القاعدة الثانية (التابع لا يُفرد بالحكم)[1]
والكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:
أن ما يصدق عليه وصف التابع لا يُعطى حكماً مستقلّاً، بل يُعطى حكم متبوعه في جميع الأحوال.
ويجدر التنبيه إلى أن بعض العلماء قد ذكر هذه القاعدة ومثَّل لها ببعض الأمثلة واستثنى منها بعض الصور، إلا أن الشيخ مصطفى الزرقا لم يرتضِ هذا الاستثناء، فذكر أن هذه القاعدة مضطربة التطبيق والفروع، والسبب في ذلك: أن صيغتها أعم من موضوعها.
ولذلك ذهب الشيخ الزرقا إلى تقييد القاعدة بقيدين:
أولهما: أن يكون معنى التابع في القاعدة (ما كان جزءاً أو كالجزء من غيره).
ثانيهما: أن يكون معنى الحكم في القاعدة (العقد).
ولذلك يكون معنى القاعدة عنده: أن ما كان جزءاً من غيره أو كالجزء منه لا يصح أن يكون معقوداً عليه استقلالاً.
والأولى أن نقيِّد التابع في القاعدة بالتابع الذي لا يمكن تمييزه سواءٌ أكان جزءاً أو كالجزء أم لم يكن، وسواءٌ أكان التصرف عقداً أم لم يكن.
وبناءً على ما تقدم فالمسألة التي يُفقد فيها هذا القيد لا تدخل في هذه القاعدة، بمعنى أنه يمكن إفراد التابع الذي يمكن تمييزه بحكمٍ مستقلٍّ.
المسألة الثانية: الدليل على هذه القاعدة:
دل على هذه القاعدة ما ورد في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي ﷺ «نهى أن يُباع ثمرةٌ حتى تُطْعَم، ولا يُباع صوفٌ على ظهرٍ، ولا لبنٌ في ضرعٍ»[2].
ووجه الاستدلال منه: أن الصوف واللبن تبعٌ للدابة، ولا يمكن تمييز هذا التابع وهو في هذه الحال، وقد نهى النبي ﷺ عن بيعهما، مما يدل على أن التابع لا يُفرد بالحكم[3].
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
1- أن العضو من البهيمة كجلدها إذا كانت حيةً يُعد تابعاً لها، فلا يجوز إفراده بالبيع؛ لأن التابع لا يُفرد بالحكم.
2- أن اللبن في الضرع أو الجنين في البطن يعد تابعاً للبهيمة، فلا يجوز إفراده بالبيع؛ لأن التابع لا يُفرد بالحكم.
ومن المسائل التي لا تنطبق عليها هذه القاعدة لفقدها للقيد الذي سبق ذكره ما يأتي:
1- لو غصب شخصٌ دابةً حاملاً، ثم ولدت عنده، فإن ولدها لا يعد مغصوباً مثلها، بل يعد أمانةً؛ لأن الولد هنا وإن كان تابعاً إلا أنه أمكن تمييزه عن المتبوع.
2- لو ضرب شخصٌ بطن امرأةٍ حاملٍ فأسقطت جنيناً ميتاً، فإنه يجب على الجاني دية الجنين وهي غرةٌ، لأن الجنين هنا وإن كان تابعاً لأمه إلا أنه أمكن تمييزه عن المتبوع.
3- لو أراد شخصٌ بيع المفتاح دون قفله أو الغمد دون سيفه فإنه يجوز ذلك لأن المفتاح وكذا الغمد وإن كان تابعاً إلا أنه يمكن تمييزه عن متبوعه.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بقاعدتها المتفرعة عنها:
هذه القاعدة تفيد أن ما كان تابعاً لا يصح إعطاؤه حكماً مستقلّاً بل يُجرى عليه حكم متبوعه، وهذا يتفق تماماً مع ما أفادته القاعدة الكلية.
القاعدة الثالثة (إذا سقط الأصل سقط الفرع)[4]
القاعدة الرابعة: (إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه)[5]
هاتان القاعدتان متقاربتا المعنى لذلك سيكون الكلام عليهما متقارباً من خلال المسائل الآتية:
المسألة الأولى: معنى هاتين القاعدتين:
أولاً: المعنى الإفرادي:
- أما لفظ (الأصل) فالمراد به هنا المتبوع.
- ولفظ (الفرع) فالمراد به هنا التابع.
- ولفظ (بطل) أي ذهب واضمحلَّ.
- ولفظ (الشيء) يُراد به هنا المتبوع وما يُعبَّر عنه في هذا المقام بالمتضمِّن - بكسر الميم-.
- وأما لفظ (ما في ضمنه) فالمراد به الضمني أو ما يُعبَّر عنه بالمتضمَّن - بفتح الميم - وهو يعني هنا: التابع.
ثانياً: المعنى الإجمالي:
أن التابع يُعطى حكم المتبوع في السقوط والبطلان، فإذا ارتفع حكم المتبوع لأي سببٍ كان استلزم ذلك ارتفاع حكم التابع.
لذلك قد يُعبر بعض العلماء عن هاتين القاعدتين بعباراتٍ أخرى كقولهم: (التابع يسقط بسقوط المتبوع)[6]، وكقولهم: (إذا بطل المتضمِّن بطل المتضمَّن)[7]، وقد يُعبَّر عن القاعدة الرابعة هنا بقولهم: (المبني على الفاسد فاسدٌ)[8].
المسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدتين:
1- أنه لا يُشرع للحائض بعد الطهر قضاء السنن الرواتب التي فاتتها في أيام الحيض، لأن الفرائض التي فاتت في أيام الحيض لا يُشرع قضاؤها فكذلك لا يُشرع قضاء توابعها في هذه الحال وهي الرواتب.
2- لو أبرأ الدائنُ المدينَ الذي له ضامنٌ، فإن الضامن يبرأ أيضاً كما برئ المدين، لأن الضامن فرعٌ عن المدين، وإذا سقط الأصل سقط الفرع، وإذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه.
3- لو صالح المدعى عليه خصمه المدعي على بدلٍ، ثم اعترف المدعي بعد الصلح بأنه لم يكن له عند المدعى عليه حقٌّ، فإن الصلح يبطل ويسقط، فيبطل ويسقط تمليك البدل، ويحق للمدعى عليه استرداده، لأنه إذا سقط الأصل سقط الفرع وبطل ما في ضمن الشيء.
4- لو اشترى شخصٌ سلعةً ثم وجد بها عيباً، فصالحه البائع ببدلٍ عن العيب، ثم برئت السلعة من العيب بدون معالجةٍ من المشتري، فإن الصلح يبطل ويسقط، فيبطل ويسقط تمليك البدل، ويحق للبائع استرداده، لأنه إذا سقط الأصل سقط الفرع وبطل ما في ضمن الشيء.
المسألة الثالثة: الفرق بين التابع والضمني أو المتضمَّن:
يُطلق الضمني أو المتضمَّن على التابع في استعمالات كثيرٍ من العلماء، ولا يوجد- فيما يظهر- تصريحٌ بالفرق بينهما، إلا أن تأمل واقع المسائل الفقهية وواقع تعليلاتهم لها في هذا الشأن يمكن أن نلحظ فيه الفرق بينهما، فيمكن القول: إن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، فالضمني أو المتضمَّن يقتصر على الحق اللازم من التصرف مما يعد من ضرورات الشيء كما في الأمثلة الثلاثة الأخيرة، والتابع يشمل هذا ويشمل صوراً أخرى مما ذُكر في أسباب التبعية.
المسألة الرابعة: علاقة هاتين القاعدتين بقاعدتهما المتفرعتين عنها:
هاتان القاعدتان تفيدان أن التابع يُعطى حكم متبوعه في السقوط والبطلان، وهذا يمثل جزءاً مما أفادته قاعدتهما التي تفرعتا عنها، فهي تفيد أن التابع يُعطى حكم متبوعه مطلقاً.
القاعدة الخامسة (قد يثبت الفرع دون الأصل)[9]
والكلام على هذه القاعدة في عدة مسائل:
أنه قد يحصل أن يثبت التابع أو الفرع مع سقوط المتبوع أو الأصل، وذلك إذا كان التابع أو الفرع حقّاً من الحقوق التي توافر لها من الوسائل المثبتة ما لم يتوافر في جانب المتبوع أو الأصل.
ولا يعني هذا أنه قد يحصل في الوجود الكوني حتى تكون هذه القاعدة مخالفةً للسنن الكونية التي تقتضي أن لا يوجد فرعٌ بلا أصل، بل المقصود بذلك ما يتعلق بإثبات الحقوق في مجال القضاء.
المسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:
1- لو قال شخصٌ: لزيدٍ على عمروٍ ألف ريالٍ وأنا ضامنٌ به، فأنكر عمروٌ، فإن هذا الشخص يُطالب بالألف، ولا يُطالب به عمرٌو، فيثبت الدين على الضامن الذي هو التابع أو الفرع، ولا يثبت على المتبوع أو الأصل الذي هو المضمون عنه؛ لأن الوسيلة المثبتة للتابع أو للفرع قد توافرت في جانبه، ولم تتوافر في جانب المتبوع أو الأصل، وهذه الوسيلة هي الإقرار الذي يعد حجةً قاصرةً.
2- لو أقر الزوج بأنه قد خالع زوجته، لكن الزوجة أنكرت حصول المخالعة، فإن البينونة تثبت بين الزوجين وهي الفرع، ولا يثبت العوض الذي هو الأصل في الخلع؛ لأن الوسيلة المثبتة للتابع أو للفرع قد توافرت في جانبه، ولم تتوافر في جانب المتبوع أو الأصل، وهذه الوسيلة هي الإقرار الذي يعد حجةً قاصرةً.
المسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بقاعدتها المتفرعة عنها:
هذه القاعدة تمثل حالة الاستثناء من القاعدتين الثالثة والرابعة، فإذا كانت القاعدتان الثالثة والرابعة قد بيَّنتا أن الفرع أو التابع يسقط بسقوط الأصل أو المتبوع، فإن هذه القاعدة تشير إلى أن الفرع أو التابع قد يثبت ولو سقط الأصل أو المتبوع.