حجم الخط:

محتوى الدرس (27)

القاعدة السابعة: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)[1]

القاعدة الثامنة: (التعيين بالعرف كالتعيين بالنص)[2]

القاعدة التاسعة: (المعروف بين التجار كالمشروط بينهم)[3]

هذه القواعد الثلاث متقاربة المعنى لذلك سيكون الكلام عليها متقارباً من خلال المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى هؤلاء القواعد:

أن ما تكرر العمل به بين الناس وأصبح عرفاً فإنه يُراعى عند الحكم، فيكون بمنزلة الأمر المشروط أو المنصوص عليه بطريق اللفظ.

ويجدر التنبيه إلى أن القاعدتين الأوليين عامتان، أما القاعدة الثالثة فهي خاصةٌ بالأعراف الجارية بين التجار.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الفروع المبنية على هؤلاء القواعد:

1- أنه قد جرى العرف عند الناس في حال التبايع بالسلع التي تحتاج إلى نقلٍ وتركيبٍ أن يكون ذلك على البائع، فيكون هذا العرف بمنزلة الأمر المشروط في العقد.

2- لو اشترى شخصٌ سلعةً في بلادنا بمائة ريالٍ، فإن المقصود بالريال هنا الريال السعودي؛ لأن العرف قد جرى بأن المراد بالريال عند الإطلاق الريال السعودي، ويكون متعيناً بالعرف؛ لأن التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.

3- لو استأجر شخصٌ داراً أو سيارةً، ولم يحدد نوع الاستعمال، فإنه يُرجع في تحديد نوعه إلى ما جرى به العرف، ويكون ذلك بمنزلة المشروط.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: علاقة القواعد الثلاث بالقاعدة الكبرى:

هؤلاء القواعد الثلاث تفيد كلٌّ منها أن ما جرت به العادة والعرف عند جميع الناس أو عند طائفةٍ منهم أمرٌ معتبرٌ، ويكون مرجعاً يقوم مقام اللفظ والنص، وهذا يُحقق مضمون القاعدة الكبرى التي تفيد أن العادة تعد مرجعاً للحكم.

القاعدة العاشرة (لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الأزمان)[4]

والكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: الموقف من نص هذه القاعدة:

النظر إلى ظاهر نص هذه القاعدة وما حصل فيه من إطلاقٍ أوقع إشكالاً لدى عددٍ من الباحثين المعاصرين، فلقيت هذه القاعدة بهذه الصيغة معارضةً منهم، واختلفوا في توجيه هذه القاعدة.

فمنهم من رفضها جملةً وتفصيلاً بناءً على أن أحكام الشريعة لا تتغير بتغير الزمان أو غيره من المصالح أو الأعراف والعادات، ولا تقبل التبديل إلا بطريق النسخ، والنسخ لا يُعرف إلا بطريق الوحي، وقد انقطع الوحي بوفاة النبي ﷺ.

وإنْ حصل فيها تغييرٌ مع اختلاف الأزمان فلا يقع ذلك في حكم الحادثة نفسها بخصائصها وحيثياتها، وما يقع من ذلك قد يكون في حادثةٍ جديدةٍ في الزمن الجديد غير الحادثة في الزمن القديم، واختلاف حكمهما حينئذٍ لا يقال له تغييرٌ، ولا ينبغي أن يكون هذا محلّاً للنزاع.

ولذلك فإن مضمون نص هذه القاعدة لا يصح؛ لأن التغيير لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يكون نسخاً وتبديلاً، وهذا ليس لأحدٍ أن يقول به بعد وفاة النبي ﷺ، وإما أن يكون اختلاف وقائع وتحقيق مناطٍ، فلا يكون تغييراً ولا نسخاً ولا تبديلاً [5].

ومنهم من ذهب إلى تقييد مجال إعمال القاعدة بالأحكام الاجتهادية، أو الأحكام المبنية على العرف والمصلحة[6].

إلا أني لا أجد إشكالاً في إطلاق نص هذه القاعدة، ويمكن الخروج مما أُورد على القاعدة في الإشكال السابق بأمرين:

الأمر الأول: أن نفسِّر لفظ (الأحكام) في القاعدة بالأحكام المنصوصة المعلَّقة- بطريق التعليل- على المصلحة أو العرف والعادة.

ويدخل تحت هذا التفسير الأحكام الاجتهادية غير المنصوص عليها المبنية على المصلحة أو العرف والعادة.

ولا شك أن هذا النوع من الأحكام قد يتغير بتغير الأحوال ولو كان في حادثةٍ مماثلةٍ تماماً كما سيأتي التمثيل له.

الأمر الثاني: أن نبدِّل لفظ (الأحكام) بلفظ (الفتوى أو الاجتهاد)، ومعلومٌ أن الفتوى أو الاجتهاد قد يتغير من العالم المجتهد بتغير الأزمان إذا كان الحكم الذي هو محلٌّ للفتوى من قبيل ما ورد في الأمر الأول.

والأولى في هذا المقام أن نبدِّل لفظ (الأزمان) الوارد في نص القاعدة بلفظ (الأحوال)؛ لأن هذا اللفظ الأخير يشمل المصالح، والأعراف والعوائد، ويشمل أحوال المكلف الشخصية والزمانية والمكانية.

