القواعد الكلية غير الكبرى
القاعدة الكلية الأولى (التابعُ تابعٌ)[1]
والكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:
القواعد الكلية غير الكبرى
أولاً: المعنى الإفرادي:
- أما لفظ (التابع) فالمقصود به الشيء المرتبط بغيره على وجهٍ لا يمكن انفكاكه عنه حسّاً أو معنًى.
- وأما لفظ (تابعٌ) فالمقصود به أنه يُعطى حكم ذلك الشيء المتبوع.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الشيء إذا كان مرتبطاً بغيره على وجهٍ لا يمكن انفكاكه عنه حسّاً أو معنًى فإنه يُعطى حكم ذلك الشيء المتبوع سواءٌ أكان ذلك في الوجود والعدم أم في الإثبات والنفي أم في البقاء والذهاب أي السقوط والبطلان.
المسألة الثانية: أسباب التبعية:
حتى تتحقق التبعية في شيءٍ ما فإنه لا بد من تحقق سببٍ من الأسباب الآتية:
السبب الأول: أن يكون الشيء جزءاً من غيره أو كالجزء من غيره أو من ضروراته[2]:
فأما ما كان جزءاً من غيره فالمراد به: ما لا يوجد الشيء دونه ولا يقبل الانفصال عنه بالنظر إلى الغرض من ذلك الشيء. كالسقف والجدران والنوافذ بالنسبة للدار.
والمراد بما كان كالجزء: ما يوجد الشيء دونه في الأصل، وإذا وُجد فإنه لا يقبل الانفصال بالنظر إلى الغرض من ذلك الشيء. كالجنين بالنسبة للأم، والثمر بالنسبة للشجر.
وأما المراد بما كان من ضرورات الشيء فهو: ما كان من لوازم العين أو التصرف عقلاً أو عرفاً، أو من مصالحهما وكمال منافعهما، بحيث يتوقف عليها الانتفاع بذلك الشيء. كالعلو والسفل بالنسبة للأرض، والمفتاح بالنسبة للقفل، ووضع السلعة عند أصحاب الدكاكين بالنسبة للدلال فإنه من لوازم ملكه للتصرف بالبيع.
السبب الثاني: الاتحاد بين الشيء وغيره في الجنس، وذلك كالثمار التي من جنسٍ واحدٍ يجوز بيعها بعد بدو الصلاح في ثمرةٍ واحدةٍ منها، ويُلحق الذي لم يبدُ صلاحه بالذي بدا فيه الصلاح، وكذا المقاثي والمباطخ تتحد في الجنس، فيجوز بيع كلٍّ منها إذا طاب، ويُلحق الذي لم يطب بما طاب؛ وذلك كله لأجل التبعية الناتجة عن الاتحاد في الجنس.
السبب الثالث: الاتصال بين الشيء وغيره مع إرادة البقاء، والمراد بالاتصال الذي يُراد للبقاء: أن يكون اتصالاً في الحال وفي ثانيه، وليس قابلاً للفصل في ثاني الحال سواءٌ أكان اتصالاً حسيّاً أم معنويّاً. وذلك كالشجر والبناء بالنسبة للأرض، والسِّمَن بالنسبة للبهيمة، وتعلم الصنعة بالنسبة للعبد.
السبب الرابع: تولد الشيء من غيره، فإن المتولد من الشيء يُعطى حكم ذلك الشيء الذي هو أصله، وذلك كالربح بالنسبة للمال، والنِّتاج بالنسبة للماشية.
السبب الخامس: تميُّز الشيء عن غيره بقلةٍ أو بضعفٍ: والمقصود أن الشيء إذا كان قليلاً أو ضعيفاً لأجل كثرة أو قوة ما يُقابله، فإن هذا القليل أو الضعيف يتبع الكثير أو القوي في حكمه، كالثمر غير المؤبر بالنسبة للثمر المؤبر، وكالأنف بالنسبة للجبهة في السجود.
ووجه تبعية الأقل أو الأضعف للأكثر أو للأقوى يرجع إلى أن اعتبار القليل أو الضعيف وإفراده بحكمٍ خاصٍّ فيه نوع مشقةٍ، بحيث تعسر مراعاته والالتفات إليه، فتعم بذلك البلوى، ولذلك يُلحق بالكثير أو القوي في حكمه؛ دفعاً لهذه المشقة.
المسألة الثالثة: الأدلة على هذه القاعدة:
دلَّ على هذه القاعدة أدلةٌ من النص والمعنى:
- فأما النص فقد وردت جملةٌ من النصوص التي تفيد بمجموعها إعطاء التابع حكم متبوعه، ومنها:
1- قوله ﷺ: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»[3].
ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد حكم للجنين من حيث الذكاة بحكم أمه، فإذا حصلت تذكيتها فقد حصلت تذكيته أيضاً؛ لكونه تابعاً لها.
2- قوله ﷺ: «من باع نخلاً قد أُبِّرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع»[4] وفي لفظٍ: «من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبداً وله مالٌ فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»[5].
ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ قد حكم بالثمرة المؤبرة وبالمال الذي مع العبد بأنه للبائع، وذلك لأن تلك الثمرة وهذا المال قد حصل أثناء ملك البائع فيدخل تبعاً لملكه.
- وأما المعنى فإن العقل يقتضي أن وجود أي ارتباطٍ بين شيئين على وجهٍ يصل إلى عدم الانفكاك بينهما يلزم منه أن يرتبط أحدهما بالآخر في الحكم.
المسألة الرابعة: القواعد المتفرعة عن قاعدة (التابع تابع):
هذه القاعدة ذات معنىً مجمل تفصله القواعد المتفرعة عنها، وهي على النحو الآتي:
القاعدة الأولى (من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته)[6]
والكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:
أولاً: المعنى الإفرادي:
- فأما لفظ (شيئاً) فالتعبير به مقصودٌ، وذلك ليشمل العين والتصرف.
- وأما لفظ (ضروراته) فالمقصود به لوازمه إما من جهة العقل أو من جهة العرف.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن من حصل له ملك عينٍ أو تصرفٍ فإنه يملك ما هو من لوازم ذلك بطريق العقل أو العرف.
المسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:
1- لو اشترى شخصٌ أرضاً فإنه يدخل فيها ما فوقها وما تحتها، أي علوها وسفلها، فيحق له أن يبني في فضائها، ويحفر في أعماقها؛ وذلك لأن العلو والسفل من لوازم الأرض، فيكونان تابعين للأصل، فيُعطيان حكمه؛ لتبعيتهما له.
2- لو باع شخصٌ أرضاً، أو داراً، فإنه يدخل في هذا البيع دولاب الماء، وأبواب الدار؛ لأنها من ضرورات الأرض والدار، فتكون تابعةً لها، فتُعطى حكمها، فدولاب الماء يُعد من مصالح الأرض وكمال منافعها، والأبواب تعد من مصالح الدار وكمال منافعها.
وكذا المفتاح يُعد من لوازم القُفل، فمن اشترى قفلاً مثلاً فإنه يملك مفتاحه؛ لأن المفتاح من لوازم القفل، فيكون تابعاً له، فيُعطى حكمه.
وهذه الأمثلة السابقة تعد أمثلةً لتبعية لوازم العين.
3- لو وضع شخصٌ سلعةً عند دلَّالٍ فإن الدلَّال يملك التصرف بالبيع، فيملك ما هو من لوازمه، وهو وضع السلعة عند أصحاب الدكاكين.
فلو أن دلَّالاً وضع سلعةً عند صاحب دكَّانٍ، فهرب صاحب الدكَّان بالسلعة، فإن الدلَّال لا يضمن؛ لأن ملكه للازم قد ثبت تبعاً لملكه للأصل، فيعطى حكمه. وهذا مثال لوازم تبعية التصرف.
المسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بقاعدتها المتفرعة عنها:
هذه القاعدة تفيد أن ما كان من لوازم الشيء فإنه يعد تابعاً لذلك الشيء فيُعطى حكمه، وهذا هو ما تفيده القاعدة الكلية من أن التابع يُعطى حكم متبوعه.