروفة ولا يحنث بمطلق الدعاء.
وكذا لفظ (الصيام) استعمله الشرع في الصيام المعروف وعلَّق به أحكاماً، وله معنىً في العرف وهو (مطلق الإمساك)، فيقدم هنا استعمال الشرع.
ولذلك فمن حلف لا يصوم، فإنه لا يحنث إلا بالصيام الشرعي المعروف ولا يحنث بمطلق الإمساك.
ثانياً: تعارض العرف اللفظي مع اللغة[16]: وهذه المسألة محل خلافٍ في المقدَّم منهما:
- فالحنفية والمالكية والأقل من الشافعية يرون تقديم العرف اللفظي على اللغة عندما يتعارضان.
- وأكثر الشافعية يرون تقديم اللغة.
وأما الحنابلة فعندهم تفصيل حاصله: أن العرف إنْ كان ظاهراً بحيث أصبح حقيقةً عرفيةً، فإنه يقدم على اللغة، وإن لم يكن العرف ظاهراً ففي المقدَّم خلاف عندهم.
ومن الأمثلة المخرَّجة في هذه المسألة على القول بتقديم العرف:
1- لو حلف شخصٌ أن لا يأكل رأساً، ففي هذا المثال تعارض العرف اللفظي واللغة، فاللغة تفيد شمول هذا التعبير لجميع الرؤوس، والعرف يفيد تخصيص هذا التعبير برؤوس الأنعام، فلا يحنث هذا الشخص إلا برؤوس الأنعام خاصة.
2- لو حلف شخصٌ أن لا يأكل خبزاً، والحال أن هذا الحالف من أهل اليمن، فإن لفظ (الخبز) لغةً يشمل جميع أنواع الخبز، وعرف أهل اليمن يقصر ذلك على خبز الذرة، فلا يحنث هذا الشخص إلا بأكل خبز الذرة.
3- لو أوصى شخصٌ للقُرَّاء، فإن لفظ (القُرَّاء) لغةً يشمل من يقدر على القراءة ولو كان من غير حفظ، والعرف خصص لفظ (القُرَّاء) بمن يقرأ من حفظه، فهل يدخل في هذه الوصية من يقدر على قراءة القرآن ولكنه لا يحفظه؟، فعلى القول بتقديم العرف لا يدخل هذا الشخص في هذه الوصية.
4- لو حلف إنسان لا يأكل شواء، فإن لفظ الشواء لغة يشمل كل أنواع الشواء، لكن العرف قديماً قد خصص ذلك بشواء اللحم، فلا يحنث هذا الشخص إلا بأكل شواء اللحم.
ثالثاً: تعارض العرف الخاص مع العرف العام: وهنا لا يخلو تعارضهما من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون موضوع العرف مما أقرت الشريعة اختلاف الأعراف فيه، وفي هذه الحالة نجد أن أكثر العلماء يرون أن العرف الخاص معتبرٌ وإنْ خالف عرفاً عامّاً.
ومن أمثلة هذا:
1- لو كان عمل رجلٍ ما بالليل وسكونه بالنهار، كالحراس، فإن عماد القسْم بين نسائه هو النهار، وإن كان مخالفاً للعرف العام.
2- لو كانت عادة قومٍ حفظ زرعهم ليلاً، وحفظ مواشيهم نهاراً، فإن عادتهم معتبرة، وإن كانت مخالفة للعرف العام.
الحالة الثانية: أن يكون موضوع العرف مما كان للشريعة مدخلٌ في تحديده، وفي هذه الحالة لا يعتبر العرف الخاص. ومن أمثلة هذا:
1- لو جرت عادة شخصٍ أنه إذا اقترض ردَّ أكثر مما اقترض، فإن عادته غير معتبرة، لأنها مخالفةٌ للعرف العام ولما قرره الشرع.
2- لو قال رجلٌ لزوجته: من عادتي أنني إذا قلت لكِ: أنتِ طالقٌ، فأنا لا أقصد الطلاق، ولكن أقصد أن تقومي وتقعدي، ثم قال لها مرةً:
أنتِ طالقٌ، فإن عادته غير معتبرة، لأنها مخالفة للعرف الذي قرره الشرع.
وقد جعل الزركشي ضابط الترجيح هنا النظر إلى كون الخصوص محصوراً فيُقدم حينئذٍ العرف العام، ومثَّل له بما لو كانت عادة امرأةٍ في الحيض أقل أو أكثر مما استُقرئ من عادات النساء فإنها على الأصح ترد إلى الغالب من عادتهن، ولا تعتبر عادتها في نفسها[17].
وإن كان الخصوص غير محصورٍ قُدِّم العرف الخاص، ومثَّل له بما لو كانت عادة قومٍ حفظ زرعهم ليلاً، وحفظ مواشيهم نهاراً، فإن عادتهم هذه معتبرة وإن خالفت العرف العام.
المسألة الثامنة: شروط اعتبار العادة والعرف[18]:
يُشترط لاعتبار العرف وإمكان تحكيم العادة أربعة شروطٍ:
الشرط الأول: أن يكون العرف مطرداً أو غالباً، ومعناه: أن يكون العمل بالعادة والعرف مستمرّاً في جميع الحوادث لا يتخلف، أو مستمرّاً في أكثر الحوادث، بحيث لا يتخلف العمل به إلا قليلاً، وهذا الشرط يُعبَّر عنه بقاعدةٍ سيأتي بيانها، وهي قاعدة (إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت).
الشرط الثاني: أن يكون العرف المراد تحكيمه قائماً وموجوداً عند إنشاء التصرف، ويُعبَّر عن هذا الشرط بقاعدةٍ نصها: (العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر)، وينبني على هذا أن الألفاظ لا تفسر بالأعراف السابقة عليها أو المتأخرة عنها، فمثلاً: لو أقر شخصٌ في بلادنا بأن في ذمته لفلانٍ ديناً قدره مائة ريالٍ، فإن الريال يفسّر بالريال السعودي الورقي، لأن تفسيره بذلك هو العرف المقارن، ولو أنه أقر له بذلك ولكن من دينٍ كان قبل سبعين سنةً فإن الريال لا يصح أن يُفسّر بالريال الورقي؛ لأن تفسيره بالريال الورقي يعد عرفاً متأخراً.
الشرط الثالث: أن لا يُعارض العرف تصريحٌ بخلافه، فلو عارضه تصريحٌ بخلافه فإن العرف يُهمل ويؤخذ بالتصريح، ويعد العرف هنا من قبيل الدلالة، وقد تقدم نحو هذا في قاعدة (لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح).
ومن أمثلة هذا ما لو صرَّح مؤجر السيارة التي جرى العرف باستعمالها في حمل الأمتعة بمنع المستأجر من استعمالها في ذلك، فإنه لا يجوز للمستأجر استعمالها في الحمل استناداً إلى العرف؛ وذلك لوجود التصريح بخلافه.
الشرط الرابع: أن لا يعارض العرفَ نصٌّ شرعيٌّ خاصٌّ، بحيث يؤدي العمل بالعرف إلى تعطيل النص، فإذا عارض العرفَ نصٌّ شرعيٌّ خاصٌّ بالحادثة التي يراد تطبيق العرف عليها فإنه لا اعتبار بالعرف، فيُهمل العرف ويؤخذ بالنص الشرعي.
مثال لذلك: لو جرى التعامل في بلدٍ ما بتجارة الخمر، أو الربا، فإنه لا اعتبار لهذا العرف، لأنه يصادم نصوصاً خاصةً بتحريم الخمر والربا.
وهذا يعني أنه لو عارض العرفَ نصٌّ عامٌّ فإن العرف لا يُهمل بشرط أن يكون العرف عامّاً وقائماً عند ورود النص، فيعمل به وبالنص، وذلك بحمل النص على ما أفاده العرف.
ومثاله: أنه ورد النص العام بالنهي عن أن يبيع الإنسان ما ليس عنده، والعمل بالاستصناع كان عرفاً عامّاً وقائماً عند ورود هذا النص، وهو من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده، وقد جوَّز الفقهاء العمل به تخصيصاً للنص العام بهذا العرف العام.