وتتأكد الحاجة إلى تبديل هذا اللفظ في هذا المقام خاصة؛ لأن صلة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى لا تتأتى إلا إذا دخل العرف والعادة في إطلاق القاعدة، ولا يكون الأمر كذلك إلا بالتعبير بلفظ (الأحوال) دون لفظ (الأزمان)، والأمر في هذا ظاهرٌ.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي:

في هذه القاعدة جملة من الألفاظ نحتاج إلى بيانها إفراداً:

- فأما لفظ (لا يُنكر) فالمراد به: أن لا يُعاتَب، ولا يُسفَّه، ولا يُعترض عليه.

- وأما لفظ (تغير) فيُراد به التبدل والاختلاف.

- وأما لفظ (الأحكام) فيُراد بها الأحكام المنصوصة المعلَّقة - بطريق التعليل- على المصلحة أو العرف والعادة، أو الأحكام الاجتهادية غير المنصوص عليها المبنية على المصلحة أو العرف والعادة.

- وأما لفظ (الأزمان) فيُراد بها الأوقات، وقد تقدم أن الأولى تبديله بلفظ (الأحوال).

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن تبدل الأحكام - بالمعنى السابق - واختلافها بناءً على تبدل واختلاف الأزمان أمرٌ متقررٌ، وليس محلّاً للاعتراض.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: مجال إعمال القاعدة:

إعمال هذه القاعدة ينحصر في مجالٍ واحدٍ، وهو أن تكون العادة والعرف مناطاً للحكم الشرعي، بأن يتعلق بها الحكم الشرعي دون أن تكون حكماً شرعيّاً بذاتها.

وذلك أنه لما كان الحكم يدور مع مناطه، فيتغير ويختلف باختلاف مناطه، كان اختلاف الحكم أمراً غير منكرٍ.

ومثال ذلك: أن ما يُخل بالآداب والمروءات، ووسائل توثيق العقود وقبض المبيعات، وما يتعلق بسن البلوغ والحيض يختلف من زمنٍ لآخر، ومن حالٍ لأخرى، فيختلف الحكم باختلاف الأحوال فيها.

فنحن نعلم مثلاً أن من ارتكب ما يُخل بالمروءة فإن عدالته تنخرم، ولكن ما يقدح في المروءة يختلف باختلاف الأحوال، ولذلك قد يُحكم على شخصٍ بانخرام مروءته في زمنٍ وحالٍ لوقوع ما يدعو إلى ذلك منه، ومع تغير الزمن والحال قد يُحكم بعدم انخرام مروءته ولو وقع منه ما وقع في الزمن السابق.

وبناءً على هذا فإن مجال إعمال القاعدة لا يدخل فيه ما يأتي:

أولاً: أن يكون العمل بالعادة والعرف هو بعينه عملٌ بحكمٍ شرعيٍّ، أي حكم به الشرع، أو كان العمل به موجوداً في الناس فدعا إليه الشرع وأكَّده.

فهذا النوع من الأحكام لا يجوز تغييره أو تبديله مهما تبدلت الأحوال؛ لأن هذا من قبيل الأحكام الثابتة التي لا تتغير، ولا تتعلق به قاعدتنا هذه.

ومثاله: الطهارة من النجاسة، وستر العورة، وارتداء الحجاب لدى نساء المسلمين.

ثانياً: أن لا يكون العمل بالعادة والعرف حكماً شرعيّاً ولا مناطاً لحكمٍ شرعيٍّ.

وهذا النوع لا علاقة له بالقاعدة، فللناس أن يطوِّروا أنماط حياتهم ويُغيِّروا مظاهرها، حسبما يرون من مقتضيات الزمن ما دام أن ذلك لا يُعارض أمراً من أمور الشريعة الثابتة.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الفروع المبنية على القاعدة:

1- أن العادة قد جرت بأن صبغ الثوب بالسواد في زمان أبي حنيفة يعد عيباً، ولذلك أفتى أبو حنيفة بأن من صبغ ثوباً بالسواد فقد عيَّبه.

ولما اختلف عرف الناس في زمان صاحبيه وأصبح الصبغ بالسواد حُسناً، أفتى الصاحبان بأن من صبغ ثوباً بالسواد فإنه لم يُعيِّبه.

2- أن العادة قد جرت بأن الدور تبنى على نمطٍ واحدٍ، ولذلك أفتى العلماء بأنه يكفي لسقوط خيار الرؤية رؤية بيتٍ منها ممن يريد شراءها جميعاً، فلما اختلفت العادة وصارت البيوت تبنى على كيفياتٍ مختلفةٍ أفتى العلماء بأنه لا بد من رؤية جميع البيوت ليسقط خيار الرؤية.

3- أن عادة الناس قد جرت في الزمن الماضي بعدِّ الأكل في الشوارع من خوارم المروءة، ولذلك لا تقبل شهادة من كان كذلك؛ لأنه من قبيل الفسق الذي ترد لأجله الشهادة.

إلا أن هذه العادة قد اختلفت وصار الأكل في الشوارع سبيل المتعجلين، ولذلك لا يعد هذا خارماً للمروءة في هذا الزمن.

4- أن العادة قد جرت بعدم إغلاق أبواب المساجد في جميع الأوقات في الزمن الماضي؛ لكونها أمكنةً معدةً للعبادة، ولكن لما فشا الفساد واختلف الحال أفتى العلماء بجواز إغلاقها في غير أوقات الصلاة؛ صيانةً لها من العبث والسرقة.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة تفيد أن للعادة تأثيراً في اختلاف الحكم، وذلك أن الحكم قد يختلف من زمنٍ إلى آخر لاختلاف العادة والعرف، وهذا يتفق مع مضمون ما أفادته القاعدة الكبرى، حيث أفادت أن العادة تعد مرجعاً لإثبات حكمٍ أو نفيه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة